فوز الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس قد يُنهي التهدئة بين أميركا والصين
هل تستطيع واشنطن وبكين الحفاظ على التهدئة التي تحققت بشق الأنفس؟ ففي 14 مايو، اتفق زعيما البلدين على السعي إلى إقامة علاقة قائمة على «الاستقرار الاستراتيجي البناء»، وهو إطار يركز على المنافسة المنظمة والسلام الدائم. ومع ذلك، فإن آلية المواجهة لاتزال تعمل في أروقة السلطة بواشنطن، فيما يشحذ صقور الكونغرس، هممهم التشريعية، بينما يصوغ البيروقراطيون عقوبات جديدة، وتحت الهدوء الظاهري للدبلوماسية، هناك تيارات قوية تسحب في الاتجاه المعاكس.
ومع ذلك، إذا أحدث الديمقراطيون «الموجة الزرقاء» لاستعادة السيطرة على مجلس النواب في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، وهو احتمال واضح، فسيستمر الحزب في الكفاح من أجل صياغة سياسة بديلة تجاه الصين.
وتعاني آلية السياسة الخارجية الديمقراطية من ثلاثة تحديات كبيرة: أولها تراجع التفكير الاستراتيجي الكبير بين النخبة التكنوقراطية الأميركية، وثانياً، فراغ في السرد المحلي يضعف الأسس الدبلوماسية للحزب الديمقراطي، وثالثاً وأخيراً، الفوضى المؤسسية التي من المرجح أن تتبع انقسام الحكومة.
ومُجتمعة، ستجعل هذه العوامل سياسة الولايات المتحدة تجاه الصين متقلبة بشكل خطر، بعد انتخابات التجديد النصفي.
«فقر الدم الاستراتيجي»
تعاني السياسة الخارجية الأميركية، اليوم، ما يمكن تسميته بـ«فقر الدم الاستراتيجي»، فقد أنتجت الحرب الباردة مفكرين مثل زبيغنيو بريجنسكي وهنري كيسنجر، وهم أشخاص قادرون على ربط التاريخ والجغرافيا والقوة العسكرية في رؤى عالمية متماسكة، وكانوا يعملون ضمن هيكل موجز لمجلس الأمن القومي، شجع التفكير التوافقي، وأتاح لهم الوصول المباشر إلى عملية صنع القرار الرئاسي.
وقد انهار ذلك النظام، وتضخم مجلس الأمن القومي الحالي ليصبح بيروقراطية ثقيلة تعاني التنسيق بين الوكالات وإدارة الأزمات. وقد طغت الإجراءات على الاستراتيجية الكبرى.
وفي الوقت نفسه، أدى التخصص الأكاديمي إلى تجزئة الخبرات إلى مجالات ضيقة، فالباحثون الذين هم على دراية بسلاسل توريد أشباه الموصلات، نادراً ما يتعاملون مع التاريخ الفكري الصيني، وأولئك الذين يدرسون العقيدة العسكرية الصينية، نادراً ما يتعاملون مع الاقتصاد السياسي المحلي.
وقد ثبت أن هذا «التجزؤ التخصصي»، أو تجزئة التخصصات، غير قادر على إنتاج العقول الاستراتيجية الشاملة التي تتطلبها التحولات المهمة في القوة، والعواقب واضحة في أوساط خبراء الصين.
ويقدم الخبير الأميركي، راش دوشي، تحليلاً دقيقاً للمنافسة طويلة الأمد بين الصين والولايات المتحدة، لكنه يعمل ضمن إطار يُعتبر فيه الصدام أمراً مفروغاً منه.
أما سوزان شيرك وجيسيكا تشين وايس ومايكل سوين، وهم من نخبة المحللين الأميركيين، فيركزون على إدارة الأزمات والمشاركة الدبلوماسية، محذرين من العداء المفرط.
ويظل مايكل بيلسبري حبيساً في عداء حقبة الحرب الباردة. ويتتبع ديفيد شامبو، السياسة الداخلية الصينية، بينما يركز جود بلانشيت، بشكل ضيق على السياسة التكنولوجية والصناعية. لكل وجهة نظر مزاياها، لكن لا توفر أي منها رؤية متكاملة.
هذا التشتت يعني أن الجيل الصاعد من صانعي السياسات، يفتقر إلى فهم سياقي عميق للصين، وهؤلاء الخبراء، والذين غالباً ما يحملون درجات علمية متقدمة، يتعاملون مع ضوابط التصدير والقيود التكنولوجية بدقة هندسية، لكنهم لا يقدرون كثيراً، كيفية تفاعل هذه الإجراءات، مع الديناميات السياسية الصينية أو التكامل الاقتصادي الإقليمي. وتصبح قراراتهم آلية، وتحول المسائل التقنية إلى تهديدات أمنية مطلقة.
وقد حل موقف متزايد الصلابة، محل المرونة الاستراتيجية التي كانت تسمح في السابق بمشاركة مدروسة.
فراغ داخلي
وسط هذا القصور الوطني، أصبح الخلل الداخلي الذي يعانيه الحزب الديمقراطي، عبئاً مباشراً على كاهل السياسة الخارجية الأميركية، فقد كشفت «التحليلات اللاحقة للانتخابات» التي سُربت مؤخراً عن اللجنة الوطنية الديمقراطية، عن فشل ذريع، لم تتمكن حملة المرشحة الرئاسية، كامالا هاريس من توضيح الأسباب التي تدعو الناخبين إلى دعمها، وبدلاً من ذلك، اعتمدت حملتها على افتراض أن الناخبين سيرفضون دونالد ترامب بشكل طبيعي، متجاهلة بناء سرد إيجابي ومؤكد. وزادت الأخطاء في القضايا الثقافية من تعقيد المشكلة.
