خلال زيارة ترامب إلى المملكة المتحدة في سبتمبر الماضي. من المصدر

بين البروتوكول والإحراج.. لحظات لافتة في لقاءات تشارلز بالرؤساء الأميركيين

من أكثر المواقف التي أثارت شيئاً من الحرج خلال زيارة تشارلز الثالث، في شبابه، للرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، في سبعينات القرن الماضي، حين كان في الـ21 من عمره، إصرار بعض المسؤولين الأميركيين على إحضار ابنة نيكسون، تريشيا، لتقف إلى جانب تشارلز في المناسبات الرسمية.

وبما أن كلاً من تشارلز وتريشيا كانا عازبين، فقد بدا المشهد في حينه غريباً ومربكاً إلى حد ما.

وتزامنت تلك الزيارة مع الفترة التي التقى فيها تشارلز كاميلا، التي أصبحت لاحقاً زوجته.

وقد بدت الفكرة في جوهرها بسيطة وساذجة إلى حد ما، وكأن الرسالة الضمنية تقول: «أنت شاب، وهذه شابة أخرى كنوع من التكريم أو المجاملة»، لكن هذا التصور كان يحمل في طياته قدراً من الاختزال غير المريح للعلاقات الإنسانية.

وحتى لو لم يكن الراوي موجوداً آنذاك، فمن السهل تخيّل صوت اعتراض داخلي يقول: «تريشيا إنسانة، وليست مجرد رمز أو سلعة للمجاملة».

موقف محرج

وبعد 11 عاماً من تلك الزيارة الأولى، قام تشارلز بزيارة أخرى إلى الرئيس الأميركي، رونالد ريغان، وخلال الزيارة قُدم له كوب من الشاي، لكن المفارقة كانت أن كيس الشاي بقي داخل الكوب، الأمر الذي وضعه في موقف محرج، حيث لم يكن واضحاً أين يجب أن يجلس، أو كيف يتعامل مع الشاي أمام الحضور.

وشعر ريغان نفسه بدرجة من الإحراج، لدرجة أنه ظل يستعيد تلك الحادثة في أحاديثه لسنوات لاحقة.

ويمكن هنا فتح باب النقاش حول من يتحمل مسؤولية هذا الموقف المحرج: هل هو من قدّم الشاي من دون تجهيز مناسب، أم تشارلز نفسه الذي اكتفى بالنظر إلى الكوب من دون التصرف؟ وربما كان من الأنسب ببساطة إخراج الكيس وتناول الشاي بشكل طبيعي، إلا أن ذلك قد يكون صعباً في ظل غياب ملعقة مناسبة أو تصور مسبق لطريقة التعامل مع الموقف، وربما افترض بعضهم أن الضيف الملكي اعتاد دائماً حمل أدواته الخاصة أثناء السفر.

البروتوكول

وعلى خلاف تلك المواقف السابقة، لم تشهد زيارات تشارلز عائلتَي الرئيسين بيل كلينتون وجورج بوش أي مواقف محرجة تُذكر، وظلت ضمن إطار البروتوكول المعتاد.

أما خلال زيارته الرئيس باراك أوباما، في عام 2015، فقد ألقى تشارلز خطاباً تضمن نقداً عاماً للعالم، بسبب تقاعسه في مواجهة تغير المناخ، وهو ما قد لا يتوافق تماماً مع الأعراف التقليدية القائمة على المجاملات الدبلوماسية.

ومع ذلك، أثبت التاريخ لاحقاً أن تجاوز حدود البروتوكول في بعض الأحيان قد يكون ضرورياً ومفيداً، ليس بالضرورة لأنه يحقق نتائج مباشرة، بل لأنه يتيح مساحة للحديث عن القضايا الجوهرية، وهو ما يشكل أحد أهم عناصر ما يُعرف بـ«القوة الناعمة».

