القانون الجديد يهدف إلى إخضاع الأنشطة الفضائية لقواعد تضمن سلامة العمليات. رويترز

أوروبا تسعى إلى قانون جديد يُنظم قطاع الفضاء ويُحفّز الاستثمارات

شهد الاتحاد الأوروبي، في السنوات الأخيرة، سباقاً فضائياً جديداً بين مختلف دوله، إلا أن هذا السباق يختلف جذرياً عن سباقات الفضاء التي عرفها العالم خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي، ففي تلك المرحلة كان التنافس الفضائي مرتبطاً بالصراعات السياسية والعسكرية بين المعسكرات الدولية خلال فترة الحرب الباردة، وكانت الحكومات وحدها تقريباً هي الطرف المسيطر على الأنشطة الفضائية، أما اليوم فقد تغيّر المشهد بشكل كبير، مع الصعود المتسارع للقطاع الخاص، ودخوله بقوة إلى مجال الفضاء.

ولم يعد الفضاء مقتصراً على الدول الكبرى أو الوكالات الحكومية المتخصصة، بل تحوّل إلى ساحة مفتوحة تشارك فيها شركات خاصة تمتلك إمكانات مالية وتقنية ضخمة.

وأصبحت هذه الشركات قادرة على تصنيع الأقمار الاصطناعية وإطلاقها وإدارتها بصورة مستقلة، إضافة إلى تقديم خدمات تجارية متكاملة داخل المدار الفضائي، تماماً كما تفعل الشركات الكبرى في القطاعات الاقتصادية الأخرى.

ورغم أن هذا التحول يعكس توجهاً نحو ديمقراطية الوصول إلى الفضاء وتوسيع دائرة الاستفادة منه، فإنه في الوقت ذاته يثير تحديات كبيرة تتعلق بازدحام المدارات الفضائية نتيجة التزايد المستمر في أعداد الأقمار الاصطناعية، فإلى جانب المنافسة المتنامية بين الدول والشركات، وتصاعد مظاهر عسكرة الفضاء، أصبحت المدارات تواجه ضغوطاً غير مسبوقة.

وتشير التقديرات الحالية إلى وجود نحو 11 ألف قمر اصطناعي تدور في الفضاء اليوم، بينما يتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى أكثر من 50 ألف قمر اصطناعي بحلول عام 2035، تعمل لمصلحة الحكومات والمؤسسات التجارية على حد سواء.

تحدٍّ مباشر

ويُمثّل هذا الواقع تحدياً مباشراً لأمن واستقرار المدارات الفضائية، ما ينعكس بدوره على الأمن والاستقرار على سطح الأرض، فالبنية التحتية الفضائية أصبحت عنصراً أساسياً في حياة الدول والمجتمعات الحديثة، حيث تعتمد عليها خدمات حيوية متعددة، مثل أنظمة الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية، والتقنيات الزراعية المتقدمة، وأنظمة التنبؤ بالكوارث الطبيعية والتخفيف من آثارها، فضلاً عن خدمات الاتصالات والإنترنت.

ومن هنا تبرز أهمية قانون الفضاء الأوروبي، الذي يسعى إلى وضع إطار تنظيمي واضح، يضمن قدراً أكبر من الأمن والتنظيم لهذا القطاع المتنامي، حتى لا يتحول الفضاء إلى بيئة فوضوية أو «منطقة خارجة عن القانون»، بما قد يؤدي إلى مضاعفة المخاطر المرتبطة به.

ويهدف القانون إلى إخضاع الأنشطة الفضائية لقواعد أساسية، تضمن سلامة العمليات الفضائية واستدامتها على المدى الطويل.

وفي الوقت نفسه، ينبغي ألّا تتحول القواعد التنظيمية الواردة في قانون الفضاء إلى عبء يثقل كاهل الصناعة الأوروبية أو يحد من قدرتها التنافسية، فأوروبا لا تستطيع أن تنعزل بتنظيماتها عن بقية العالم، لذلك يجب أن يستند التشريع الأوروبي إلى مبدأين أساسيين يدعمان الابتكار والتنافسية إلى جانب التنظيم والحماية.

