دعوات متزايدة في بولندا للخروج من الاتحاد الأوروبي رغم قصة النجاح

تشهد وارسو حالياً ازدهاراً لافتاً، حيث يعد الاقتصاد البولندي باستمرار من أسرع الاقتصادات نمواً في أوروبا.

وإذا كانت إيرلندا هي النموذج المثالي للتوسع المبكر للاتحاد الأوروبي قبل 53 عاماً، فإن بولندا هي قصة النجاح الكبرى لتوسع الاتحاد نحو الشرق عام 2004. ورغم ذلك لماذا يتحدث البعض في هذا البلد عن خروج بولندا من الاتحاد؟

لكن رئيس الوزراء البولندي، دونالد تاسك، حذر من أن خروج بولندا من الاتحاد الأوروبي يمثل «تهديداً حقيقياً»، وقال إن المعارضة القومية اليمينية، المتمثلة في حزب القانون والعدالة، وكذلك القوى اليمينية الأكثر تطرفاً، تريد إخراج وارسو من الاتحاد.

وقد فُهم ذلك على أنه محاولة مبكرة من تاسك لجعل الانتخابات البرلمانية الرئيسة العام المقبل تصويتاً على مستقبل بولندا في الاتحاد الأوروبي.

وربما يأمل في أنه من خلال تحويل الحملة الانتخابية إلى استفتاء شبه رسمي حول العضوية، يمكنه تعزيز قاعدته في مواجهة القوى المتشككة في الاتحاد الأوروبي التي تتزايد قوتها.

تأييد

ويشير بعض استطلاعات الرأي إلى ارتفاع حاد في تأييد الخروج، وهو اتجاه أثار قلق نخبة من المثقفين والسياسيين المؤيدين للاتحاد الأوروبي. وقال المخرج المسرحي، بلازي توكارسكي، الذي توقف للتحدث أثناء نزهة في وسط وارسو: «أتذكر كيف كان شكل هذا البلد قبل الاتحاد الأوروبي، وأعتقد أن معظم الناس هنا، سواء كانوا مؤيدين للخروج أو معارضين له، يتذكرون كيف كان الوضع وكيف تغير كل شيء».

واعتبر توكارسكي أن الأمر سيكون «كارثة» إذا صوتت بولندا يوماً ما لمصلحة الانفصال عن الاتحاد.

وأضاف: «لكنني أعتقد أن هذا أمر ممكن تماماً. أعتقد أن الناس يرون الكثير من الأمور حقوقاً مكتسبة، مثل قدرتنا على السفر داخل دول الاتحاد، وأننا لم نعد دولة من الدرجة الثانية».

انقسام

السياسة في بولندا منقسمة بشدة بين معسكرين متكافئين، فمن جهة التحالف المدني بقيادة تاسك، الذي يضم أحزاباً من يمين الوسط والوسط، وهي الأحزاب التي تشكل الحكومة، بينما على الجانب الآخر، حزب القانون والعدالة، الذي يمثل المعارضة الشعبوية المتحالفة مع الرئيس كارول نافروتسكي. وقد تولى حزب القانون والعدالة السلطة لمدة ثماني سنوات بين عامي 2015 و2023.

وخلال تلك الفترة سعى الحزب إلى تحقيق رؤية قومية ومحافظة للبلاد، ما أدى إلى صراعات متكررة مع بروكسل.

وفرضت المفوضية الأوروبية عقوبات على حزب القانون والعدالة لتقويضه سيادة القانون، ولتعيينه حلفاء سياسيين في مناصب القضاء.

وقد تم الترحيب بعودة تاسك إلى منصب رئيس الوزراء قبل أكثر من عامين باعتبارها انتصاراً كبيراً للسياسة الليبرالية المؤيدة لأوروبا.

ومنذ ذلك الحين ظل زعيم يمين الوسط هذا مقيداً، وحُرم من المضي قدماً في أجندته المحلية على يد الرؤساء المحافظين المتعاقبين.

صلاحيات واسعة

ويمنح الدستور البولندي، الرئيس صلاحيات واسعة لتأخير التشريعات ورفضها. ولم يتردد الرئيس السابق أندريه دودا، المنتمي لحزب القانون والعدالة، في استخدام تلك الصلاحيات، بعد أن استعاد تاسك السيطرة على الحكومة من اليمين المتطرف.

لهذا السبب، تم التركيز بشكل كبير على الانتخابات الرئاسية الجديدة العام الماضي، وكانت الانتخابات فرصة لتاسك لتعيين أحد حلفائه في المنصب لكسر الجمود.

وقد فاز نافروتسكي، وهو شعبوي من اليمين المتطرف مدعوم من حزب القانون والعدالة، بفارق ضئيل على عمدة وارسو والمرشح المؤيد للاتحاد الأوروبي، رافال ترازكوسكي، حيث شكلت النتيجة انتكاسة لإدارة تاسك.

وقد مارس نافروتسكي صلاحياته في استخدام حق النقض بشكل أكثر تحرراً من سلفه منذ توليه المنصب. وأخيراً، تدخل لمنع بولندا من سحب 43 مليار يورو من قروض الاتحاد الأوروبي لإنفاقها على الدفاع.

مخاوف حقيقية

تتمثل استراتيجية تاسك في تصوير الممارسات المعرقلة والميول المتشككة في الاتحاد الأوروبي التي تتبناها المعارضة اليمينية على أنها هدية لموسكو.

