الاعتبارات الجيوسياسية ونقص استثمارات الغرب يُقوّضان أمن إمدادات الطاقة
أمن الطاقة ليس مسألة ثانوية لا تُعالج إلا أثناء الأزمات السياسية أو تقلبات السوق، بل إنها عنصر استراتيجي أساسي.
وعندما يتم إهمال أمن الطاقة، فإن آثاره لا تقتصر على قطاع الطاقة فحسب، بل تمتد لتشمل سلاسل التوريد، وتؤثر في الأسعار، وتنتشر عبر منظومة الاقتصاد بأكملها.
وفي عالم يتسم بمزيد من عدم اليقين، يجب التعامل مع أمن الطاقة باعتباره التزاماً دائماً في إطار السياسة العامة السليمة.
ولهذا السبب يجب فهم الأزمة الحالية بشكل صحيح، فالعالم لا يعاني نقصاً في الغاز الطبيعي، سواء كان يُنقل عبر الأنابيب أو على شكل سائل.
وما نشهده اليوم ليس أزمة وفرة، وإنما أزمة أمن إمدادات تشكّلت بفعل الاعتبارات الجيوسياسية، حيث أصبحت الطاقة نفسها الضحية.
بنية تحتية قوية
والسؤال هو ما إذا كانت البنية التحتية قوية بما يكفي لتوصيل الغاز إلى أي كان ومتى كان مطلوباً، وبكُلفة يمكن للمستهلكين في آسيا وللغرب تحملها؟
لقد جعلت سنوات من نقص الاستثمار الإجابة عن هذا السؤال أصعب مما ينبغي.
لايزال الغاز جزءاً لا غنى عنه في مزيج الطاقة العالمي، فهو متوافر بكثرة، وفعّال، ومتعدد الاستخدامات.
كما أنه يدعم شبكات الكهرباء في جميع أنحاء العالم بشكل موثوق، ويُعدّ حيوياً للتدفئة والصناعة وإنتاج الأسمدة، ويُشكّل أساساً لمجموعة واسعة من المنتجات البتروكيماوية والسلع المُصنعة.
ويكتسب الغاز أيضاً أهمية متزايدة بالنسبة للبنية التحتية الرقمية، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، التي تتزايد حاجتها إلى طاقة مستمرة وعالية الجودة بوتيرة أسرع مما تستطيع العديد من الأنظمة الحالية وسيناريوهات إزالة الكربون الشاملة استيعابها.
استخدام متزايد
ينطبق هذا بشكل خاص على معظم دول العالم النامي، ففي هذه الدول، يُعدّ الاستخدام المتزايد للغاز الطبيعي جزءاً لا يتجزأ من مستقبل منخفض الانبعاثات، لأن البديل العملي، في الأغلب، لا يتمثّل في بناء قدرات مثالية تعتمد على مصادر الطاقة المتجددة وحدها، بل في الاستمرار بالاعتماد على أنواع الوقود الأكثر كثافة في الكربون، مثل الفحم، وشبكات كهرباء أضعف، ونمو صناعي محدود.
ويجب أن تنطلق سياسة الطاقة من الواقع المادي، وليس من التفضيلات النظرية.
وهنا تبرز أهمية مضيق هرمز، ففي اليوم العادي، يمر عبره ما بين 100 و130 سفينة. كما يمر عبر هذا الممر المائي المهم نحو 30% من الأسمدة المتداولة عالمياً، إلى جانب النفط، والمواد الأولية البتروكيماوية الأساسية، والغاز الطبيعي المسال والكبريت. فهو ليس مجرد ممر ضيق للطاقة، بل إنه نقطة حساسة بالنسبة للزراعة والتصنيع والتجارة.
ولا يقتصر تأثير الاضطراب في أسواق السلع الأساسية فحسب، وإنما يمتد ليشمل المزارع والمصانع والموانئ ومحال البقالة، والميزانيات الوطنية، وفي النهاية المستهلكين.
ومع ذلك، ولفترة طويلة جداً، تصرف العالم كما لو أن الطرق الحيوية ستظل مفتوحة دائماً وأنه يمكن تأجيل وضع ضمانات أقوى بأمان.
وهذا الافتراض يتصادم الآن مع الواقع، فالهجمات الأخيرة على البنية التحتية للطاقة في الشرق الأوسط تُذكّرنا بأن هذه الأصول حيوية ليس فقط للنشاط الاقتصادي، بل للثقة بالنظام الأوسع.
سياسات تنظيمية
المشكلة الأعمق هي أن أمن الإمدادات قد أُهمل لمصلحة أولويات سياسية أخرى، فقد أعاقت التجاذبات السياسية في الغرب، في كثير من الأحيان، الاستثمار في البنية التحتية التي كان من الممكن أن تخفف من تأثير أي اضطراب.
وأدى ذلك إلى استمرار نقص استثمار الغرب في خطوط الأنابيب ومحطات الغاز الطبيعي المسال والتخزين وقدرات المعالجة والنقل البحري وتعزيز البنية التحتية الحيوية.
