مشرّعون مخضرمون يشكون تراجع دور الكونغرس الأميركي في العملية السياسية
يمنح الناخبون الأميركيون الكونغرس أدنى معدلات التأييد بشكل روتيني، ويرون أن هذه المؤسسة غير خاضعة للمساءلة وغير فعالة، ويبدو أن بعض أعضاء الكونغرس يتفقون مع هذا الرأي.
فقد أعلن عدد قياسي تقريباً (68 نائباً) أنهم لن يترشحوا لإعادة انتخابهم في الدورة الحالية، ويطمح بعضهم إلى مناصب أعلى، بينما يترك آخرون الخدمة العامة تماماً.
وقال السيناتور الديمقراطي، بيتر ويلش، (من ولاية فيرمونت) ساخراً: «إن الأعضاء المتقاعدين يبحثون عن حياة أفضل».
لطالما اشتكى المشرعون والناخبون، على حد سواء، من أن الكونغرس أصبح بيئة تتراجع فيها عملية التشريع إلى المرتبة الثانية، بعد جمع التبرعات والظهور في وسائل الإعلام والمعارك الحزبية.
ويرى خبراء أن هذه الاتجاهات تتزايد بشكل كبير، لدرجة أن المؤسسة تُنفر المرشحين المهتمين بالسياسة الذين يرغبون فعلاً في تمرير القوانين.
وقالت الخبيرة في السياسة الأميركية بجامعة شيكاغو، روث روبين، إن «الأمر أنه لا يوجد هناك أميركيون عاديون يتدافعون للانضمام إلى الكونغرس، بل إن هناك بدلاً من ذلك أقلية صغيرة جداً من الناس مستعدة للقيام بهذا العمل التشريعي المعقد، لكنه مهم».
وسواء كانوا سيبقون أو سيغادرون، يتفق العديد من المشرعين المخضرمين - كما تقول السيناتور الديمقراطية، إليزابيث وارن (من ماساتشوستس) - على أن الكونغرس «ليس على الإطلاق» كما كان، عندما بدأت عملها فيه عام 2013.
عيوب متزايدة
وأجرت صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» مقابلات مع مشرعين متقاعدين، وعدد آخر ممن خدموا في الكونغرس أكثر من 10 سنوات، حيث قال معظمهم إن عملهم كان مُرضياً، لكنهم يرون عيوباً متزايدة.
وأضافوا أن الضغط المستمر لجمع التبرعات آخذ في الازدياد، معربين عن خشيتهم على سلامتهم أكثر من أي وقت مضى.
وأكدوا أن العمل مع الأطراف الأخرى في الكونغرس أصبح شبه مستحيل.
كما يردد عدد كبير من المشرعين أن الكونغرس قد تنازل عن مزيد من سلطاته لمصلحة السلطة التنفيذية، وهو ما يشكل مصدر قلق بشكل خاص للحزب الذي لا يتولى السلطة.
وقال السيناتور الديمقراطي، بيتر ويلش، إن «هذه المؤسسة لا تؤدي المهمة الموكلة إليها، ونحن جميعاً نعلم ذلك».
أحزاب معطلة
ويشارك الجمهوريون هذا الرأي، حيث وصف النائب عن ولاية نبراسكا، دون بيكون، الأحزاب السياسية في الكونغرس بأنها «معطلة».
ويأسف النائب الديمقراطي عن ولاية ماريلاند، ستيني هوير، الذي يتقاعد بعد 45 عاماً في مجلس النواب - بما في ذلك أكثر من عقدين في مناصب قيادية - لفقدان روح التعاون بين الحزبين، ويقول إنه «قلق للغاية» من أن الكونغرس لا يؤدي واجباته بموجب الدستور.
إلى ذلك، أظهرت استطلاعات الرأي أن معظم الناس يعتقدون أن الكونغرس قد يعمل بشكل أفضل، مع فرض حدود على مدة ولاية الأعضاء، لكن بعض الخبراء يقولون إن حقيقة أن الكثيرين يغادرون مبكراً، تسلط الضوء على كيف أن التحديات في الكونغرس - بما في ذلك صعوبة تمرير السياسات وتبعية المؤسسة للرئيس - تعني أن الأعضاء الذين جاؤوا لإنجاز الأمور يصبحون محبطين بشكل متزايد.
وقال أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية، الدكتور ديفيد باركر، إن الكونغرس أصبح بشكل متزايد مخصصاً لأولئك «الذين يهتمون أكثر بتحقيق مكاسب سياسية على وسائل التواصل الاجتماعي أو قنوات الأخبار، أكثر من اهتمامهم بالأشخاص الذين يريدون محاولة إبرام اتفاقات بين الحزبين»، مضيفاً: «لم يعد مصمماً لهذا الغرض الآن».
تضاؤل التعاون
ودخلت النائبة الديمقراطية المتقاعدة، جوليا براونلي، عالم السياسة للمرة الأولى عندما ترشحت لمجلس التعليم المحلي في كاليفورنيا للدفاع عن الطلاب مثل ابنتها، التي تعاني صعوبة القراءة، وبعد وصولها إلى الكونغرس عام 2013، استغلت منصبها في لجنة شؤون المحاربين القدامى للمساعدة في تمرير مشروعات قوانين، مثل مشروع قانون يُوسّع نطاق تعويضات السفر للمحاربين القدامى الباحثين عن رعاية طبية، وذلك بدعم من الجمهوريين، ولاتزال عضواً في تلك اللجنة، لكن التعاون تضاءل.
