يقدر حجم مجال الترجمة بـ37 مليار دولار سنوياً وبنسبة نمو تبلغ 6%

تقنيات الترجمة تنقل أعمال الشركات إلى مستوى عالمي

صورة

لا يمكن إنكار سيطرة اللغة الإنجليزية على المحتوى المنشور على الإنترنت بنسبة تفوق النصف، لكن ريادتها في عالم الأعمال تبقى محل تساؤل، بالنظر إلى الازدهار المتزايد في مجال الترجمة العالمي عبر الاستعانة بمصادر خارجية، الذي يُقدر حجمه بـ37 مليار دولار، كما تنمو سنوياً بنسبة 6%.

وحسب ما خلص إليه استطلاع أجرته شركة «كمون سينس» Common Sense الاستشارية للأبحاث، فإنه يوجد مليارات الأشخاص ممن لا يمكنهم قراءة اللغة الإنجليزية على الإطلاق، أو لا يفهمونها بالقدر الذي يسمح لهم باتخاذ قرارات الشراء.

ويحتّم واقع التجارة في العالم على الشركات ترجمة وتوطين منتجاتها لتلائم البيئات المحلية واللغات المختلفة التي يصل عددها عالمياً إلى نحو 7000 لغة، الأمر الذي يتطلب عمل لغويين ومترجمين. ومع اشتداد المنافسة وارتفاع الطلب، تلجأ بعض الشركات إلى أدوات التكنولوجيا للتفوق على منافسيها.

ويزدهر حالياً عمل العديد من الشركات المختصة بالترجمة، ومنها «ذا بيغ وورد» The Big Word، التي تتخذ من بريطانيا مقراً لها، وتُوظف 12 ألف لغوي في 73 بلداً، ويغطي عملها 500 لغة.

وتتضمن قائمة متعامليها السابقين شركات، مثل «دي إتش إل» و«إلكترولوكس»، حسب ما تضمن تقرير نشره موقع «بي بي سي».

وأفادت الشركة بأن بمقدورها ربط متعامليها بمترجمين خلال 31 ثانية فقط عبر الهاتف، كما يمكنها إضفاء الطابع المحلي على الرسائل التسويقية، وترجمة الوثائق. وتعتبر شركة «ذا بيغ وورد» أن سلاحها الأقوى في ترسانة أدواتها التكنولوجية يتمثل في «نظام إدارة الترجمة» الجديد الذي يتيح لها إنجاز وتسليم المشروعات بمعدل أسرع أربع مرات من معدل السرعة المعتاد في مجال الترجمة، بفضل العمل الآلي للمشروعات وأدوات الترجمة بمساعدة الحاسوب.

ومثلاً في حال وجود مشروع ترجمة يخص إحدى شركات التكنولوجيا تُخطط لإطلاق هاتف جديد في بلدان عدة في اليوم نفسه، يقول الرئيس التنفيذي لشركة «ذا بيغ وورد»، لاري غولد، إن «مثل هذا المشروع يمر عبر عمليات مختلفة، ولا يقتصر على مجرد إرسال صفحة واحدة وترجمتها ثم إرسالها مجدداً». ويضيف «ربما يتضمن مخططات أو رسوماً توضيحية، أو يحتاج إلى تقديمه بطريقة معينة، وإضفاء الطابع المحلي عليه، وتحريره ومراجعته مرتين، وبطبيعة الحال عليك القيام بذلك كله ضمن مواعيد نهائية محدودة».

وفي بعض الأحيان، يستعين غولد بعدد يصل إلى 2000 متخصص باللغات لإنجاز مشروع واحد ينتشر عبر 33 بلداً. ويُساعد «نظام إدارة الترجمة» على تنسيق العمل، وتوزيع العبء على مناطق مختلفة، لإنجاز المشروعات على نحوٍ أسرع، وبتكاليف أقل.

وفي الواقع، لاتزال بعض الشركات تعتمد على جهد اللغويين، لكنها تلجأ على نحو متزايد إلى الاستعانة بنظم «الترجمة الآلية» Machine Learning الأقل كلفة. لكن المُحلل الرئيس في شركة «كمون سينس»، بن سارغنت، يرى أن لمثل هذه التقنية سلبياتها، إلا أنها يمكن أن تُلائم الأعمال الكبيرة ذات المخاطرة المنخفضة، لاسيما على الإنترنت.

وقال سارغنت إن مثل هذا المحتوى يقدّر بأقل من نصف 1% من جميع المحتوى الرقمي الذي يمكن وينبغي ترجمته.