وهذا الأمر يغذي مخاوف حقيقية في بولندا من أن موسكو لن تكتفي بالجارة أوكرانيا، في حال سقوط كييف.

ويقوم المخططون العسكريون البولنديون بإجراء استعدادات مفصلة للدفاع عن البلاد في مواجهة أي خطر روسي محتمل.

وقد تم حفر خنادق مضادة للدبابات، وتخزين الألغام الأرضية في مواقع استراتيجية على طول الحدود البولندية مع بيلاروسيا، حليفة الكرملين، لاستخدامها في حال وقوع هجوم من الشرق.

وتعتمد الخطة على كسب الوقت الكافي للجيش البولندي للتعبئة الكاملة من خلال إبطاء هجوم روسي محتمل، وقد تكون بضعة أيام هي الفارق. وقد زاد نشر الطائرات الروسية بدون طيار في الأجواء البولندية، في سبتمبر الماضي، والتدريبات العسكرية الواسعة النطاق التي أجريت في بيلاروسيا في الشهر نفسه، من حدة القلق في بولندا.

وقال المحامي والسياسي من التحالف المدني الذي ينتمي إليه تاسك، ميشيل فافريكيفيتش، إن الحرب الروسية على أوكرانيا قد أبرزت سبب أهمية «ترسيخ» بولندا بقوة بين حلفائها الأوروبيين.

وأضاف: «المجتمع يدرك تماماً أن أمننا يكمن في الغرب، ليس فقط في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بل في الاتحاد الأوروبي أيضاً». وحتى أولئك الذين يميلون إلى فكرة الانسحاب من الاتحاد الأوروبي يدركون أن الانفصال لن يكون ممكناً لفترة من الوقت.

وبولندا هي أحد أكبر المستفيدين من ميزانية الاتحاد الأوروبي البالغة تريليوني يورو. وتستفيد البلاد بشكل كبير من تمويل «التماسك» للتنمية الإقليمية وإعانات الزراعة في إطار السياسة الزراعية المشتركة.

صنع السياسات

أثبتت تجربة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أنها ممارسة واضحة للإضرار الذاتي على الصعيد الاقتصادي.

كما أظهر الاستفتاء أن الناس يصوتون أحياناً بناء على العاطفة، بدلاً من إجراء تحليل اقتصادي رصين للقرار المطروح أمامهم.

وقد يرغب حزب القانون والعدالة في بولندا، في إضعاف سلطة مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وإعادة ترسيخ سيادة العواصم الوطنية في صنع السياسات، لكنه لم يبدِ أي اهتمام باللحاق بالمملكة المتحدة في خروجها من الاتحاد خلال فترة حكمه الأخيرة.

ويشعر الحزب بالقلق من أن تتفوق عليه قوى اليمين الأكثر تطرفاً، مثل حزب الكونفدرالية، وحزب «كورونا»، الذي يمثله السياسي المتطرف المؤيد لخروج بولندا من الاتحاد الأوروبي، غرزيغورز براون.

وقال المحامي فافريكيفيتش، الذي أصبح عضواً في البرلمان الأوروبي، إن حزب القانون والعدالة أراد أساساً الحصول على أموال الاتحاد الأوروبي دون أن يقبل بقواعده.

ويرى حليف تاسك، أن الحزب الشعبوي معادٍ للمفوضية، ومستخف بأحكام محكمة الاتحاد الأوروبي.

وأضاف فافريكيفيتش: «إنهم لا يريدون أي قيود قادمة من بروكسل. إنهم يريدون التعامل مع الاتحاد الأوروبي كآلة صراف دون أي التزامات».

القواعد المشتركة

ومع تعرّض القواعد الأوروبية المشتركة المتعلقة بطالبي اللجوء واللاجئين لأشد انتقادات من اليمين، يقوم مارسين بوتريم، ونشطاء آخرون مناهضون للهجرة، بجمع توقيعات على عريضة خارج محطة مترو مزدحمة في وارسو، بجوار قصر الثقافة والعلوم.

وقد نظمت جماعة «حركة الدفاع عن الحدود» المتشددة دوريات مدنية على طول الحدود البولندية الألمانية، مدعية أن برلين تدفع المهاجرين غير الشرعيين إلى بولندا.

وقال بوتريم: «يريد الاتحاد الأوروبي منا أن نستقبل مهاجرين لن يعملوا هنا، بل سيجلسون فقط ويأخذون أموالنا». عن «أيرش تايمز»

نقطة توتر حادة

تشكل الإصلاحات الجديدة على مستوى الاتحاد الأوروبي، التي ستدخل حيز التنفيذ في يونيو المقبل، نقطة توتر حادة.

وستشدد هذه التغييرات نظام اللجوء في أوروبا، ما يسهل على الحكومات البت بسرعة في الطلبات، وترحيل طالبي اللجوء المرفوضين.

. بولندا من أكبر المستفيدين من ميزانية الاتحاد الأوروبي البالغة تريليوني يورو، عبر تمويل «التماسك» للتنمية الإقليمية وإعانات الزراعة.

. سياسيون يعتبرون أن الحرب الروسية على أوكرانيا تؤكد أهمية «ترسيخ» بولندا بقوة بين حلفائها الأوروبيين.

الأكثر مشاركة