وقالت في اتصال من مكتبها بالدائرة الانتخابية في جنوب كاليفورنيا: «لا يبدو أن هناك أرضية مشتركة يمكن العمل من خلالها».
وتُظهر الدراسات أن الديمقراطيين في الكونغرس أصبحوا أكثر ليبرالية منذ سبعينات القرن الماضي، بينما أصبح الجمهوريون أكثر تحفظاً.
وحدثت إعادة ترتيب على مدى عقود، حيث تحول العديد من الديمقراطيين المحافظين من الجنوب إلى الجمهوريين، وترك الجمهوريون الليبراليون من الشمال الشرقي الحزب الجمهوري، وقد أدى التلاعب الحزبي بالدوائر الانتخابية، عندما تتم إعادة ترسيم الدوائر لمصلحة حزب أو مرشح معين، إلى إضعاف الوسط بشكل أكبر.
من جهته، قال النائب الجمهوري، مايكل ماكول، (من تكساس) الرئيس الفخري للجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، إنه عندما انضم إلى مجلس النواب «كان المجلس أكثر احتراماً وتعاوناً قبل 22 عاماً».
وأضاف النائب المتقاعد أنه في ذلك الوقت «لم يكن العمل مع الطرف الآخر أمراً سيئاً».
وقد كان لغياب التوافق بين الحزبين تأثيره، فقد أقر الكونغرس الـ118، الذي امتد من 2023 إلى 2025، أقل عدد من مشروعات القوانين منذ الحرب الأهلية.
موجة انسحاب
وأدى نفوذ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى تسريع موجة انسحاب الأعضاء الجمهوريين المعتدلين.
وينتمي العديد منهم، مثل السيناتور، توم تيليس (عن ولاية كارولينا الشمالية)، إلى مجموعة صغيرة من الجمهوريين الذين انتقدوا ترامب وإدارته علناً.
وغادر معظم الأعضاء الجمهوريين الـ10 في مجلس النواب، الذين صوتوا لعزل ترامب، في عام 2021.
ولا يترشح لإعادة انتخابه سوى واحد منهم، وهو النائب ديفيد فالاداو (عن ولاية كاليفورنيا)، أما الآخر وهو النائب دان نيوهاوس عن ولاية واشنطن، فيعتزم التقاعد.
وقال الدكتور باركر، إن قيادات مجلسي النواب والشيوخ أصبحت في توافق تام مع الرئيس «لذا إذا كنت عضواً تريد حقاً صياغة السياسات وتحاول إنجاز الأمور، فلن تحصل في الواقع على كثير من الفرص للقيام بذلك».
وكان النائب الجمهوري، مايكل ماكول، أمضى أكثر من عقدين في مجلس النواب بعد أن عمل في مجال مكافحة الإرهاب في مكتب المدعي العام لولاية تكساس، وعن فترة عمله عضواً في الكونغرس، قال خلال مكالمة هاتفية، إن أحد أهم مصادر الإحباط، كان العمل الجاد لتمرير الأمور في مجلس النواب، حيث رأى بعد ذلك أنها لا تصل إلى أي نتيجة في مجلس الشيوخ.
لقد تعلم ماكول أنه «إذا أردت تمرير شيء ما، فعليك ربطه بمشروع قانون لابد من تمريره»، مثل مشروعات قوانين الاعتمادات، على حد قوله. عن «كريستيان ساينس مونيتور»
إجراءات عادية
كشفت دراسة أجريت عام 2024 من قِبَل باحثين في جامعتَي ولاية بنسلفانيا وولاية كولورادو، عن أن تزايد الاستقطاب في الكونغرس يؤدي إلى انخفاض عدد مشروعات القوانين التي يتم تمريرها، لكن تلك التي يتم تمريرها غالباً ما تكون ذات نطاق أوسع.
وأوضحت الدراسة أن الحزبية والأغلبية الضئيلة في مجلسَي النواب والشيوخ، تعنيان أنه غالباً ما يكون من الأكثر فاعلية للقيادة أن تدرج أولوياتها في مشروعات قوانين خاصة تحتاج إلى عدد أقل من الأصوات لتمريرها، أو في مشروعات قوانين لابد من تمريرها، مثل حزم التمويل السنوية.
وفي هذا السياق، قال الأستاذ في معهد «أميركان إنتربرايز»، كيفن كوسار: «لقد ابتعد الكونغرس أكثر فأكثر عن اتباع الإجراءات العادية في سن القوانين»، ويستشهد كوسار، على سبيل المثال، بتكرار حالات إغلاق الحكومة أخيراً، عندما لا يتفق المشرعون على التمويل السنوي، مشيراً إلى أن عملية تقديم أحد الأعضاء مشروع قانون مستقل يمر عبر لجنة ويتم التصويت عليه، أصبحت نادرة.
مشرّعون:
. الكونغرس تنازل عن مزيد من سلطاته لمصلحة السلطة التنفيذية، ما يشكل مصدر قلق للحزب الذي لا يتولى السلطة.
. خبراء يرون أن الكونغرس أصبح يُنفّر المرشحين المهتمين بالسياسة، الذين يرغبون فعلاً في تمرير القوانين.