«فيس بوك» تتفاوض مع مؤسسات إخبارية لاستضافة محتواها مباشرة
تمزج علاقة المؤسسات الإخبارية بموقع «فيس بوك» بين الصداقة والعداء، فمن ناحية تُمثل الشبكة الاجتماعية بعدد مُستخدميها البالغ 1.4 مليار مستخدم مصدراً رئيساً للزوار، ومن ناحية أخرى كثيراً ما أثارت سياسات الموقع بتحديد المواد صاحبة الأفضلية في قسم «خلاصات الأخبار» استياء الناشرين الساعين إلى جذب جمهور يتزايد انقسامه وارتباطه بالهواتف الذكية.
من جهتها، تحاول «فيس بوك» الإبقاء على المستخدمين فترة أطول ضمن موقعها، وتالياً زيادة أرباحها من الإعلانات، وربما يتأتى ذلك بالتحول من أداة وسيطة لوصول القراء إلى مقالات الصحف والمواقع الإخبارية إلى منصة تنشر المحتوى مباشرة.
وتناول تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، أخيراً، إجراء «فيس بوك» محادثات مع ما لا يقل عن ست شركات متخصصة في الإعلام بشأن استضافة محتوى يخصهم مثل المقالات مُباشرة، بدلاً من توجيه الزوار إلى مواقع خارجية كما هو الوضع الراهن.
وتُعد مثل هذه الخطة مغامرة جديدة للمؤسسات الإخبارية التي اعتادت الإبقاء على القراء ضمن نظمها الخاصة، ومراكمة المعلومات الثمينة حول تفضيلاتهم وأنشطتهم على «الويب».
وتحاول «فيس بوك» تهدئة مخاوف المؤسسات المبررة، بحسب ما نسبت الصحيفة إلى مصادر اطلعت على المحادثات، وتحدثت شريطة إخفاء هويتها لالتزامها باتفاقات تشترط الكتمان.
وتخطط «فيس بوك» لتجربة النموذج الجديد من التعاون مع المؤسسات الإخبارية خلال الشهور المُقبلة، وفق ما ذكر شخصان على علم بالنقاشات الجارية. ومن المتوقع أن تتضمن قائمة أوائل المشاركين صحيفة «نيويورك تايمز» و«ناشيونال جيوغرافيك» و«بَزفيد»، وربما ينضم آخرون نظراً لتواصل المفاوضات. وأشار مصدر إلى اقتراب «فيس بوك» وصحيفة «نيويورك تايمز» من التوصل إلى اتفاق.
وتعمل «فيس بوك» على جذب المؤسسات الإخبارية إلى خطتها الجديدة من خلال مناقشة طرق تتيح للناشرين جني المال من مبيعات الإعلانات التي ستُعرض إلى جانب المحتوى. وكانت شركة «فيس بوك» تحدثت علانيةً عن رغبتها في جعل تجربة استهلاك المحتوى على الإنترنت أكثر سلاسة.
وفضلاً عن مناقشة استضافة «فيس بوك» لمحتوى المواقع الإخبارية مباشرة، تبحث الشركة مع الناشرين سُبل ضمان سرعة وصول محتوى مواقعهم إلى القراء. وقال الرئيس التنفيذي لشركة «سيمبل ريتش» للتحليلات، إدوارد كيم، إنه يُمكن للارتفاع الثانوي في سرعة موقع ما أن يقود إلى زيادات كبيرة في رضا المستخدمين وأعداد الزوار. ولذلك، توقع تركيز «فيس بوك» على التحسينات الصغيرة بدلاً من جني المال عن طريق عقد الاتفاقات مع شركات الإعلام.
ولفت كيم إلى التأثيرات المحتملة على الناشرين، التي ترتبط أساساً بكيفية تنظيم «فيس بوك» للأمر، وضمانهم أن تكون الخطة في مصلحة الطرفين. ونبّه إلى أهمية المسألة، نظراً لملاحظة بعض المؤسسات الإعلامية تراجعاً في أعداد الزوار عن طريق «فيس بوك»، ما قد يرجع إلى منح الموقع الأولوية لمقاطع الفيديو الأكثر تحقيقاً لمبيعات الإعلانات.
وتشترك الشركات الإعلامية مع «فيس بوك» في السعي لتحسين تجارب المستخدمين، إلا أنها تخطو ببعض الحرص. وفي حين لا يُخفي موقع «بَزفيد» سياسته لنشر محتواه خارج موقعه الخاص، تعتمد «نيويورك تايمز» على نموذج الاشتراكات المدفوعة التي تُسهِم بحصة متنامية من عائداتها، وتالياً سيكون عليها أن تُقيم منافع وصولها إلى مُستخدمي «فيس بوك» وعائدات الإعلان الناتجة عنهم، في مُقابل فكرة التخلي عن محتواها وخسارة زيارات محتملة لمواقعها.
