التعليم‭ ‬عبر‭ ‬المختبرات‭ ‬الافتراضية‭ ‬يلقى‭ ‬نجاحاً‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يغدو‭ ‬وسيلة‭ ‬معتمدة‭ ‬للتدريس‭. ‬ ‭ ‬فوتوز

المختبرات‭ ‬الافتراضية.. ‬الطريقة‭ ‬الأحدث‭ ‬لتدريس‭ ‬العلوم‭ ‬عبر‭ ‬الإنتـرنت

كثيراً‭ ‬ما‭ ‬ينظر‭ ‬البعض‭ ‬إلى‭ ‬التعليم‭ ‬عن‭ ‬بعد،‭ ‬خصوصاً‭ ‬مع‭ ‬توسع‭ ‬استخدام‭ ‬الإنترنت،‭ ‬باعتباره‭ ‬ثورة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التعليم،‭ ‬إذ‭ ‬أتاح‭ ‬الإنترنت‭ ‬المناهج‭ ‬الدراسية‭ ‬والمحاضرات‭ ‬لمئات‭ ‬الآلاف،‭ ‬بل‭ ‬للملايين‭ ‬من‭ ‬الطلاب‭ ‬والمهتمين‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬وتفاءل‭ ‬كثيرون‭ ‬بالتغييرات‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬تحدث‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬حياة‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يسكنون‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬بعيدة‭ ‬للغاية‭ ‬عن‭ ‬الجامعات‭ ‬والمعاهد‭ ‬العلمية،‭ ‬وتمكنوا‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المواد‭ ‬العلمية‭ ‬ببساطة،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬مقابل‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان،‭ ‬كما‭ ‬كثر‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الأثر‭ ‬البالغ‭ ‬لأسلوب‭ ‬الدورات‭ ‬التعليمية‭ ‬المفتوحة‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت‭ ‬في‭ ‬أساليب‭ ‬التعليم‭ ‬التقليدية‭. ‬
لكن‭ ‬المختصين‭ ‬بدراسة‭ ‬تقنيات‭ ‬التعليم‭ ‬يرون‭ ‬الأمر‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬مختلف،‭ ‬إذ‭ ‬يعتقد‭ ‬بعض‭ ‬منهم‭ ‬أنه‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المحاضرات‭ ‬والدورات‭ ‬المفتوحة‭ ‬والمتاحة‭ ‬لعدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الأشخاص‭ ‬تتيح‭ ‬نقل‭ ‬الحقائق‭ ‬والمفاهيم‭ ‬إلى‭ ‬المتعلمين،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬بمفردها‭ ‬لتعلم‭ ‬الأشخاص‭ ‬كيفية‭ ‬تطبيق‭ ‬هذه‭ ‬المفاهيم‭ ‬بشكل‭ ‬عملي،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬توفر‭ ‬للطلاب‭ ‬تجربة‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المهارات‭ ‬العملية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بمجال‭ ‬العلوم،‭ ‬مثل‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬جمع‭ ‬وتحليل‭ ‬البيانات،‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬معدات‭ ‬حقيقية‭ ‬داخل‭ ‬المختبرات‭ ‬العلمية،‭ ‬والمثابرة‭ ‬وإعادة‭ ‬التجارب‭ ‬مرات‭ ‬عدة،‭ ‬ومتعة‭ ‬الترقب‭ ‬وانتظار‭ ‬النتائج‭.‬