إطار تشريعي

ويتمثّل المبدأ الأول في ضرورة أن يعمل قانون الفضاء كإطار تشريعي داعم ومحفز للصناعة الفضائية الأوروبية، حيث خصص الاتحاد الأوروبي ضمن مشروع الميزانية طويلة الأجل المقبلة نحو 131 مليار يورو لقطاعات الأمن والدفاع والفضاء، في إشارة واضحة إلى المكانة المتزايدة التي بات يحتلها قطاع الفضاء ضمن أولويات أوروبا الاستراتيجية.

ولسنوات طويلة، لم تستثمر أوروبا بما يكفي في هذه القطاعات الحيوية، إلا أن التحولات الجيوسياسية والتكنولوجية العالمية الراهنة فرضت ضرورة إعادة النظر في هذا النهج، واتخاذ خطوات حاسمة لحماية الأصول الاستراتيجية الأوروبية، وتعزيز استقلاليتها.

منظومة فضائية

ويحتاج العالم حالياً إلى منظومة فضائية متطورة قادرة على الابتكار والبحث العلمي وتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية، خصوصاً في مجالات الصواريخ الحاملة والتقنيات الدفاعية الفضائية، ومن المفترض أن يسهم قانون الفضاء الأوروبي في توفير البيئة المناسبة لتحقيق هذه الأهداف، وتهيئة الظروف الملائمة لنمو الشركات الأوروبية بمختلف أحجامها ضمن اقتصاد فضائي مزدهر ومتطور.

ولا يقتصر دور التطوير والابتكار على الشركات العملاقة فقط، بل يمتد أيضاً إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة التي أصبحت تؤدي دوراً محورياً في دفع عجلة الابتكار، بعدما تجاوزت دورها التقليدي كمجرد جزء من سلاسل التوريد.

التعاون الدولي

أما المبدأ الثاني الذي ينبغي أن يرتكز عليه قانون الفضاء الأوروبي، فيتعلق بأهمية التعاون الدولي في ظل الازدحام المتزايد للمدارات الفضائية، فالقانون يجب ألّا يقتصر على تنظيم أنشطة المشغلين الأوروبيين فقط، بل ينبغي أن يدعم تطوير معايير دولية مشتركة لإدارة حركة المرور الفضائي، والحد من الحطام الفضائي، ومنع الاصطدامات، وتعزيز تبادل البيانات بين مختلف الأطراف الفاعلة.

فالاعتماد على قواعد أوروبية داخلية فقط، قد يضع الاتحاد الأوروبي في موقف تنافسي أضعف مقارنة ببقية القوى العالمية، كما أنه لن يكون كافياً لمعالجة مشكلة ازدحام المدارات بشكل فعّال، ولهذا السبب ينبغي النظر إلى قانون الفضاء الأوروبي، باعتباره الخطوة الأولى نحو إطلاق عملية دولية أوسع تهدف، على المديين المتوسط والطويل، إلى إنشاء إطار عالمي مشترك يضمن الحفاظ على بيئة فضائية آمنة ومستدام.

وأصبح من الضروري حالياً التفكير في تنظيم مؤتمر دولي خاص بالفضاء، يشبه في أهميته ودوره مؤتمرات المناخ العالمية المعنية بحماية البيئة، على أن يتولى الاتحاد الأوروبي قيادة هذه المبادرة الدولية، باعتباره أحد أبرز الأطراف الساعية إلى تنظيم الفضاء وضمان استدامته للأجيال المقبلة. عن «ذا بارليمنت»

. الاتحاد الأوروبي خصص، ضمن مشروع الميزانية المقبلة، 131 مليار يورو لقطاعات الأمن والدفاع والفضاء.

. القانون يركز على أهمية التعاون الدولي في ظل الازدحام المتزايد للمدارات الفضائية.

الأكثر مشاركة