الإدارة في «غوغل».. مزيج من الشفافية وتحديد الأهداف ومراجعة الأداء
سواء كان العمل يرتبط بالحرف اليدوية أو التدريس أو علوم الحاسوب أو مجالات أخرى، يتعامل كثيرون مع وظائفهم كأمرٍ سيئ لا مفر منه إذ ينتظرون بصبرٍ نافذ الانتهاء منه. ويرى المسؤول عن الموارد البشرية في شركة «غوغل»، لازلو بوك، أن هذا لا يُمثل الأسلوب الوحيد للنظر إلى العمل.
وبالتالي يتحمس بوك كثيراً لتقديم الدروس التي تعلمها منذ التحق بالعمل في «غوغل» في عام 2006، وخلال هذه الفترة ارتفع عدد موظفيها من 3000 إلى 53 ألف موظف. ويتحدث بوك في الكثير من المؤتمرات، منها ما نظمته الشركة نفسها باسم «ري:وورك» re:Work الذي اهتم بالبحث في سبل تحسين بيئة العمل وأوضاع الموظفين.
ويُعد بوك الأب الروحي لمصطلح «عمليات الأشخاص» People Operations وهو النسخة الأكثر عصرية لمفهوم الموارد البشرية، وانتقل من «غوغل» إلى عدد لا يُحصى من شركات التكنولوجيا، ويشغل بوك في الواقع منصب نائب أول لرئيس الشركة لعمليات الأشخاص.
كما يُقدم استشاراته لشركة «بتر ووركس» الناشئة التي تعمل على وضع بعض أفكاره في صورة برمجيات يُمكن للشركات الاستعانة بها لتعزيز اهتمام الموظفين وتفاعلهم مع بعضهم بعضاً.
ومن المُقرر أن يصدر كتاب لبوك باسم «قواعد العمل»، يعرض فيه جانباً من منهج «غوغل» في إدارة الموارد البشرية.
ويصر بوك على أن الطريق لتحسين العمل يكمن في الشفافية وتحديد الأهداف والمراجعات المتكررة للأداء، إضافة إلى بنية أقل اعتماداً على التسلسل الوظيفي الهرمي، الأمر الذي يحث الموظفين على الاعتماد على أنفسهم في حل المشكلات، ويشجعهم على نقد رؤسائهم في العمل كما ينتقدون أنفسهم وزملاءهم. ويُؤكد بوك ضمن كتابه أهمية توظيف الأشخاص المناسبين الذين يتسمون بالذكاء ويقظة الضمير والتواضع، كما تضمن مقال كتبه كريستوفر ميمز في صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، أخيراً.
ونظراً لأن الرسالة التي يدعمها بوك لاتزال جديدة نسبياً، لم تتبين بعد إمكانية تطبيقها على شركات أقل انتقائية من «غوغل» التي يقل معدل التوظيف فيها عن شخصٍ واحد من بين كل 200 شخص يتقدمون للعمل بها. كما يصعب تصور تطبيق رؤية «غوغل» في مجالات قد تعني حدة المنافسة فيها بين الشركات أو الموظفين الاتجاه إلى تخفيض الأجور وزيادة ساعات العمل.
ويُؤكد بوك أن شركات مثل «ويجمانز» و«كوستكو»، المتخصصتين في تجارة الأغذية والتجزئة، توصلتا على نحوٍ مستقل إلى الرؤية نفسها التي انتهى إليها، وتعتمدان عليها لمنافسة شركات تتبع نهجاً مختلفاً في الإدارة مثل «وولمارت» و«سامز كلب».
ويلفت بوك إلى أن الفارق لا يتمثل في اختلاف الرواتب بين هذه الشركات، لكن أيضاً في منح الموظفين الحرية وصلاحيات التصرف من تلقاء أنفسهم، وهو ما يزيد من ميلهم للتصرف كملاك يتحملون المسؤولية عن مختلف أجزاء العمل.
ومن بين الأمور التي يُساندها بوك تفضيله الاعتماد على لجنة في توظيف العاملين الجدد، وهو ما يتطلب طرح المسؤولين عن إجراء مقابلات العمل أسئلة مناسبة للوظيفة على المرشحين، تستقيها من مجموعة من الأسئلة القياسية تُعدها «غوغل»، كما يعني ذلك طرح المسؤولين عن المقابلات التالية الأسئلة نفسها، ويُيسر ذلك من المقارنة بين المقابلات، ويكشف عن تحيز مسؤولي التوظيف. وأشار بوك إلى أنه مع بساطة هذا الإجراء، إلا أنه يُحدث فارقاً، ويختلف عن الوضع المعتاد في معظم المؤسسات.
ويُبدي بوك حماساً لتوظيف الأشخاص المناسبين لمهام العمل بغض النظر عن خلفياتهم، ومن ثم العمل على زيادة إنتاجيتهم قدر الإمكان من خلال الحفاظ على سعادتهم، ويستند هذا الاهتمام إلى البيانات.
ويُنسب إلى «غوغل» مصطلح «تحليلات الأشخاص» People Analytics الذي يُشير إلى هذا النوع من التجارب.
ويستمد بوك جانباً من حماسه على تجاربه الشخصية، إذ ينحدر من عائلة من اللاجئين بسبب النظام القمعي لنيكولاي تشاوشيسكو في رومانيا. وقال: «على الجانب الشخصي، رأيت الأسوأ، وخاضت عائلتي الأسوأ». ونتج عن ذلك إيمان بوك بفكرة توفير «غوغل» للطعام مجاناً في مقراتها، وندرة مراكز الإدارة الوسطى.
ولا يُمكن تجاهل اعتماد «غوغل» بشكل كبير على البيانات وتحليلاتها، وتوصلت منها مثلاً إلى ملاحظة ترك الأمهات الجدد للعمل في الشركة، ما نتج عنه زيادة إجازات الأمومة مدفوعة الأجر، ومن ثم تراجع مغادرة الأمهات الجدد للعمل بنسبة 50%.
ويُشارك بوك في دراسة تمتد لـ100 عام، وترمي إلى التحديد العلمي لأسباب نجاح الناس وسعادتهم في العمل وخارجه، وتحمل اسم «جي دي إن أيه» gDNA، وتُحاكي نوعاً من الدراسات الطولية في الطب تبدأ بمجموعة من السكان وتتابعهم طوال حياتهم.
ويُجري البحث «مختبر الناس والابتكار» People and Innovation Lab في «غوغل»، ويصف بوك العمل فيه بقوله: «إنهم يجرون تجارب بشرية». وكشفت بعض النتائج المبكرة من المختبر أن ما يقرب من ثلث الأشخاص يفصلون تماماً بين عملهم وحياتهم المنزلية، ما يجعلهم، بحسب بوك، قد يمضون وقتاً بائساً في العمل، ثم يعودون إلى منازلهم ويتجاوزن ذلك كله.
واعتاد لازلو بوك مواجهة انتقاد يقول إنه من السهل التوظيف والإدارة على غرار «غوغل» حال توافر ما لدى الشركة من موارد. ويعتقد بوك أنه يُمكن لأي مؤسسة تحقيق انفتاح وتمكين الموظفين، مشيراً إلى أن «الهدف ليس أن تقول مدى روعة (غوغل)، وإنما تقديم خريطة طريق للناس».