الطلاب‭ ‬الكبار‭ ‬أيضاً

يمكن‭ ‬للدورات‭ ‬التعليمية‭ ‬المعتمدة‭ ‬على‭ ‬العوالم‭ ‬الافتراضية‭ ‬إثارة‭ ‬اهتمام‭ ‬الطلاب‭ ‬الأكبر‭ ‬سناً‭ ‬والإسهام‭ ‬في‭ ‬تدريبهم‭ ‬على‭ ‬التخطيط‭ ‬لمشروعات‭ ‬ناجحة‭.‬
ونظم‭ ‬المتخصص‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬التربوي‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬‮«‬ويسكونسن‮»‬،‭ ‬ديفيد‭ ‬شافير،‭ ‬تجربة‭ ‬لطلبة‭ ‬الهندسة‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬أتاحت‭ ‬لهم‭ ‬تجربة‭ ‬قدراتهم‭ ‬على‭ ‬التصميم‭ ‬وإجراء‭ ‬البحوث‭ ‬بشكل‭ ‬افتراضي،‭ ‬واستغلت‭ ‬التجربة‭ ‬حماس‭ ‬الطلاب‭ ‬الجدد‭ ‬للتصميم‭ ‬وبناء‭ ‬نماذج‭ ‬جديدة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬عملياً‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬قضائهم‭ ‬عامين‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬الفيزياء‭ ‬والرياضيات‭.‬
وأتاحت‭ ‬التجربة‭ ‬للطلاب‭ ‬العمل‭ ‬ضمن‭ ‬فرق‭ ‬تستهدف‭ ‬تصنيع‭ ‬آلات‭ ‬لغسل‭ ‬الكلى،‭ ‬ويكون‭ ‬عليهم‭ ‬اختيار‭ ‬تصميمات‭ ‬ملائمة‭ ‬وإجراء‭ ‬الأبحاث‭ ‬وحساب‭ ‬التكاليف‭ ‬ومراعاة‭ ‬النواحي‭ ‬التسويقية‭ ‬قبل‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارهم‭ ‬النهائي،‭ ‬وأظهرت‭ ‬التجربة‭ ‬نجاحاً‭ ‬مع‭ ‬طلاب‭ ‬جامعات‭ ‬عدة‭. ‬ويعمل‭ ‬شافير‭ ‬وزملاؤه‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬دورة‭ ‬تمهيدية‭ ‬في‭ ‬الهندسة‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬المحاكاة‭ ‬وتحويل‭ ‬النظام‭ ‬إلى‭ ‬منصة‭ ‬برمجية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تدعم‭ ‬إنتاج‭ ‬تدريبات‭ ‬تلائم‭ ‬مجالات‭ ‬مختلفة‭.‬

افتقار‭ ‬إلى‭ ‬التفاعل

كحل‭ ‬لمشكلة‭ ‬افتقار‭ ‬تجارب‭ ‬التعليم‭ ‬المعتمدة‭ ‬على‭ ‬الإنترنت‭ ‬والبيئات‭ ‬الافتراضية‭ ‬إلى‭ ‬التفاعل‭ ‬بين‭ ‬الطلاب‭ ‬والأساتذة،‭ ‬يعمل‭ ‬بعض‭ ‬المصممين‭ ‬على‭ ‬دمج‭ ‬جانب‭ ‬المشاركة‭ ‬البشرية‭ ‬أو‭ ‬الرقمية،‭ ‬ومنها‭ ‬المحادثات‭ ‬والنقاش‭ ‬حول‭ ‬المواد‭ ‬التعليمية،‭ ‬الذي‭ ‬يرسخ‭ ‬الفهم‭ ‬لدى‭ ‬الدارسين،‭ ‬في‭ ‬تجاربهم‭ ‬ومختبراتهم‭ ‬الافتراضية‭.‬
وكمثال‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬طور‭ ‬الطبيب‭ ‬النفسي‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬ممفيس،‭ ‬آرت‭ ‬غراسير،‭ ‬نظاماً‭ ‬يتضمن‭ ‬تفاعل‭ ‬الطلاب‭ ‬مع‭ ‬شخصيتين‭ ‬افتراضيتين‭ ‬عبر‭ ‬الحاسب‭ ‬الآلي،‭ ‬تمثلان‭ ‬معلماً‭ ‬وطالباً‭ ‬زميلاً،‭ ‬ويمكن‭ ‬لهما‭ ‬فهم‭ ‬اللغة‭ ‬التي‭ ‬يستخدمها‭ ‬الطالب‭ ‬الحقيقي‭ ‬وتوفيق‭ ‬سلوكهما‭ ‬بحسب‭ ‬حديثه،‭ ‬ويمكن‭ ‬للطالب‭ ‬تعميق‭ ‬ما‭ ‬تعلمه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الحديث‭ ‬مع‭ ‬الزميل‭ ‬الافتراضي‭.‬