وعلى سبيل المثال، حين أدرك موقع «إي باي» أن 20% من مبيعاته تتضمن عمليات تجارية عابرة للحدود، إضافة إلى نمو أعماله التجارية الدولية بمعدل يفوق مثيلاتها المحلية، أقدم على الاستحواذ على شركة «آب تِك» AppTek المتخصصة في تقنيات الترجمة الآلية، لمساعدته على تلبية طلب المستخدمين عل القوائم بلغات محلية.

وفي الوقت الراهن، يترجم موقع «إي باي» قوائم المنتجات في بلدان، منها روسيا والبرازيل، لكنه في نهاية المطاف يرغب في مساعدة البائعين على إدراج سلعهم بلغات متعددة، والتحدث إلى المشترين عبر الرسائل الفورية التي تجري ترجمتها في الوقت الحقيقي.

في المقابل، لا يقتنع الرئيس التنفيذي لشركة «فيرباليز إت» VerbalizeIt للترجمة، رايان فرانكل، الذي تستعين شركته بمترجمين فقط، ببرامج الترجمة الآلية.

وقال: «تُقيّم الشركات بشكل صحيح الدقة، لكن تتطلب العلامة التجارية والمصطلحات المتعلقة بالتخصص والثقافة والفروق الدقيقة مجموعة من محترفي الترجمة ذوي الخبرة والتدريب».

وحتى المدافعون عن برمجيات الترجمة الآلية يعترفون ببلوغ معدل دقتها نحو 70%، وهو ما يتحقق عادة عند ترجمة الوثائق الفنية التي تستخدم مصطلحات متسقة للغاية، لكن مستوى الدقة يتراجع إلى 30% بمجرد أن يتضمن النص اللغة العامية والتعبيرات والاستعارات التي تتضمنها المحادثات البشرية العادية.

وتبشر تقنية Speech-to-speech أو «ترجمة الحديث لحديث»، التي تُترجم الصوت البشري إلى نص مكتوب أو منطوق بواسطة الحاسوب في سرعة تقترب من الوقت الحقيقي، بفرص مثيرة للاهتمام. وذلك على الرغم من أنها لاتزال في مراحلها المُبكرة، وأظهرت نسخة الترجمة الفورية لبرنامج «سكايب»، التي كُشف عنها في مايو الماضي، بعض البطء.

ورجح محلل في شركة «جارتنر» لأبحاث السوق نضج تقنية «ترجمة الحديث لحديث» في غضون فترة تراوح بين خمس إلى 10 سنوات. وتُعد شركة «سبيتش ترانس» SpeechTrans واحداً من أوفر المرشحين حظاً للتفوق في هذا المضمار.

وذكرت الشركة أن بإمكان مستخدميها إجراء محادثات باستخدام ما يزيد على 40 لغة عبر الاتصال بالهاتف الثابت، أو عبر الإنترنت، وأن بمقدور تقنيتها التعرف إلى لهجات ونبرات مختلفة.

واستعانت شركة «هيوليت باركارد» أو «إتش بي» بتقنية «سبيتش ترانس» بالفعل في منصة «ماي رووم» MyRoom على الإنترنت التي تُتيح للمهنيين «في أي مكان في العالم التعاون بـ30 لغة مختلفة في المحادثة نفسها، وفي الوقت ذاته». وعلى الرغم من أن «إتش بي» لم تُفصح عن عدد متعامليها، إلا أنها لفتت إلى تزايد استخدام التطبيق، جنباً إلى جنب مع ارتفاع دقته وسرعته.

ومع ذلك، قال ساغنت من شركة «كمون سينس» إن أمام مثل هذه المنصات مسيرة طويلة لتتمكن من تحقيق النجاح. وأضاف «لا تتوقع استبدال المترجمين في المحاكم والمستشفيات قريباً، باستثناء المواقف الطارئة التي تكون فيها النتائج المشكوك فيها أفضل من اللاشيء».

وكما هو الحال مع برمجيات الترجمة الآلية، يتشكك البعض في إمكانات نجاح تقنية «ترجمة الحديث لحديث» في ملاحظة الفوارق الدقيقة في اللغة بالطريقة نفسها التي يُمكن للإنسان اكتشافها. ومع ذلك، يرى كوفيلو من شركة «سبيتش ترانس» أن لابتعاد الإنسان بعض الشيء عن العمل فوائده، مشيراً إلى احتمال عدم توافر مترجم دائماً عند الحاجة، كما قد تؤدي أيدلوجيات معينة أو ظروف إلى الخطأ في ترجمة ما يُقال.

طباعة