التكنولوجيا تُغير في تصميم وعمل فروع المصارف
على مدى عقود متتالية كانت الصورة المعتادة في التصميم الداخلي للمصارف نوافذ زجاجية ينتظر أمامها العملاء، ووراءها يجلس موظفو البنك، ومن خلفهم مساحات لتخزين الملفات الورقية، إلى جانب أقبية تمتلئ بالرفوف والخزائن، لحفظ وتصنيف السجلات والأوراق النقدية.
ثم جاءت الحواسيب قبل سنوات عدة، لتُسهِم في تحويل الملفات والسندات الورقية والمكتوبة يدوياً إلى صورة رقمية، وحالياً يُسند إليها القيام بالمزيد من الخدمات المصرفية والمالية، ما أسهم في تقليص مساحة فروع المصارف عن ذي قبل؛ حيث تراجعت الحاجة إلى المساحات الواسعة للتخزين، كما صار بإمكان الموظفين ترك مكانهم المعتاد للتجول في أنحاء المصرف بحواسيبهم اللوحية لإتمام مراجعات العملاء، وفق ما تناول تقرير نشرته صحيفة «ذا نيويورك تايمز» الأميركية.
وفي هذه الأيام، تبدو بعض المصارف أقرب في الشكل إلى متاجر إلكترونيات «أبل»، كما تتولى الشاشات وآلات الصراف الآلي المتقدمة إنجاز وظائف أكثر، وتشهد مدينة نيويورك وغيرها افتتاح فروعا مصرفية ذات مساحات أصغر مع تزويدها بأدوات عالية التقنية.
وقالت مديرة الأبحاث في شركة «سي إي بي تاور غروب»، نيكول ستورجل: «نرى بالتأكيد أن الفروع صارت أصغر»، وأضافت أن المساحة لم تعد ضرورية؛ لأن الكثير من المعاملات تجري عبر الإنترنت.
ويتسق هذا التحول، الذي تلعب التكنولوجيا الدور الأول فيه، مع ميل المزيد من الأشخاص إلى استخدام حواسيبهم وهواتفهم، لإتمام مهام مثل التحقق من حساباتهم المصرفية، وسداد الفواتير، والتحويلات المالية. وصار بمقدور آلات الصراف الآلي (أيه تي إم)، سواءً كانت أكشاكاً مستقلة أو وحدات مبنية داخل الجدران، القيام بالعديد من الوظائف الأساسية التي تطلبت في الماضي التعامل مع صراف البنك.
ومثلاً يخطط مصرف «تي دي» لافتتاح 34 فرعاً جديداً خلال العام الجاري، في مدينتي نيويورك وبوسطن وغيرهما، يشغل كلٌ منها في المتوسط مساحة نحو 3000 قدم مربعة (القدم تساوي 0.30 متر تقريباً)، ما يجعلها أقل بنسبة 25% عن الفروع الأقدم.
وأشار نائب الرئيس التنفيذي للفروع في مصرف «بي إن سي»، تود بارنهارت، إلى سرعة تغيّر نوافذ الصرف، فلم تعد في الحقيقة السبب الذي يدفع العملاء لزيارة الفرع. وفي الوقت الراهن يتردد العملاء على المصرف للحصول على المشورة، وليس للمهام الروتينية، لذلك تُعيد المصارف تنظيم وتشكيل فروعها وفقا لذلك.
وتشغل الفروع الجديدة لمصرف «بي إن سي» مساحة تراوح في المتوسط بين 2000 و2500 قدم مربعة، بدلاً من 3500 قدم مربعة لمساحات الفروع القديمة.
ويأتي تراجع مساحات فروع المصارف في مصلحتها، خصوصاً في المناطق الحضرية شديدة الازدحام، التي ترتفع فيها أسعار شراء وإيجار العقارات، الأمر الذي يُسهِم في تقليل تكاليف تشغيل الفرع. لذلك رأى رئيس الصرف الآلي واستراتيجية التخزين في مصرف «ويلز فارجو»، جوناثان فيليني، أن الفائدة المضافة في ذلك تكمن في التفكير بافتتاح فروع للمصرف في عدد أكبر من المواقع، وقال: «خصوصاً في الكثير من المناطق الحضرية الكثيفة، لم يكن يوجد الكثير من الخيارات».