زيارة أكثر تعقيداً

وعلى النقيض من ذلك، فإن الزيارة التي ينوي الملك تشارلز القيام بها أواخر أبريل الجاري إلى البيت الأبيض في عهد الرئيس دونالد ترامب، تبدو أكثر تعقيداً وإثارة للمخاطر على مستوى الحوار.

وقد يتحول اللقاء إلى مساحة مملوءة بالتوتر وسوء الفهم، وكأنه مشهد يجمع بين شخصيات سينمائية غير منسجمة، حيث لا يبدو أن الظروف البشرية أو الدبلوماسية مهيأة لجعل هذا اللقاء سلساً أو عادياً.

وقد يواجه الملك خلال مثل هذه اللقاءات سلسلة من التصريحات غير المراعية للبروتوكول، بما في ذلك انتقادات سابقة طالت حاملتي الطائرات البريطانيتين «القديمتين المتهالكتين»، رغم أنهما تحملان اسمي «إتش إم إس كوين إليزابيث» و«إتش إم إس برينس أوف ويلز»، وهو ما يضيف بعداً رمزياً أكثر حساسية للمسألة.

وكان رئيس الحكومة البريطانية كير ستارمر، تعرض لانتقادات حادة بأسلوب مباشر وقاسٍ، لكن التحدي الحقيقي يكمن في الحفاظ على الاحترام المتبادل.

مواقف غير متوقعة

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، حيث يطرح تساؤلاً حول ما إذا كانت التصريحات أو المواقف المتشددة تجاه شخصيات دينية على سبيل المثال، قد تترك أثراً طويل المدى في العلاقات الدبلوماسية، كما يُثار التساؤل حول مدى تأثر الملك تشارلز بمثل هذه المواقف، أو حتى ما إذا كان قد اطلع على بعض المحتويات المثيرة للجدل.

وفي هذا السياق، يبقى السؤال مفتوحاً حول طبيعة الرسائل التي قد تفهم من مثل هذه التصرفات، وما إذا كان من الممكن أن تطرح في لقاء مباشر مع الملك، وهو ما قد يؤدي إلى مواقف غير متوقعة أو محرجة على الصعيد الدبلوماسي.

وحتى بدء زيارة الملك تشارلز، يفترض أن الأمور لاتزال ضمن الإطار الدبلوماسي القائم، على أمل أن يلتزم الجميع الصمت أو الحذر في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي حتى نهاية الشهر، رغم أن احتمالية ذلك تبدو ضعيفة للغاية.

وفي النهاية، من غير المرجح أن يقوم الملك بإلغاء هذه الزيارة، خصوصاً أنها تعد غير مسبوقة من الناحية التاريخية، وتمثل لحظة حساسة في العلاقات بين بريطانيا وأميركا.

ومع ذلك، فإن الطابع الغريب وغير المتوقع لهذه المرحلة يجعل الموقف مفتوحاً على احتمالات متعددة، وربما يحتاج الأمر إلى تدخل أو مشورة من شخصيات سياسية مثل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، أو حتى أحد المرافقين، لمنح الملك مساحة آمنة أو مبرراً دبلوماسياً إذا تطلب الأمر الانسحاب في لحظة ما.

يشار إلى أن ترامب قام زيارة دولة «تاريخية» إلى المملكة المتحدة في سبتمبر 2025، التقى خلالها الملك تشارلز في قلعة وندسور.

زو ويليامز*

*كاتبة مقال في «الغارديان» البريطانية

عن «الغارديان»

. من غير المرجح أن يلغي الملك تشارلز زيارة واشنطن، لاسيما أنها تأتي في لحظة حساسة بالعلاقات بين بريطانيا وأميركا.

. لقاء ترامب وتشارلز قد يتحول إلى مساحة مملوءة بالتوتر وسوء الفهم، في ظل ظروف دبلوماسية يبدو أنها غير مهيأة لجعل اللقاء عادياً.

الأكثر مشاركة