مخاوف بشأن التأثيرات الصحية للتقنيات القابلة للارتداء

ظهرت في عام 1946 حملة إعلانية جديدة في مجلات أميركية تُصور طبيباً يرتدي المعطف الأبيض، ويُمسك بسيجارة إلى جانب شعار يقول إن الأطباء يشربون سجائر Camel «كامل» أكثر من أي نوعٍ آخر. ولم يكن الإعلان ساخراً أو يحمل رسالة خفية؛ فحينها لم يكن الأطباء على علم بأخطار التدخين مثل احتمال التسبب في الإصابة بالسرطان، وأمراض القلب والرئتين.

وفي السياق نفسه، يتساءل بعض الباحثين والمستهلكين حالياً عما إذا كانت السنوات والعقود المُقبلة ستكشف عن أضرار للأجهزة التقنية القابلة للارتداء. وفي الواقع، فقد بدأت قبل سنوات الشكوك بشأن أخطار الهواتف المحمولة التي تُصدر مستويات منخفضة من الإشعاع، واحتمال أن تتسبب في أورام في الدماغ وأمراض السرطان ومشكلات صحية أخرى إذا ما تم وضعها بجوار الجسم فترات طويلة.

وفي الوقت الراهن، يزداد الترويج لمنتجات الحوسبة القابلة للارتداء التي تلتصق بالجسد لفترات طويلة من اليوم، لاسيما الساعات الذكية التي تُنتجها الكثير من الشركات. ويغيب أي بحث نهائي ومُؤكد حول التأثيرات الصحية لهذه الأجهزة، حتى إن ساعة «أبل ووتش» لم تصل بعد إلى الأسواق وأيدي المستخدمين، لكن يُمكن النظر إلى نتائج بعض البحوث الحالية حول إشعاع الهواتف المحمولة، بحسب ما تناول نيك بيلتون في مقال نشرته صحيفة «ذا نيويورك تايمز» الأميركية.

 

الهواتف والسرطان

وقدمت «الوكالة الدولية لأبحاث السرطان»، وهي هيئة تابعة لمنظمة الصحة العالمية، وتتألف من 31 عالماً من 14 بلداً، النتائج الأكثر تأكيداً في هذا المجال، كما يُمكن اعتبارها الأقل تحيزاً. وبعد تحليل عشرات الدراسات عن سلامة استخدام الهواتف المحمولة، خلُصت الوكالة في عام 2011 إلى احتمال أن تكون الهواتف المحمولة «مُسببة للسرطان»، وأن يكون لها الضرر نفسه الناتج عن كيماويات تُستخدم في التنظيف الجاف والمبيدات الحشرية. ويُلاحظ في ذلك إحاطة الوكالة لنتائجها بسياجٍ الاحتمال في كلمة «ربما» أو «من الممكن».

وأشارت اللجنة التابعة لمنظمة الصحة العالمية، إلى تراجع الضرر مع ازدياد بعد الهاتف عن الرأس، وبالتالي فإن كتابة الرسائل النصية أو تصفح الإنترنت أقل ضرراً من إجراء المكالمات الهاتفية بوجود الجهاز على مسافة قريبة جداً من الدماغ. ويُفسر هذا المخاوف الجدية التي أثارتها فكرة نظارة «غوغل غلاس» حين طُرحت للمرة الأولى، كما يُفسر الدعوة إلى استخدام أدوات تُتيح التحدث في الهاتف من دون استخدام اليدين، مثل سماعات الرأس.

وتوصلت دراسة استمرت لفترة طويلة، وأجراها مجموعة من الباحثين الأوروبيين برئاسة أستاذ علم الأورام والأوبئة السرطانية في مستشفى جامعة «أوربيرو» في السويد، الدكتور لينارت هارديل، إلى أن التحدث في الهاتف المحمول أو اللاسلكي لفترات طويلة قد يُزيد بثلاث مرات من خطر الإصابة بأحد أنواع سرطان الدماغ.

وبالطبع، انتهت أبحاث أخرى إلى نتائج مُناقضة، لكن أسهم في تمويل بعضها شركات الهواتف المحمولة أو اتحادات تجارية.