ومن‭ ‬الأمثلة‭ ‬أيضاً‭ ‬لعبة‭ ‬‮«‬العملية‭ ‬إيه‭ ‬آر‭ ‬آي‭ ‬إي‭ ‬إس‮»‬‭ ‬المُصممة‭ ‬لتعليم‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬والعلمي‭ ‬لطلاب‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانوية‭ ‬والجامعية،‭ ‬ويعمل‭ ‬فيها‭ ‬اللاعبون‭ ‬على‭ ‬إنقاذ‭ ‬كوكب‭ ‬الأرض‭ ‬من‭ ‬جهات‭ ‬خارجية‭ ‬تستهدف‭ ‬تحويل‭ ‬البشر‭ ‬إلى‭ ‬كائنات‭ ‬استهلاكية‭.‬

وتتطلب‭ ‬المهارات‭ ‬العملية‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬تجارب‭ ‬داخل‭ ‬المختبرات‭ ‬ورحلات‭ ‬ميدانية‭ ‬وتدريبات،‭ ‬ويرى‭ ‬الباحثون‭ ‬أن‭ ‬الإنترنت‭ ‬لم‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬نقل‭ ‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬إلى‭ ‬الطلاب،‭ ‬لذا‭ ‬فإنهم‭ ‬يحاولون‭ ‬اختبار‭ ‬طرق‭ ‬جديدة‭ ‬لتدريس‭ ‬المهارات‭ ‬العملية‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬العلوم‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت؛‭ ‬وبالفعل،‭ ‬حققت‭ ‬تجاربهم‭ ‬نجاحاً‭ ‬ملموساً‭ ‬خلال‭ ‬العقد‭ ‬الماضي‭ ‬بفضل‭ ‬التقنيات‭ ‬الحديثة‭ ‬وانتشار‭ ‬الهواتف‭ ‬الذكية‭ ‬والألعاب‭ ‬المتطورة‭.‬
واستعرض‭ ‬مقال‭ ‬نشرته‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬نيتشر‮»‬‭ ‬البريطانية‭ ‬العلمية‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬التعليم‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت‭: ‬المختبر‭ ‬الافتراضي‮»‬‭ ‬بعضاً‭ ‬من‭ ‬الأساليب‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬تدريس‭ ‬المهارات‭ ‬العملية‭ ‬للعلوم‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت،‭ ‬والاختلاف‭ ‬بشأن‭ ‬مدى‭ ‬كفاءتها‭ ‬في‭ ‬التدريس‭ ‬وأثرها‭ ‬في‭ ‬مستقبل‭ ‬التعليم،‭ ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬تم‭ ‬تطوير‭ ‬طريقة‭ ‬دمج‭ ‬الدارسين‭ ‬عن‭ ‬بعد‭ ‬في‭ ‬التجارب‭ ‬العلمية‭ ‬داخل‭ ‬المختبرات‭.‬
وينقل‭ ‬المقال‭ ‬عن‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬تقنيات‭ ‬التعلم‭ ‬في‭ ‬‮«‬الجامعة‭ ‬المفتوحة‮»‬‭ ‬البريطانية،‭ ‬مايك‭ ‬شاربلز،‭ ‬حديثاً‭ ‬عن‭ ‬تجربة‭ ‬الجامعة‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬منح‭ ‬الدرجات‭ ‬العلمية‭ ‬عن‭ ‬بعد‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1969،‭ ‬واعتمدت‭ ‬حتى‭ ‬أواخر‭ ‬التسعينات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬في‭ ‬تدريس‭ ‬المناهج‭ ‬العلمية‭ ‬على‭ ‬إرسال‭ ‬أدوات‭ ‬إجراء‭ ‬التجارب‭ ‬الكيميائية‭ ‬وآلات‭ ‬أخرى‭ ‬كالمجهر‭ ‬إلى‭ ‬الطلاب‭ ‬ليجروا‭ ‬بعض‭ ‬التجارب‭ ‬في‭ ‬المنزل،‭ ‬ثم‭ ‬يعيدون‭ ‬أدوات‭ ‬التدريب‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬الجامعة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬أمراً‭ ‬مرهقاً‭ ‬ومكلفاً‭. ‬وحالياً‭ ‬تتيح‭ ‬الجامعة‭ ‬للطلاب‭ ‬عبر‭ ‬مختبر‭ ‬‮«‬العلوم‭ ‬المفتوح‮»‬‭ ‬على‭ ‬الإنترنت‭ ‬استخدام‭ ‬أدوات‭ ‬التحكم‭ ‬عن‭ ‬بعد‭ ‬وجمع‭ ‬بيانات‭ ‬من‭ ‬أجهزة‭ ‬علمية‭ ‬كالتلسكوب‭ ‬والمجهر‭ ‬الافتراضي‭ ‬الذي‭ ‬يُمكن‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬رؤية‭ ‬صور‭ ‬عالية‭ ‬الدقة‭ ‬بدلاَ‭ ‬من‭ ‬العينات،‭ ‬والتركيز‭ ‬وتقريب‭ ‬الصور‭ ‬مثل‭ ‬طريقة‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬العينات‭ ‬الحقيقية‭.‬
وفي‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأميركية‭ ‬يجري‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬أكثر‭ ‬تقدماً‭ ‬من‭ ‬المختبرات‭ ‬الرقمية،‭ ‬فيعمل‭ ‬باولو‭ ‬بليكستين،‭ ‬مدير‭ ‬مختبر‭ ‬تقنيات‭ ‬التعليم‭ ‬التحويلية‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬ستانفورد،‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬معمل‭ ‬لدراسة‭ ‬الأحياء‭ ‬يمكن‭ ‬التحكم‭ ‬فيه‭ ‬عن‭ ‬بعد،‭ ‬ويصور‭ ‬المشروع‭ ‬بوجود‭ ‬مختبر‭ ‬كبير‭ ‬يضم‭ ‬10‭ ‬آلاف‭ ‬من‭ ‬‮«‬أطباق‭ ‬بتري‮»‬،‭ ‬المستخدمة‭ ‬لزراعة‭ ‬الخلايا،‭ ‬كما‭ ‬يضم‭ ‬المختبر‭ ‬‮«‬روبوت‮»‬‭ ‬يمكن‭ ‬للطلاب‭ ‬التحكم‭ ‬فيه‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت‭ ‬وطلب‭ ‬إضافة‭ ‬سوائل‭ ‬معينة‭ ‬أو‭ ‬تغيير‭ ‬الأطباق‭ ‬الخاصة‭ ‬بهم،‭ ‬بينما‭ ‬تراقب‭ ‬الكاميرا‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭. ‬وتطرح‭ ‬المختبرات‭ ‬الافتراضية،‭ ‬لاسيما‭ ‬مع‭ ‬إمكانية‭ ‬تطور‭ ‬التقنيات‭ ‬المستخدمة‭ ‬فيها‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة،‭ ‬حلاً‭ ‬ممكناً‭ ‬لإشكاليات‭ ‬تدريس‭ ‬العلوم‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬البعض‭ ‬يشكك‭ ‬في‭ ‬جدوى‭ ‬الاعتماد‭ ‬عليها‭ ‬وأثرها‭ ‬في‭ ‬مستقبل‭ ‬الطلاب؛‭ ‬فربما‭ ‬إذا‭ ‬قرر‭ ‬البعض‭ ‬منهم‭ ‬استكمال‭ ‬دراسته‭ ‬حتى‭ ‬مرحلة‭ ‬الدكتوراه‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬غريباً‭ ‬وعاجزاً‭ ‬عن‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬أجواء‭ ‬المختبرات‭ ‬الحقيقية‭.‬
