محللون: نهاية عهد أوربان في المجر اختبار صعب للإصلاح وسط تحديات أوروبية
نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية تحليلاً سياسياً حول هزيمة رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، في الانتخابات التشريعية، شارك فيه عدد من المحللين والخبراء في الشأن السياسي، ركزوا خلاله على دلالات انتصار حزب «تيسا» المعارض، بقيادة المحافظ بيتر ماغيار، وأثر هذا التحول في المجر وأوروبا بشكل عام، مشيرين إلى أن هذا التحول السياسي في المجر، بعد سقوط أوربان، سيكون بين مطرقة آمال الإصلاح وسندان تحديات الواقع الأوروبي.
ويرى المحللون أن ماغيار سيواجه داخلياً تحديات كبيرة، منها تفكيك مؤسسات أنشأها النظام السابق، والتعامل مع أوضاع اقتصادية صعبة، إضافة إلى نقص الخبرة لدى فريقه الحكومي، كما أن الإنفاق الحكومي المرتفع في الفترة السابقة سيُقيد قدرته على إدارة الميزانية، ما قد يجعل فترة «سماح» الرأي العام قصيرة، مشيرين إلى أنه مع ذلك ستكون التوقعات من ماغيار كبيرة.
زلزال سياسي
في مشهد يعكس عمق التحول الشعبي، صدحت هتافات «أوروبا، أوروبا، أوروبا» على ضفاف نهر الدانوب، حيث احتشد عشرات الآلاف احتفالاً بفوز ماغيار، الذي ألقى خطاب النصر وسط أجواء من الحماس والأمل.
وجاءت هذه الانتخابات بمشاركة قياسية بلغت 77%، ما شكّل زلزالاً سياسياً حقيقياً، حيث منح الناخبون المجريون حزب «تيسا» أول فرصة فعلية منذ 16 عاماً لتفكيك النظام السياسي الذي بناه أوربان.
ورغم أن سقوط أوربان بدا مفاجئاً للبعض، فإن المؤشرات إلى تراجع نظامه كانت قد ظهرت منذ فترة، خصوصاً بعد فضيحة سياسية عام 2024، كشفت عن خلل أخلاقي عميق داخل بنية حكمه.
وعلى مدى سنوات، شعر المجريون بأنهم عالقون بين حكومة تميل إلى الاستبداد، ومعارضة ضعيفة ومجزأة، إلا أن ماغيار استطاع كسر هذا الجمود السياسي.
تحدٍّ صعب
لقد واجه ماغيار تحدياً صعباً تمثّل في «دولة الحزب»، وهو نظام مدعوم بإمكانات مالية وإعلامية ومؤسساتية ضخمة، إضافة إلى حملات تشويه مستمرة ضد الخصوم.
ومع ذلك، نجح في خوض حملة انتخابية نشطة، شملت مختلف أنحاء البلاد، بما في ذلك المناطق التي اعتبرت تقليدياً مغلقة سياسياً.
كما أن تبنيه خطاباً شعبوياً محافظاً، ساعده على تجنّب الانتقادات المعتادة التي تُوجه للسياسيين الليبراليين.
وفي خطاب النصر، طرح ماغيار برنامجاً طموحاً يهدف إلى استعادة سيادة القانون، وتحسين العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو).
غير أن تحقيق هذه الأهداف لن يكون سهلاً، حيث ورث وضعاً معقداً يتسم بضغوط اقتصادية كبيرة، وتوقعات شعبية مرتفعة، فضلاً عن استمرار نفوذ حزب «فيدس» (حزب أوربان) حتى بعد خسارته، لقد تغلغل نظام أوربان في مفاصل المجر، من الإعلام إلى الاقتصاد والثقافة السياسية، ما يجعل إزالته من السلطة أمراً مختلفاً تماماً عن تفكيك إرثه العميق، لكن رغم ذلك فإن ما تحقق يُمثّل خطوة حاسمة، حيث أظهرت النتائج أن الاستراتيجيات التي اعتمدها أوربان لضمان استمراره، أدت في النهاية إلى استنزاف نظامه وانهياره.
إصلاح الأضرار
وتطرح هذه التطورات سؤالاً محورياً: ليس فقط كيف تمت هزيمة أوربان؟، بل هل يمكن إصلاح الأضرار السياسية والقضائية والأخلاقية التي خلّفها؟
وترى الخبيرة في العلاقات الدولية وكاتبة زاوية في «الغارديان» تختص بالشؤون الأوروبية، ناتالي توكسي، أن فوز ماغيار يمنح المجر فرصة حقيقية للخروج من الأزمة التي عاشتها منذ عام 2010، لكنه لا يضمن النجاح، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجه إعادة بناء مؤسسات الدولة.