وتستمر هذه الديناميكية حتى اليوم، فقد أثبت الحزب الديمقراطي مراراً عجزه عن توحيد تحالف مناهض لترامب ليشكل أغلبية حاكمة مستدامة ذات رؤية مشتركة، وهذا الفراغ في السرد الداخلي يقوض بشكل مباشر أسس سياسة الحزب تجاه الصين.
وفي حين أن المؤسسة الأكاديمية والاستراتيجية الأميركية، تفضل بشكل غير متناسب السياسيين الديمقراطيين، تقديراً لاحترامهم الخطابي للخبرة ورفضهم لمناهضة ترامب للفكر، لم يُظهر الديمقراطيون أي حكمة فائقة فيما يتعلق بالصين. وعجزهم عن توضيح نوع النظام الداخلي الذي سيبنونه أو نموذج التنمية الذي يقدمونه، يجعلهم غير قادرين على صياغة استراتيجية منطقية متماسكة تجاه الصين تتجاوز سياسة الاحتواء، والنتيجة هي نهج متشدد وغير متماسك.
ولإثبات أنهم «صارمون بما يكفي» تجاه الصين، ولحماية أنفسهم من هجمات الجمهوريين، انخرط الديمقراطيون في سباق نحو اتخاذ مواقف أكثر تشدداً. ونادراً ما يأخذون في الاعتبار، الأطر طويلة الأمد للعلاقات الثنائية، فلم يعد الاحتواء والتقييد والعقاب، وسائل بل غايات في حد ذاتها، وهذا الموقف يتخلى عن أي قدرة على تشكيل مسار العلاقة بشكل فعال، تاركاً جهود الاستقرار الدبلوماسية، دون دعم سياسي داخلي دائم.
جمود بيروقراطي
يقدم تاريخ العلاقات الصينية الأميركية درساً يبعث على التفكير، فاتفاقات القمم مهمة، لكن الفجوة بين الصداقة على المستوى الرفيع والثقة السياسية على مستوى العمل، يمكن أن تكون شاسعة.
حتى في الوقت الذي يفضل فيه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب شخصياً الحفاظ على استقرار عام في العلاقات مع بكين، فإن البيروقراطية في واشنطن تعمل وفقاً لمنطقها المؤسسي الخاص. فقد أقام الكونغرس ووزارة الدفاع ووكالات الأمن القومي، التي ترسخت فيها على مدى سنوات، روايات متنافسة، آليات ذاتية الاستدامة لسياسة متشددة. وتستمر قوائم الكيانات والحواجز التكنولوجية في العمل باستقلالية كبيرة، بغض النظر عن الإشارات الصادرة عن البيت الأبيض.
ويمكن لهذا الجمود البيروقراطي أن يضعف، بل يقوض، الالتزامات الرئاسية. وغالباً ما تُفرض قيود محددة دون علم أو اهتمام كامل من الرئيس، حيث تتم صياغتها من قبل تقنيين من المستوى المتوسط، يمارسون سلطة (مفوضة).
وعندما ترد بكين بتدابير مضادة، يتم تصوير هذه الردود بسهولة في الكونغرس، وفي تعليقات وسائل الإعلام، على أنها دليل على «العدوان»، ما يوفر شرعية سياسية جديدة لفرض مزيد من القيود.
وستؤدي التجاذبات التي تلي انتخابات التجديد النصفي، إلى تضخيم هذه المخاطر. وإذا أدت «الموجة الزرقاء» إلى فوز الديمقراطيين بمجلس النواب، فإن إدارة ترامب ستدخل في مرحلة «البطة العرجاء» الكلاسيكية.
ومن المرجح أن يكرس مجلس النواب جهوده للتحقيقات في الإدارة وحتى إجراءات العزل، وستصل الحرب الحزبية إلى ذروتها.
وفي ظل هذه الظروف، ستستنزف الصراعات الداخلية تماسك السياسات والقدرة على التنفيذ، وستتعرض الاتصالات الاستراتيجية رفيعة المستوى، التي تهدف إلى استقرار العلاقات الصينية الأميركية الأوسع نطاقاً، للاضطراب المتكرر بسبب الصدمات السياسية الداخلية.
وستتآكل مصداقية واستدامة المفاوضات التجارية واتفاقيات التعاون التكنولوجي بشكل خطر. وستُصنف أي محاولة لتحسين العلاقات على الفور على أنها «تسوية» من قبل حزب المعارضة. وستواجه العلاقات الثنائية أزمات صغيرة غير متوقعة بدلاً من منافسة استراتيجية مُدارة بشكل جيد.
عن «ذا دبلومات»
3 عوامل تجعل سياسة واشنطن تجاه بكين متقلبة بشكل خطر
1- التراجع الكبير للتفكير الاستراتيجي بين النخبة التكنوقراطية الأميركية.
2- فراغ في السرد المحلي يضعف الأسس الدبلوماسية للحزب الديمقراطي.
3- الفوضى المؤسسية التي من المرجح أن تتبع انقسام الحكومة.
. الخلل الداخلي الذي يعانيه الحزب الديمقراطي أصبح عبئاً مباشراً على كاهل السياسة الخارجية الأميركية.