الإيرادات النفطية خلال الصراعات تضع النرويج في موقف محرج

هل النرويج حقاً مستفيدة من الحروب؟ من المؤكد أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعتقد أن النرويج جنت أرباحاً طائلة من الصراع مع إيران، إذ لم تكن هذه المرة الأولى التي يشير فيها الرئيس الأميركي إلى حقيقة «مزعجة»، عندما سخر من المملكة المتحدة لعدم استغلالها احتياطياتها من النفط والغاز بالشكل الكافي، مضيفاً: «تبيع النرويج نفطها من بحر الشمال إلى المملكة المتحدة بضعف السعر.. إنهم يجنون ثروة طائلة».

لا يُعتبر دونالد ترامب الوحيد الذي لاحظ الإيرادات الضخمة التي تجنيها النرويج وشركاتها النفطية، فضلاً عن التدفقات الكبيرة إلى صندوق الثروة السيادية العملاق الأكبر في العالم، بأصول تبلغ 2.2 تريليون دولار، إذ يقول وزير من دولة مجاورة في الاتحاد الأوروبي: «النرويج ليست سوى مستفيدة من الحرب، وبالنظر إلى المبلغ الإضافي الذي كسبته بسبب المعاناة في أوكرانيا، ينبغي أن تكون أكثر سخاء في دعم أوكرانيا».

حققت النرويج أرباحاً إضافية من النفط في عامي 2022 و2023 بلغت نحو 140 مليار دولار، مقارنة بالعام 2021، وذلك في أعقاب الحرب الروسية على أوكرانيا. والآن توقع مدير الاستثمار الائتماني في «نورديا»، روبرت نيس، أن تكون النرويج قد جنت ما لا يقل عن ثمانية مليارات دولار إضافية من الصراع في الشرق الأوسط.

من جانبه، يقول رئيس تحرير صحيفة «داجنز نيهيتر» السويدية الليبرالية، بيتر وولودارسكي: «من المفارقة أن تنمو صناديق الثروة السيادية على حساب مأساة تدفع أوكرانيا ثمنها بالدماء». ويُعد هذا الأمر مسألة تتعلق بسمعة أكبر منتج للنفط في أوروبا الغربية، إذ اعتمدت النرويج منذ فترة طويلة على تبنّيها للديمقراطية والقيم الإنسانية، لكن ثروتها النفطية الهائلة لا تثير الحسد بين جيرانها فحسب، بل تثير الغضب أيضاً لعدم استغلالها على النحو الأمثل.

كانت النرويج متأخرة نوعاً ما على الصعيد الإقليمي في ما يتعلق بدعم كييف في الأيام الأولى للصراع الأوكراني، حيث قررت تقديم الدعم بعد أن قامت دول البلطيق بفعل ذلك. ووفقاً لبعض المقاييس، تخلفت النرويج عن جارتيها السويد والدنمارك، مقارنة بحجم اقتصاديهما، وقد لحقت بالركب إلى حد ما منذ ذلك الحين، لكن دعمها كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي لايزال متخلفاً عن إستونيا وليتوانيا، وفقاً لمؤشر متابعة الدعم لأوكرانيا الصادر عن معهد «كيل».

وتقول عضو البرلمان الأوروبي السويدي، كارين كارلسبرو: «يجب على الدول الأوروبية ذات القوة المالية الأكبر أن تكون أكثر عطاءً، ففي النهاية الأمر يتعلق بالقيادة».

إن تعطل تدفق النفط في مضيق هرمز، وما نتج عنه من ارتفاع في أسعار النفط، يملأ خزائن النرويج مرة أخرى، ويزيد الضغط عليها حتى داخلياً، وفي ذلك يقول أحد المسؤولين في أوسلو: «لا أعتقد أن أحداً يشعر بالارتياح إزاء حقيقة أن حجم صندوق النفط يزداد كلما اندلع صراع».

أما بالنسبة للحكومة النرويجية نفسها فإن دفاعها عن الإيرادات غير المتوقعة التي حققتها أخيراً يستند إلى حجة أوسع نطاقاً تتمحور حول كيفية اعتمادها هي والشركات التي تمتلكها من خلال صندوق النفط الذي يمتلك في المتوسط 1.5% من كل سهم مدرج في البورصات العالمية، على الاستقرار وعلى المكانة النادرة التي تتمتع بها البلاد باعتبارها دولة ديمقراطية مورِّدة للنفط.

من جهته قال وزير المالية النرويجي والأمين العام السابق لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، ينس ستولتنبرغ: «عندما ترتفع أسعار النفط تزداد إيراداتنا النفطية، ولكن عندما تنخفض أسواق الأسهم تنخفض قيمة صندوق النفط»، ويؤكد أنه إذا أثّر عدم الاستقرار العالمي على الشركات التي يمتلكها صندوق النفط، فإن انخفاض قيمة أصوله سيكون أكبر من أي زيادة في الإيرادات النفطية، وهذا نقاش من المرجح أن يضع أوسلو في موقف حرج، لاسيما كلما نشب نزاع يتعلق بموارد الطاقة، لكنه يمثل أيضاً تذكيراً آخر بالتحديات الجيوسياسية المتزايدة التي ينطوي عليها امتلاك صندوق ثروة سيادي بهذا الحجم والوضوح.

عن «فاينانشال تايمز»

 

الأكثر مشاركة