الولايات المتحدة معرضة ليس فقط لاضطرابات في الإمدادات بل أيضاً لضغوط تضخمية أوسع نطاقاً. رويترز

الاقتصاد الأميركي يعاني مأزقاً حقيقياً بسبب حرب إيران

أدى إغلاق مضيق هرمز عقب حرب إيران، إلى صدمة عالمية في الإمدادات الاقتصادية. وقد يتجاوز الضرر الناجم عن ذلك الاضطرابات التي تسببت فيها حرب روسيا وأوكرانيا في عام 2022.

وعلى الرغم من وقف إطلاق النار المستمر حتى الآن، لم تُستأنف حركة المرور عبر المضيق إلى المستوى الذي وعد به الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبدأت دول حول العالم تشعر بآثار ذلك.

فقد تضررت آسيا بشكل خاص، حيث إن أكثر من 80% من النفط يمر عادة عبر مضيق هرمز يتجه إلى المنطقة، ما يعني أن دولاً عدة اضطرت إلى تنفيذ إجراءات لتوفير الوقود بسبب الصراع. ففي بنغلاديش توقفت مصانع الملابس عن العمل، وبدأت باكستان في إغلاق المدارس، وقامت دول مثل الفلبين وسريلانكا بتقصير أسبوع العمل.

وحتى الاقتصادات الأكثر ثراء مثل أستراليا وكوريا الجنوبية بدأت في تشجيع جهود التوفير.

تأثير ملحوظ

كما أن الولايات المتحدة، أكبر منتج للنفط الخام في العالم ومُصدر له، ليست بمنأى عن هذه التطورات العالمية، حيث يشعر المستهلكون الأميركيون بتأثير ذلك في كل مرة يمرون فيها بمحطة وقود، ملاحظين ارتفاع الأسعار بأكثر من دولار واحد مقارنة بفترة قبل الحرب، ليتجاوز متوسط سعر الغالون من البنزين أربعة دولارات.

ومن المرجح أن تتفاقم هذه الصدمات السعرية في الأشهر المقبلة، وستتجاوز محطات الوقود لتشمل مجالات أخرى.

وقد تكون التداعيات الاقتصادية للصراع حاسمة، خلال عام الانتخابات النصفية للكونغرس في الولايات المتحدة. ولايزال العديد من الأميركيين يشعرون بضغوط سنوات من التضخم المرتفع، حيث ظل مفهوم القدرة على تحمل التكاليف قضية رئيسة للناخبين قبل نوفمبر.

كما قد تؤدي مخاطر ارتفاع التضخم، وتباطؤ النمو، وارتفاع معدلات البطالة إلى تشديد الضغوط على الاقتصاد الأميركي والناخبين.

حالة من الغموض

بصرف النظر عن عواقب الصراع في الشرق الأوسط، يواجه الاقتصاد الأميركي حالة من الغموض. وتثير عمليات التسريح الأخيرة في شركات التكنولوجيا الكبرى مثل «أمازون» و«ميتا» مخاوف بشأن فقدان الوظائف على نطاق واسع. ويشعر خريجو الجامعات على وجه الخصوص بقلق متزايد بشأن آفاقهم الوظيفية. وفي هذه الأثناء، يواصل المحللون التكهن بحدوث فقاعة مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بينما يعرب آخرون عن مخاوفهم من أن الائتمان الخاص (القروض الصادرة عن مؤسسات مالية غير مصرفية مثل شركات الأسهم الخاصة، بدلاً من البنوك التقليدية)، قد يشكل مخاطر نظامية مماثلة لتلك التي تسببت فيها أزمة الرهن العقاري عالية المخاطر التي أدت إلى الانهيار المالي في عام 2008.

كما تواجه الشركات الأميركية حالة جديدة من عدم اليقين بشأن السياسة التجارية على المدى الطويل بعد أن ألغت المحكمة العليا الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب.

ومن المقرر أن تنتهي صلاحية الرسوم الجمركية الطارئة الحالية التي فرضتها الإدارة الأميركية بعد نحو خمسة أشهر، ولاتزال هناك تساؤلات حول ما إذا كانت الأسس القانونية البديلة لفرض رسوم جمركية جديدة ستصمد أمام التدقيق القضائي.

وبالنسبة للشركات التي تدرس اتخاذ قرارات بشأن إعادة هيكلة سلاسل التوريد وإعادة توجيه مراكز التصنيع، فإن هذا الغموض غير مرحب به على الإطلاق، كون أن مضيق هرمز ممر حيوي للأسمدة والغاز الطبيعي المسال والهيليوم المستخدم في التصنيع عالي التقنية مثل إنتاج أشباه الموصلات.