ومثلاً لم تجد دراسة «إنترفون» الدولية، التي نُشرت في عام 2010، روابط قوية بين استخدام الهاتف المحمول وزيادة خطر الإصابة بأورام الدماغ.

وفي العام الماضي، أشارت «مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها» في الولايات المتحدة إلى الحاجة لإجراء مزيد من الأبحاث قبل تحديد تسبب الهواتف المحمولة في تأثيرات صحية.

وقاست دراسة أخرى، نُشرت نتائجها في مجلة «ذا بي إم جي» الطبية أو «المجلة العلمية البريطانية»، بيانات اشتراكات الهواتف المحمولة بدلاً من الاستخدام الفعلي. وقالت إنه لا يوجد دليل على تزايد خطر السرطان. لكن فريق الباحثين الدنماركي المسؤول عن الدراسة، أشار إلى أنه لا يُمكن استبعاد وجود زيادة تراوح بين «صغيرة» و«متوسطة» في خطر الإصابة بالسرطان بين من يستخدمون الهواتف المحمولة كثيراً.

 

الأجهزة القابلة للارتداء

وفي ما يخص العلاقة بين نتائج هذه الدراسات والتأثيرات الصحية للأجهزة التقنية القابلة للارتداء، مثل الساعات الذكية. قال الدكتور جوزيف ميركولا، وهو طبيب مهتم بالطب البديل الذي كتب كثيراً عن الآثار الضارة المُحتملة للهواتف المحمولة على الجسم البشري، أنه طالما لم تتضمن الأجهزة القابلة للارتداء اتصالات «الجيل الثالث» أو «ثري جي»، فستكون الآثار الضارة، إذا ما وُجدت، ضئيلة.

وأوضح الدكتور ميركولا أن مصدر الإشعاع في الهواتف المحمولة يتمثل في اتصال «الجيل الثالث»، ولذلك فإن أجهزة مثل «غاوبون أب» وساعة «أبل ووتش» ينبغي أن تكون مناسبة، معتبراً أن شراء ساعة مُزودة برقاقة للاتصال يعني وجود هاتف محمول ملتصق بمعصم اليد، وهي فكرة سيئة، بحسب ما قال.

وتعتمد ساعة «أبل ووتش» على تقنية البلوتوث والاتصال اللاسلكي «واي فاي» لاستقبال البيانات. ويقول الباحثون إنه لا يُوجد ضرر مُثبت لهذه الترددات على الجسم البشري. وقد تكون الأجهزة القابلة للارتداء المُزودة باتصالات «الجيل الثالث» أو «الجيل الرابع»، ومنها مثلاً ساعة «غالاكسي جير إس» من إنتاج «سامسونغ»، ضارة على الرغم من عدم التأكد من ذلك حتى الآن.

ولفت الباحثون إلى مخاوف أخرى تتعلق ببقاء بطاريات قوية قريبة من الجسم لفترات طويلة. وتساءلت بعض التقارير خلال العقود الماضية عما إذا كان الوجود على مسافة قريبة جداً من خطوط نقل الطاقة الكهربائية قد يتسبب في الإصابة بسرطان الدم أو «لوكيميا»، في حين نفت أبحاث أخرى ذلك.

ويدفع ذلك كله للتساؤل عما ينبغي للمستهلكين القيام به. وقال بيلتون إنه ربما يُمكن النظر إلى كيفية تعامل الباحثين أنفسهم مع الهواتف الذكية. وعلى الرغم من عناية الدكتور ميركولا بالمسائل المتصلة بأمن استخدام الهواتف المحمولة، طلب من الكاتب محادثته في الهاتف رداً على رسالة بالبريد الإلكتروني عن إجراء مقابلة. ولا يرى ميركولا في تصرفه تناقضاً، بل يعتبر التكنولوجيا حقيقة لا مناص منها من حقائق الحياة يستخدمها بحذر، ومن ذلك استعانته بسماعات الـ«بلوتوث».

 

الأكثر مشاركة