ويستعرض‭ ‬مقال‭ ‬‮«‬نيتشر‮»‬‭ ‬رأياً‭ ‬آخر‭ ‬يعتقد‭ ‬بإمكانية‭ ‬استخدام‭ ‬الإنترنت‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬التدريب‭ ‬العملي‭ ‬للطلاب‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬أسلوب‭ ‬التعليم‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬طرح‭ ‬الأسئلة‭ ‬على‭ ‬الدارسين،‭ ‬وحثهم‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الحلول‭ ‬بأنفسهم،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬أقرانهم،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أسلوب‭ ‬المحاضرات‭ ‬التي‭ ‬تلقن‭ ‬الإجابات‭ ‬للطلاب‭ ‬وتعتمد‭ ‬على‭ ‬صب‭ ‬المعارف‭ ‬في‭ ‬عقولهم‭.‬
وأشار‭ ‬المقال‭ ‬إلى‭ ‬تجربة‭ ‬بدأها‭ ‬الفيزيائي‭ ‬مايكل‭ ‬كاتس،‭ ‬من‭ ‬‮«‬معهد‭ ‬جورجيا‭ ‬للتقنية‮»‬‭ ‬في‭ ‬أتلانتا،‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬المختبرات‭ ‬الحقيقية‭ ‬تفصل‭ ‬الطلاب‭ ‬عن‭ ‬الواقع،‭ ‬ويتعاملون‭ ‬معها‭ ‬بوصفها‭ ‬مباني‭ ‬تحوي‭ ‬معدات‭ ‬متخصصة،‭ ‬وبعدها‭ ‬يخرجون‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬الحقيقي،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يطبقون‭ ‬ما‭ ‬تعلموه‭ ‬فيها‭. ‬وأطلق‭ ‬كاتس‭ ‬في‭ ‬مايو‭ ‬الماضي‭ ‬تجربة‭ ‬لدورة‭ ‬مفتوحة‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬اختصاراً‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬إم‭ ‬أو‭ ‬أو‭ ‬سي‮»‬‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬أنا‭ ‬والمختبر‮»‬،‭ ‬وتهدف‭ ‬الى‭ ‬دمج‭ ‬الطلاب‭ ‬عن‭ ‬بعد‭ ‬في‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬التدريبات‭ ‬العملية‭ ‬حول‭ ‬علوم‭ ‬الحركة؛‭ ‬إذ‭ ‬يُطلب‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬منهم‭ ‬تصوير‭ ‬مقطع‭ ‬فيديو‭ ‬من‭ ‬البيئة‭ ‬المحيطة‭ ‬لحركة‭ ‬أحد‭ ‬الكائنات‭ ‬يسير‭ ‬بسرعة‭ ‬ثابتة‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬ثابت،‭ ‬ثم‭ ‬يحلل‭ ‬كل‭ ‬طالب‭ ‬المقطع‭ ‬الخاص‭ ‬به‭ ‬باستخدام‭ ‬البرمجيات‭ ‬مفتوحة‭ ‬المصدر،‭ ‬لينشر‭ ‬النتائج‭ ‬النهائية‭ ‬في‭ ‬فيديو‭ ‬من‭ ‬خمس‭ ‬دقائق‭ ‬على‭ ‬موقع‭ ‬‮«‬يوتيوب‮»‬‭ ‬ليراه‭ ‬ويناقشه‭ ‬الطلاب‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬الإنترنت‭.‬