صدمة في الإمدادات

إلى ذلك، حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن العالم يشهد أكبر صدمة في إمدادات النفط، وأوصت باتخاذ تدابير جذرية لخفض الطلب، بما في ذلك مشاركة السيارات، والعمل عن بعد، وخفض حدود السرعة على الطرق السريعة.

وسيؤدي ارتفاع أسعار النفط العالمية إلى ارتفاع التكاليف عند محطات الوقود، وسيتردد صدى ذلك في مجالات أخرى من الحياة اليومية.

ويشمل ذلك تذاكر الطيران، والمنتجات المشتقة من البلاستيك، والسلع المستوردة من جميع أنحاء العالم.

ويواجه المزارعون في جميع أنحاء العالم، بمن فيهم المزارعون في الولايات المتحدة الذين لم يكونوا قد اشتروا الأسمدة وخزنوها قبل موسم الزراعة لهذا العام، ارتفاعاً حاداً في تكاليف هذه المواد الأساسية.

ونتيجة لذلك، من المتوقع أن ترتفع أسعار المواد الغذائية المستوردة والمحلية على حد سواء.

وبالتالي فإن الولايات المتحدة معرضة ليس فقط لاضطرابات في الإمدادات المحلية، بل أيضاً لضغوط تضخمية أوسع نطاقاً، تتراكم في جميع أنحاء الاقتصاد العالمي.

ومع ارتفاع الأسعار، وحالة عدم اليقين، ونقص الإمدادات، فإن الاقتصاد الأميركي يواجه خطر الانزلاق إلى الركود التضخمي، وهو مزيج من ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو.

آثار طويلة الأمد

من المرجح أن تكون الآثار المترتبة على الولايات المتحدة، وكذلك على الاقتصاد العالمي طويلة الأمد. وحتى لو أعيد فتح المضيق بالكامل وانتهت الحرب على الفور بشكل رسمي، فلن ينجو الاقتصاد من معاناة شديدة في الأشهر المقبلة.

ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر المقبل، تخاطر الأزمة الاقتصادية الناشئة بأن تتحول إلى أزمة سياسية بالنسبة للجمهوريين، حيث لا يوافق سوى 30% من الناخبين على طريقة تعامل ترامب مع الاقتصاد.

وقد قامت إدارة البيت الأبيض، بالتنسيق مع الوكالة الدولية للطاقة والبلدان الشريكة، بإطلاق النفط من الاحتياطي الاستراتيجي للنفط، فيما يناقش المشرعون في الكونغرس تخفيضاً مؤقتاً في ضريبة الغاز الفيدرالية لتخفيف العبء على المستهلكين عند محطات الوقود.

وقد توفر هذه الإجراءات بعض التخفيف على المدى القريب، لكن لا يوجد حل مباشر للضرر طويل الأمد، الذي لحق بإمدادات الأسمدة العالمية، والبنية التحتية النفطية، وثقة المستهلكين والشركات، والذي تسبب فيه إغلاق مضيق هرمز. عن «مجلس العلاقات الخارجية»

مقياس التضخم

كان الارتفاع الحاد في أسعار الغاز بنسبة 21% هو المحرك الرئيس للارتفاع الأخير في معدل التضخم بالولايات المتحدة، الذي قفز من 2.4% في فبراير إلى 3.3% في مارس. وبالتالي، لايزال معدل التضخم أعلى من الهدف الذي حدده مجلس الاحتياطي الفيدرالي عند 2%.

وبالمثل، لايزال التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار المواد الغذائية والطاقة المتقلبة، أعلى من الهدف عند 2.6%.

وسجل مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي معدل تضخم عند 2.8% ومعدل تضخم أساسياً عند 3%، ويُعد هذا المقياس المفضل للاحتياطي الفيدرالي، لقياس التضخم، لأنه من بين مزايا أخرى، يعكس التغيرات في أنماط الإنفاق بسرعة أكبر.

والأهم من ذلك أن صدمات العرض الناجمة عن حرب إيران لم تبدأ إلا في الظهور تدريجياً في الاقتصاد. ومع ارتفاع التضخم بالفعل من 2.4% في فبراير، من المتوقع أن تكون أرقام مايو أعلى من ذلك. وحذرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهي تجمُّع يضم في الغالب دولاً غنية، من أن التضخم في عام 2026 قد يصل إلى 4.2%. وقد تكون هذه أخباراً سيئة للجمهوريين الأميركيين في عام انتخابي، خصوصاً بعد أن وعد الرئيس دونالد ترامب بخفض معدلات التضخم أكثر.

. مخاطر ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو وزيادة معدلات البطالة قد تؤدي إلى تشديد الضغوط على الاقتصاد الأميركي والناخبين.

. الشركات الأميركية تواجه حالة جديدة من عدم اليقين بشأن السياسة التجارية على المدى الطويل بعد أن ألغت المحكمة العليا الرسوم الجمركية.

الأكثر مشاركة