وقالت: «تشير تجارب دول أخرى، مثل بولندا، إلى أن التخلص من إرث الاستبداد عملية معقدة وطويلة، فإعادة ترسيخ استقلال القضاء، وحرية الإعلام، وتنشيط المجتمع المدني، وحماية حقوق الإنسان، ستواجه مقاومة قوية من المستفيدين من النظام السابق».
وأضافت: «على الصعيد الأوروبي، يُنظر إلى هزيمة أوربان على أنها تطور مهم، حيث كانت سياساته تُمثّل تحدياً داخل الاتحاد، خصوصاً في ملفات مثل أوكرانيا، ومع ذلك لا يعني هذا الانتصار عودة سريعة للديمقراطية، بل يُمثّل خطوة أولى في مسار طويل».
دلالة رمزية
من جهته، قال أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جورجيا، كاس مودي، إن الانتخابات المجرية الأخيرة تكشف مبالغة الخطاب العام في تصوير قوة الأنظمة الاستبدادية وضعف الديمقراطيات.
وحذّر من التفسيرات المفرطة التي تربط هزيمة أوربان بتراجع اليمين المتطرف في أوروبا، مشيراً إلى أن تأثيره السياسي، رغم أهميته، كان محدوداً نسبياً.
وأضاف: «مع ذلك، تحمل هذه النتيجة دلالة رمزية قوية للسياسة الأوروبية، فقد حل أوربان محل مارين لوبان (زعيمة اليمين المتطرف في فرنسا) كزعيم غير رسمي لليمين المتطرف الأوروبي، الذي لايزال منقسماً بشدة منذ ما يُسمى بـ(أزمة اللاجئين) في أوروبا عام 2015».
لحظة تاريخية
بدورها، قالت كبيرة الباحثين في المركز الأوروبي للإصلاح، زيليك تشاك، إن «ما حدث يُمثّل لحظة تاريخية للمجر، كما أن فوز ماغيار أدى إلى شعور العواصم الأوروبية وبروكسل بالارتياح، لكن الترقب الذي سبق التصويت، وحقيقة أن العديد من قادة الاتحاد الأوروبي كانوا يأملون ببساطة أن تختفي (مشكلة أوربان) بعد هذه الانتخابات، يكشفان أيضاً عن ضعف في بنية الاتحاد الأوروبي، الذي يفتقر إلى آليات فاعلة لمعالجة التراجع الديمقراطي داخل الدول الأعضاء»،
وأضافت: «في عام 2018، ورداً على انتهاكات أوربان لسيادة القانون، جمّدت بروكسل أكثر من 30 مليار يورو من أموال الاتحاد الأوروبي المخصصة لبودابست، إلا أنها لم تتمكن من حشد دعم جميع الدول الأعضاء اللازمة لتحويل الإجراءات إلى تأثير ملموس».
وتابعت: «مع اقتراب استحقاقات سياسية مهمة في أوروبا، يصبح من الضروري أن يطوّر الاتحاد الأوروبي استجابة أكثر فاعلية، لأن نجاح تجربة المجر الجديدة سيعتمد جزئياً على الدعم الأوروبي».
أغلبية دستورية
في السياق ذاته، يرى المدير الإداري لمجموعة «أوراسيا» في أوروبا، مجتبى رحمن، أن فوز حزب «تيسا» قد يمنح ماغيار الأغلبية الدستورية (أغلبية الثلثين) اللازمة لتفكيك نفوذ أوربان، بما يشمل مؤسسات الدولة والقضاء والإعلام.
وقال: «بفضل هذا الفوز، لم يعد لدى أوربان أي أمل في الاعتراض على حسابات البرلمان، وهذا يعني أنه من المرجح أن تؤدي الحكومة اليمين الدستورية في 12 مايو المقبل، من دون أي عقبات تذكر»، وأضاف: «سيعمل ماغيار قريباً للإفراج عن مليارات اليورو من المنح والقروض الأوروبية المجمّدة، على أمل أن تخفف بروكسل من مطالبها وتبدي بعض المرونة، وهو أمر مرجح». عن «الغارديان»
مفترق طرق
اعتبر محللون أن فوز بيتر ماغيار بالانتحابات التشريعية في المجر، وسقوط رئيس الوزراء فيكتور أوربان، يُمثّلان نقطة تحول مهمة، لكنهما ليسا نهاية الطريق، مشيرين إلى أن المجر تقف اليوم عند مفترق طرق بين استعادة الديمقراطية والتعثر في مواجهة إرث ثقيل، بينما تراقب أوروبا، عن كثب، ما إذا كان هذا التغيير سيُشكّل بداية حقيقية لعهد جديد، أم مجرد هدنة مؤقتة في مسار سياسي معقد.
. رغم أن سقوط أوربان بدا مفاجئاً، فإن المؤشرات إلى تراجع نظامه ظهرت منذ فترة بعد فضيحة كشفت عن خلل في حكمه.
. الإنفاق الحكومي المرتفع في الفترة السابقة سيُقيد قدرة بيتر ماغيار على إدارة الميزانية.