ويأمل‭ ‬كاتس‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬نجحت‭ ‬التجربة،‭ ‬التي‭ ‬يشارك‭ ‬فيها‭ ‬آلاف‭ ‬الطلبة‭ ‬وتنتهي‭ ‬في‭ ‬أغسطس‭ ‬المقبل،‭ ‬واستطاع‭ ‬الطلاب‭ ‬استيعاب‭ ‬المادة‭ ‬العلمية‭ ‬من‭ ‬خلالها،‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬نموذجاً‭ ‬ناجحاً‭ ‬لتدريس‭ ‬العلوم‭ ‬على‭ ‬الإنترنت‭. ‬ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬بعض‭ ‬تجارب‭ ‬التعليم‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت‭ ‬على‭ ‬الطلاب‭ ‬المنتظمين‭ ‬والراغبين‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬شهادات‭ ‬علمية‭ ‬وحسب،‭ ‬بل‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالعلم‭ ‬إلى‭ ‬خارج‭ ‬الجامعات‭ ‬والمختبرات،‭ ‬وتتيح‭ ‬وسيلة‭ ‬تفاعلية‭ ‬للتعلم،‭ ‬وتسهم‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬علماء‭ ‬صغار‭ ‬متدربين‭. ‬وكانت‭ ‬الجامعة‭ ‬المفتوحة‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬بدأت‭ ‬قبل‭ ‬خمسة‭ ‬أعوام‭ ‬تجربة‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬آي‭ ‬سبوت‮»‬،‭ ‬ودعت‭ ‬الجماهير‭ ‬لإضافة‭ ‬لقطات‭ ‬من‭ ‬تصويرهم‭ ‬للكائنات‭ ‬الحية‭ ‬من‭ ‬طيور‭ ‬وحيوانات‭ ‬وحشرات‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يعرفونه‭ ‬عنها،‭ ‬وإلى‭ ‬الآن‭ ‬يضم‭ ‬البرنامج‭ ‬في‭ ‬عضويته‭ ‬نحو‭ ‬30‭ ‬ألف‭ ‬شخص‭ ‬من‭ ‬بريطانيا‭ ‬وجنوب‭ ‬إفريقيا،‭ ‬ونجحت‭ ‬كل‭ ‬صورة‭ ‬في‭ ‬إثارة‭ ‬نقاش‭ ‬واسع‭ ‬شارك‭ ‬فيه‭ ‬علماء‭ ‬متخصصون‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت‭ ‬حول‭ ‬هذه‭ ‬الكائنات‭ ‬وتأثيرها‭ ‬في‭ ‬الصحة‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬البيئي‭.‬
ومن‭ ‬بين‭ ‬الوسائل‭ ‬التي‭ ‬ساعدت‭ ‬على‭ ‬تطبيق‭ ‬تقنيات‭ ‬التعليم‭ ‬المستند‭ ‬إلى‭ ‬الأسئلة‭ ‬والاستقصاء،‭ ‬العوالم‭ ‬الافتراضية‭ ‬على‭ ‬الإنترنت،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ«البيئات‭ ‬الافتراضية‭ ‬متعددة‭ ‬المستخدمين‮»‬،‭ ‬ومن‭ ‬أبرز‭ ‬التطبيقات‭ ‬فيها‭ ‬الألعاب،‭ ‬التي‭ ‬يشارك‭ ‬فيها‭ ‬عدد‭ ‬ضخم‭ ‬من‭ ‬اللاعبين‭ ‬وتقوم‭ ‬على‭ ‬تقمص‭ ‬كل‭ ‬منهم‭ ‬شخصية‭ ‬خيالية‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬لعبة‭ ‬‮«‬وورلد‭ ‬أوف‭ ‬ووركرافت‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬وصل‭ ‬عدد‭ ‬المشاركين‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬ثمانية‭ ‬ملايين‭ ‬لاعب‭.‬