وأشار فيليني إلى دور تقلص المساحات على تكاليف عمل الفرع، ففي الربيع الماضي افتتح «ويلز فارجو»، أحد البنوك الأربعة الكبرى في الولايات المتحدة، فرعاً في واشنطن بمساحة 1200 قدم مربعة، وتكلف تشغيله ما يقرب من نصف كلفة الفرع القديم. وكان بمقدور البنك العمل في مساحة أصغر؛ لأن الكثير من أعمال المكاتب الخلفية تحولت إلى عمليات رقمية.
ولفت نائب الرئيس والمدير العام لتحول الفروع في مؤسسة «إن سي آر»، بريان بيلي، إلى استخدام التكنولوجيا لتحويل نموذج تكاليف التشغيل، وأضاف: «نستطيع الآن الاحتفاظ بتشغيل هذه الفروع، لفترة تزيد من 12 إلى 15 ساعة يومياً، ويمكن للمصارف توظيف الموارد البشرية في هذه الفروع».
وقال المستشار المصرفي المستقل، بيرت إلي، إن المصارف تُكيف فروعها لتحقيق المزيد من العائدات، وتركز على مهام مثل القروض العقارية، وأنواع القروض الأخرى، وخدمات إدارة الثروة والوساطة.
وكان لهذه التحولات أثرها في طريقة عمل الموظفين ودورهم بالمقارنة مع دور الآلات. وقالت مديرة الأبحاث في شركة «سي إي بي تاور غروب» نيكول ستورجل: «نشهد قدراً أكبر بكثير من الخدمة الذاتية في الفرع، وخفضاً في عدد الموظفين»، وأشارت إلى أحد التغييرات الناجمة عن تغير طبيعة التوظيف، بتجول الموظف بحاسبه اللوحي، والالتقاء مع عملاء البنك.
من جانبه، قال بيلي، من مؤسسة «إن سي آر»، إن الانتقال من التفاعل الإنساني إلى الآلي يتطلب إعادة التفكير في توجه جديد. فمن الممكن لعميل المصرف أن يجري معاملاته مع صراف البنك، لكن تثبيت شاشات بزاوية 90 درجة قائمة على الجدار، يمنح العملاء درجة أفضل من الخصوصية.
وأشار بيلي إلى تأثير تحويل التعامل بالأوراق النقدية إلى الآلات في تحسين التأمين بفروع المصارف، فمع عدم تعامل الموظفين مع الأموال النقدية التي تُودع وتُصرف عبر الآلات، فليس على المصارف الاستثمار كثيراً في المزايا الأمنية، مثل الخزائن الضخمة والزجاج المقاوم للرصاص.
وتلعب آلات الصراف الآلي الحديثة دوراً مهماً في إحداث التحول؛ فقبل أسابيع أطلق مصرف «سيتي بنك» آلات جديدة مُزودة بخصائص إضافية، وأشار «سيتي بنك» إلى عزمه افتتاح فروع أصغر.
ومنذ عام 2010، كان متوسط مساحة الفروع الجديدة لمصرف «بي جي مورجان تشايس» 4400 قدم مربعة، وانخفضت هذه المساحة اعتباراً من العام الفائت إلى 3500 قدم مربعة، وتضمنت أكشاكاً بشاشات كبيرة تشبه حواسيب «آي باد» اللوحية، وتتيح للعملاء إجراء معاملات أكثر تعقيداً من الآلات التقليدية، وبنهاية العام صار لدى «جي بي مورجان تشايس» 31 من الفروع الجديدة بمنطقة نيويورك.
وكان «بنك أوف أميركا» قد أطلق عام 2013 خدمة الصراف الافتراضي، التي تتيح للعميل التفاعل عبر الفيديو مع صرافي البنك الموجودين في 71 موقعاً على الساحل الشرقي للولايات المتحدة وتكساس، وافتتح المصرف العام الماضي سبعة فروع، تتضمن الآلات الجديدة.