المختبرات الافتراضية.. الطريقة الأحدث لتدريس العلوم عبر الإنتـرنت
كثيراً ما ينظر البعض إلى التعليم عن بعد، خصوصاً مع توسع استخدام الإنترنت، باعتباره ثورة في مجال التعليم، إذ أتاح الإنترنت المناهج الدراسية والمحاضرات لمئات الآلاف، بل للملايين من الطلاب والمهتمين حول العالم، وتفاءل كثيرون بالتغييرات التي من الممكن أن تحدث في مسار حياة هؤلاء الأشخاص الذين يسكنون في أماكن بعيدة للغاية عن الجامعات والمعاهد العلمية، وتمكنوا عبر الإنترنت من الوصول إلى المواد العلمية ببساطة، ومن دون مقابل في بعض الأحيان، كما كثر الحديث عن الأثر البالغ لأسلوب الدورات التعليمية المفتوحة عبر الإنترنت في أساليب التعليم التقليدية.
لكن المختصين بدراسة تقنيات التعليم يرون الأمر من منظور مختلف، إذ يعتقد بعض منهم أنه على الرغم من أن مثل هذه المحاضرات والدورات المفتوحة والمتاحة لعدد كبير من الأشخاص تتيح نقل الحقائق والمفاهيم إلى المتعلمين، إلا أنها لا تكفي بمفردها لتعلم الأشخاص كيفية تطبيق هذه المفاهيم بشكل عملي، كما لا توفر للطلاب تجربة كثير من المهارات العملية والاجتماعية المرتبطة بمجال العلوم، مثل المشاركة في جمع وتحليل البيانات، والتعامل مع معدات حقيقية داخل المختبرات العلمية، والمثابرة وإعادة التجارب مرات عدة، ومتعة الترقب وانتظار النتائج.
| الطلاب الكبار أيضاً افتقار إلى التفاعل |
وتتطلب المهارات العملية الانخراط في تجارب داخل المختبرات ورحلات ميدانية وتدريبات، ويرى الباحثون أن الإنترنت لم يتمكن من نقل هذه التجارب إلى الطلاب، لذا فإنهم يحاولون اختبار طرق جديدة لتدريس المهارات العملية في مجالات العلوم عبر الإنترنت؛ وبالفعل، حققت تجاربهم نجاحاً ملموساً خلال العقد الماضي بفضل التقنيات الحديثة وانتشار الهواتف الذكية والألعاب المتطورة.
واستعرض مقال نشرته مجلة «نيتشر» البريطانية العلمية بعنوان «التعليم عبر الإنترنت: المختبر الافتراضي» بعضاً من الأساليب المستخدمة في تدريس المهارات العملية للعلوم عبر الإنترنت، والاختلاف بشأن مدى كفاءتها في التدريس وأثرها في مستقبل التعليم، فعلى سبيل المثال، تم تطوير طريقة دمج الدارسين عن بعد في التجارب العلمية داخل المختبرات.
وينقل المقال عن الباحث في تقنيات التعلم في «الجامعة المفتوحة» البريطانية، مايك شاربلز، حديثاً عن تجربة الجامعة التي بدأت في منح الدرجات العلمية عن بعد منذ عام 1969، واعتمدت حتى أواخر التسعينات من القرن الماضي في تدريس المناهج العلمية على إرسال أدوات إجراء التجارب الكيميائية وآلات أخرى كالمجهر إلى الطلاب ليجروا بعض التجارب في المنزل، ثم يعيدون أدوات التدريب مرة أخرى إلى الجامعة، وهو ما كان أمراً مرهقاً ومكلفاً. وحالياً تتيح الجامعة للطلاب عبر مختبر «العلوم المفتوح» على الإنترنت استخدام أدوات التحكم عن بعد وجمع بيانات من أجهزة علمية كالتلسكوب والمجهر الافتراضي الذي يُمكن من خلاله رؤية صور عالية الدقة بدلاَ من العينات، والتركيز وتقريب الصور مثل طريقة التعامل مع العينات الحقيقية.
وفي الولايات المتحدة الأميركية يجري العمل على شكل أكثر تقدماً من المختبرات الرقمية، فيعمل باولو بليكستين، مدير مختبر تقنيات التعليم التحويلية في جامعة ستانفورد، على تطوير معمل لدراسة الأحياء يمكن التحكم فيه عن بعد، ويصور المشروع بوجود مختبر كبير يضم 10 آلاف من «أطباق بتري»، المستخدمة لزراعة الخلايا، كما يضم المختبر «روبوت» يمكن للطلاب التحكم فيه عبر الإنترنت وطلب إضافة سوائل معينة أو تغيير الأطباق الخاصة بهم، بينما تراقب الكاميرا ما يحدث. وتطرح المختبرات الافتراضية، لاسيما مع إمكانية تطور التقنيات المستخدمة فيها في السنوات المقبلة، حلاً ممكناً لإشكاليات تدريس العلوم عبر الإنترنت، إلا أن البعض يشكك في جدوى الاعتماد عليها وأثرها في مستقبل الطلاب؛ فربما إذا قرر البعض منهم استكمال دراسته حتى مرحلة الدكتوراه يجد نفسه غريباً وعاجزاً عن التعامل مع أجواء المختبرات الحقيقية.