ومن‭ ‬أمثلة‭ ‬توظيف‭ ‬العوالم‭ ‬الافتراضية‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬تجربة‭ ‬كريس‭ ‬ديدي،‭ ‬الذي‭ ‬درس‭ ‬المحاكاة‭ ‬بغرض‭ ‬التعليم‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬‮«‬هارفارد‮»‬،‭ ‬فطَوّر‭ ‬بالاشتراك‭ ‬مع‭ ‬زملاء‭ ‬له‭ ‬دورة‭ ‬تعليمية‭ ‬لطلاب‭ ‬تراوح‭ ‬أعمارهم‭ ‬بين‭ ‬11‭ ‬و13‭ ‬عاماً،‭ ‬ونجحت‭ ‬الدورة‭ ‬التي‭ ‬تناولت‭ ‬النظم‭ ‬البيئية‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬مفاهيم‭ ‬مهمة‭ ‬للطلاب‭ ‬حول‭ ‬نظم‭ ‬الغذاء‭ ‬والتحليل‭ ‬والمستنقعات‭. ‬وتضمنت‭ ‬تجربة‭ ‬ديدي‭ ‬قضاء‭ ‬الطلاب‭ ‬أسبوعين‭ ‬بطريقة‭ ‬افتراضية‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬بِركة‭ ‬مياه،‭ ‬واكتشاف‭ ‬سبب‭ ‬موت‭ ‬الأسماك‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬فيها،‭ ‬ويمكن‭ ‬للطلاب‭ ‬خلال‭ ‬التجربة‭ ‬دراسة‭ ‬الأسباب‭ ‬المحتملة‭ ‬لتلوث‭ ‬المياه‭ ‬وعلاقتها‭ ‬بالبيئة‭ ‬المحيطة‭ ‬كوجود‭ ‬مصانع‭ ‬أو‭ ‬أسمدة‭ ‬في‭ ‬مياه‭ ‬الصرف‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬ملعب‭ ‬الغولف‭ ‬القريب،‭ ‬وكذلك‭ ‬دراسة‭ ‬عينات‭ ‬من‭ ‬المياه،‭ ‬ليعملوا‭ ‬على‭ ‬تحليل‭ ‬هذه‭ ‬البيانات‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬تصور‭ ‬لسبب‭ ‬التلوث‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تعدد‭ ‬هذه‭ ‬التقنيات‭ ‬وما‭ ‬يحمله‭ ‬المستقبل‭ ‬من‭ ‬إمكانات‭ ‬تطورها،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬تبنيها‭ ‬بشكل‭ ‬واسع‭ ‬لتدريس‭ ‬المهارات‭ ‬العملية‭. ‬وترى‭ ‬إحدى‭ ‬مؤسسات‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬كورسيرا‮»‬،‭ ‬المتخصصة‭ ‬في‭ ‬الدورات‭ ‬التعليمية‭ ‬المفتوحة‭ ‬على‭ ‬الإنترنت،‭ ‬دافين‭ ‬كولر،‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬أسباب‭ ‬ذلك‭ ‬عدم‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الأساليب‭ ‬والتعليم‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت،‭ ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬تتم‭ ‬التجربة،‭ ‬تنتهي‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬المواقع‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يراها‭ ‬أحد،‭ ‬وأوضحت‭ ‬أن‭ ‬شركتها‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تشجيع‭ ‬هذه‭ ‬التجارب،‭ ‬وتطوير‭ ‬برمجيات‭ ‬خاصة،‭ ‬بما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬متجر‭ ‬يضم‭ ‬التطبيقات‭ ‬المناسبة‭.‬
وأياً‭ ‬كان‭ ‬الخلاف‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬التغيير‭ ‬الذي‭ ‬أحدثته‭ ‬هذه‭ ‬الأساليب‭ ‬والتعليم‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت‭ ‬على‭ ‬بنية‭ ‬التعليم‭ ‬التقليدي،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬طريقة‭ ‬التعليم‭ ‬لن‭ ‬تعود‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬سابقاً‭.‬




 

الأكثر مشاركة