ولا يجب أن تؤدي السياسات التنظيمية، مهما كانت نواياها حسنة، إلى مزيد من عدم اليقين من خلال عرقلة الاستثمار في إمدادات الغاز والبنية التحتية.
ورغم وجود قاعدة إمداد أكثر تنوعاً، فإن تنوع الإنتاج لا يعني في حد ذاته الأمن.
فمن دون آلية نقل وتوصيل موثوقة، لا يعني التنوع الكثير بالنسبة للأمن.
لم تعد سوق الغاز العالمية تتفاعل بطريقة واحدة، فأوروبا هي في المقام الأول سوق للتخزين وإعادة التزويد، بينما تركز دول شمال شرق آسيا على الشحنات البديلة والطاقة والأمن الصناعي.
وتضع دول جنوب آسيا في مقدمة أولوياتها القدرة على تحمل الكُلفة وتقليص الاستهلاك.
أما إفريقيا فهي سوق تركز على تحقيق العائد المالي، وإعطاء الأولوية للاحتياجات المحلية، بينما توازن أميركا الشمالية بين الاحتياجات المحلية والصادرات.
وبالنسبة لأميركا اللاتينية، فهي منافس غير مباشر في حوض المحيط الأطلسي.
استجابة واضحة
لذلك يجب أن تكون الاستجابة السياسية واضحة وشفافة. وللتخفيف من الصدمات مثل الصدمة الحالية، يجب على صانعي السياسات في الغرب ومناطق أخرى من العالم، ألّا يعيقوا الاستثمار في البنية التحتية للطاقة، بما في ذلك مشروعات الغاز الطبيعي المسال والغاز المنقول عبر الأنابيب.
ولتلبية الطلب المتزايد والناشئ، يُعدّ الاستثمار في الغاز ضرورياً، ليس كبديل للطاقة المتجددة، بل كمُكمل استراتيجي لها.
ويشمل ذلك تخزين الغاز، الذي يساعد الأسواق على إدارة التغيّرات الموسمية، واستيعاب الصدمات قصيرة الأجل، وضمان التسليم الموثوق.
كما يتعين على الحكومات إعادة وضع أمن الإمدادات في صميم استراتيجيات الطاقة، ولا ينبغي النظر إلى الغاز على أنه مجرد وقود انتقالي، فهو إحدى ركائز نظام طاقة عالمي آمن وميسور الكُلفة ومنخفض الكربون، وهو ما يجعل الكُلفة المعقولة أمراً ممكناً، والقدرة التنافسية أمراً مستداماً، وخفض الانبعاثات أمراً موثوقاً.
فمن دون ذلك، تصبح الدول أكثر عرضة للاضطرابات والتقلبات، وبالتالي تلجأ إلى بدائل أكثر تلويثاً أو أقل موثوقية.
وفي عالم يتزايد فيه الترابط بين الجغرافيا السياسية والجغرافيا الاقتصادية، يجب النظر إلى القدرة على تحمل الصدمات على أنها ضرورة استراتيجية. عن «ناشيونال إنترست»
أزمة عالمية
يُعدّ أمن إمدادات الغاز الطبيعي أمراً بالغ الأهمية في نظام الطاقة المعاصر الذي يتسم بالتعقيد والترابط، فقد تؤدي انقطاعات الإمدادات إلى آثار اجتماعية واقتصادية جسيمة، كما اتضح عقب الحرب الروسية على أوكرانيا في فبراير 2022.
وخلال عامَي 2022 و2023، انخفضت إمدادات الغاز الروسي عبر الأنابيب إلى أوروبا بنحو 120 مليار متر مكعب، ما تسبب بأزمة طاقة عالمية أدت إلى ارتفاع أسعار الغاز والكهرباء، وأثارت موجة من التضخم، وزادت من المخاطر الجيوسياسية. واستجابت وكالة الطاقة الدولية بسرعة لهذه الأزمة من خلال وضع خطة لتقليل اعتماد الاتحاد الأوروبي على الغاز الروسي.
وبعد فترة وجيزة من اندلاع الأزمة، تم إنشاء فريق عمل معني بمراقبة أسواق الغاز والوقود النظيف والإمدادات وأمن الطاقة. وفي فبراير 2023، عُقد اجتماع وزاري لوكالة الطاقة الدولية بشأن أسواق الغاز وأمن الإمدادات، لمناقشة الاستجابة للأزمة وتنسيقها بشكل أكبر.
. التجاذبات السياسية في الغرب أعاقت في كثير من الأحيان الاستثمار في البنية التحتية التي كان من الممكن أن تخفف من تأثير أي اضطراب.
. سوق الغاز العالمية لم تعد تتفاعل بطريقة واحدة، فأوروبا سوق للتخزين وإعادة التزويد، بينما تتصدر أولويات جنوب آسيا القدرة على تحمل الكُلفة وتقليص الاستهلاك.