ويستعرض مقال «نيتشر» رأياً آخر يعتقد بإمكانية استخدام الإنترنت في تقديم التدريب العملي للطلاب انطلاقاً من أسلوب التعليم القائم على طرح الأسئلة على الدارسين، وحثهم على البحث عن الحلول بأنفسهم، ومن خلال التعاون مع أقرانهم، بدلاً من أسلوب المحاضرات التي تلقن الإجابات للطلاب وتعتمد على صب المعارف في عقولهم.
وأشار المقال إلى تجربة بدأها الفيزيائي مايكل كاتس، من «معهد جورجيا للتقنية» في أتلانتا، الذي يرى أن المختبرات الحقيقية تفصل الطلاب عن الواقع، ويتعاملون معها بوصفها مباني تحوي معدات متخصصة، وبعدها يخرجون إلى العالم الحقيقي، حيث لا يطبقون ما تعلموه فيها. وأطلق كاتس في مايو الماضي تجربة لدورة مفتوحة واسعة النطاق عبر الإنترنت، أو ما يُعرف اختصاراً باسم «إم أو أو سي» باسم «أنا والمختبر»، وتهدف الى دمج الطلاب عن بعد في نوع من التدريبات العملية حول علوم الحركة؛ إذ يُطلب من كل منهم تصوير مقطع فيديو من البيئة المحيطة لحركة أحد الكائنات يسير بسرعة ثابتة في اتجاه ثابت، ثم يحلل كل طالب المقطع الخاص به باستخدام البرمجيات مفتوحة المصدر، لينشر النتائج النهائية في فيديو من خمس دقائق على موقع «يوتيوب» ليراه ويناقشه الطلاب مباشرة على الإنترنت.
ويأمل كاتس في حال نجحت التجربة، التي يشارك فيها آلاف الطلبة وتنتهي في أغسطس المقبل، واستطاع الطلاب استيعاب المادة العلمية من خلالها، أن تصبح نموذجاً ناجحاً لتدريس العلوم على الإنترنت. ولا تقتصر بعض تجارب التعليم عبر الإنترنت على الطلاب المنتظمين والراغبين في الحصول على شهادات علمية وحسب، بل تنجح في نقل الاهتمام بالعلم إلى خارج الجامعات والمختبرات، وتتيح وسيلة تفاعلية للتعلم، وتسهم في تكوين علماء صغار متدربين. وكانت الجامعة المفتوحة في المملكة المتحدة بدأت قبل خمسة أعوام تجربة بعنوان «آي سبوت»، ودعت الجماهير لإضافة لقطات من تصويرهم للكائنات الحية من طيور وحيوانات وحشرات مع ما يعرفونه عنها، وإلى الآن يضم البرنامج في عضويته نحو 30 ألف شخص من بريطانيا وجنوب إفريقيا، ونجحت كل صورة في إثارة نقاش واسع شارك فيه علماء متخصصون عبر الإنترنت حول هذه الكائنات وتأثيرها في الصحة ودورها في النظام البيئي.
ومن بين الوسائل التي ساعدت على تطبيق تقنيات التعليم المستند إلى الأسئلة والاستقصاء، العوالم الافتراضية على الإنترنت، أو ما يُعرف بـ«البيئات الافتراضية متعددة المستخدمين»، ومن أبرز التطبيقات فيها الألعاب، التي يشارك فيها عدد ضخم من اللاعبين وتقوم على تقمص كل منهم شخصية خيالية على غرار لعبة «وورلد أوف ووركرافت»، التي وصل عدد المشاركين فيها إلى ثمانية ملايين لاعب.
ومن أمثلة توظيف العوالم الافتراضية في التعليم تجربة كريس ديدي، الذي درس المحاكاة بغرض التعليم في جامعة «هارفارد»، فطَوّر بالاشتراك مع زملاء له دورة تعليمية لطلاب تراوح أعمارهم بين 11 و13 عاماً، ونجحت الدورة التي تناولت النظم البيئية في نقل مفاهيم مهمة للطلاب حول نظم الغذاء والتحليل والمستنقعات. وتضمنت تجربة ديدي قضاء الطلاب أسبوعين بطريقة افتراضية في دراسة بِركة مياه، واكتشاف سبب موت الأسماك التي تعيش فيها، ويمكن للطلاب خلال التجربة دراسة الأسباب المحتملة لتلوث المياه وعلاقتها بالبيئة المحيطة كوجود مصانع أو أسمدة في مياه الصرف الناتجة عن ملعب الغولف القريب، وكذلك دراسة عينات من المياه، ليعملوا على تحليل هذه البيانات والوصول إلى تصور لسبب التلوث. وعلى الرغم من تعدد هذه التقنيات وما يحمله المستقبل من إمكانات تطورها، إلا أنه لم يتم تبنيها بشكل واسع لتدريس المهارات العملية. وترى إحدى مؤسسات شركة «كورسيرا»، المتخصصة في الدورات التعليمية المفتوحة على الإنترنت، دافين كولر، أن أحد أسباب ذلك عدم الربط بين هذه الأساليب والتعليم عبر الإنترنت، فبعد أن تتم التجربة، تنتهي إلى أحد المواقع من دون أن يراها أحد، وأوضحت أن شركتها تسهم في تغيير ذلك من خلال تشجيع هذه التجارب، وتطوير برمجيات خاصة، بما يؤدي إلى وجود متجر يضم التطبيقات المناسبة.
وأياً كان الخلاف حول مدى التغيير الذي أحدثته هذه الأساليب والتعليم عبر الإنترنت على بنية التعليم التقليدي، إلا أن المؤكد أن طريقة التعليم لن تعود كما كانت سابقاً.