وحتى الآن، جاءت استجابة بعض المؤسسات الإعلامية على اقتراح «فيس بوك» فاترة. ومثلاً، تحدث بعض موظفي صحيفة «الغارديان» البريطانية بشكل غير رسمي لزملائهم في مؤسسات أخرى عن حاجة الناشرين للتكاتف سوياً، والتفاوض مع «فيس بوك» للتوصل إلى عرض يسري على المجال بأكمله، مع احتفاظهم بالتحكم في إعلاناتهم سواء جرى استضافة المحتوى في «فيس بوك» أم لا، بحسب مصدر مُطلع على النقاشات.
وأورد التقرير رفض ممثلين من صحيفة «نيويورك تايمز» وموقع «بَزفيد» التعليق على المفاوضات، كما لم ترد «الغارديان» و«ناشيونال جيوغرافيك» على أسئلة بشأن المحادثات مع «فيس بوك»، ورفض موقعا «هافنجتون بوست» و«كواترز» التعليق على مشاركتهما.
من جهتها، امتنعت «فيس بوك» عن التعليق على نقاشاتها مع الناشرين، لكن الشركة أشارت إلى توفيرها مزايا تُساعد الجهات الناشرة على جذب القراء، منها ما كشفت عنه في ديسمبر الماضي من أدوات تُتيح توجيه المقالات إلى مجموعات محددة من مُستخدمي الموقع، مثل النساء الشابات اللاتي يعشن في مدينة نيويورك ويحببن السفر. وأقرت الشركة بأن الاقتراح الجديد، الذي يُشرف عليه نائب رئيس «فيس بوك» لشؤون الإنتاج، كريس كوكس، من شأنه إنهاء الإعلانات التقليدية التي يُرفقها الناشرون مع المحتوى. ويتواصل إلى الآن بحث أفكار تقاسم العائدات بين «فيس بوك» والمؤسسات الإعلامية، منها واحدة تتيح للناشرين عرض إعلان في شكل مُخصص ضمن كل مقال يُنشر في «فيس بوك»، وفقاً لمصدر مُطلع.
وسابقاً، لم يقم موقع «فيس بوك» بأي نوعٍ من مشاركة الإيرادات مع ناشري المحتوى، وتمثل الوضع المعتاد في نشر المحتوى من خلاله وإسهامه في توجيه الزوار إلى مواقع خارجية، لكن أخيراً طرحت الشركة خيار تقاسم العائدات.
وإلى جانب التحديات المتعلقة بتنازل المؤسسات الإخبارية عن المحتوى وجانب من الإعلانات، تُواجه خطراً آخر يتمثل في خسارته بياناتها الثمينة عن المستهلكين، فحين يفتح القراء أحد المقالات، تتولى مجموعة من أدوات التتبع الخاصة بالموقع جمع معلومات عن شخصيتهم ومعدل زيارتهم وأنشطتهم الأخرى على «الويب».
وفي حالة استضافة المحتوى على «فيس بوك»، ربما تستحوذ الشبكة الاجتماعية على هذه البيانات. وقد تستعين بها، مثل العديد من الشركات، في زيادة فاعلية استهداف المستخدمين وتعقبهم لمصلحة المعلنين، وهو أمر طالما نال الكثير من الانتقادات بشأن سياسة الخصوصية. وحتى الآن، لم يُكشف عن مقدار البيانات التي يستعد «فيس بوك» لمشاركتها.
وفي حال تجاوزت خطة «فيس بوك» المرحلة التجريبية، وجرى تطبيقها بالفعل على نطاقٍ واسع، ستُواجه بعض المؤسسات الإعلامية تحدياً آخر إذا لم تشترك في البرنامج، وقد تخسر جانباً كبيراً من زوارها، وهو عامل يُفكر فيه الناشرون فعلياً. وقد تجد هذه المؤسسات أن مقالاتها تظهر على نحو أبطأ من منافسيهم، وبمرور الوقت قد يهجر القراء مواقعها.
ويرجع ذلك إلى نهج «فيس بوك» السابق في التعامل مع قسم «خلاصات الأخبار»، وإتاحته التشغيل التلقائي لمواقع الفيديو التي يجرى استضافتها من خلاله، ومنحها ميزة على مقاطع الفيديو عبر «يوتيوب»، وتالياً قد يُقدم على خطوةٍ مماثلة، ويُعطي الأولوية للمقالات التي يعرضها مباشرة.