عائدات النفط والغاز الروسية انخفضت بشكل حاد. رويترز

أسعار النفط المرتفعة لن تسد العجز المتزايد في الميزانية الروسية

ازدادت الضغوط على المالية الروسية حدة، لدرجة أنه حتى مع ارتفاع أسعار النفط، المدفوع بالاضطرابات في مضيق هرمز، فإن ذلك لن يكون كافياً لسد العجز المتزايد في الميزانية.

ورغم ارتفاع أسعار النفط، فإن موسكو تتحرك بسرعة لتشديد السياسة المالية، حيث بدأ المسؤولون ومستشارو الرئيس فلاديمير بوتين، دورة جديدة من التخفيضات المحدودة في الميزانية، والحفاظ بشكل أكثر صرامة على الاحتياطات المتضائلة، وزيادة المحاسبة بناء على توجيهات الكرملين. وقد بدأ هذا التحول بهدوء، فقبل ثلاثة أيام من بدء حرب إيران، خاطب رئيس الوزراء الروسي ميخائيل ميشوستين، مجلس النواب (الدوما)، ملمحاً إلى تغيير حاد، وربما غير شعبي، في السياسة الاقتصادية.

ميشوستين لم يعلن ذلك صراحة، وبدلاً من ذلك، وباللغة المشفرة بعناية التي يتسم بها المسؤولون الروس، رد على سؤال من النائب أندريه ماكاروف، الذي يطرح أسئلة محرجة، حيث سأل ماكاروف عن كيفية تعامل الحكومة مع العجز، فأجاب ميشوستين أنه هو وكبار المسؤولين أمضوا «ساعات طويلة جداً» في مناقشة مع الرئيس بحثاً عن الحل الأمثل.

مثل هذه التصريحات لا تصدر أبداً على سبيل المصادفة، وقد أظهر الانفتاح الواضح الذي أبداه ميشوستين أن قراراً صعباً قد اتُخذ بالفعل، وتمت الموافقة عليه على أعلى المستويات، وبالتالي لم يعد موضع نقاش.

«قاعدة الميزانية»

وبعد أيام، ظهرت تفاصيل تفيد بأن الحكومة جمّدت ما يُعرف بـ«قاعدة الميزانية»، وقد صممت هذه القاعدة لتثبيت سعر الروبل (العملة الروسية)، وحماية الميزانية الفيدرالية، بغض النظر عن تقلبات أسعار النفط. فإذا بيع مزيج «أورال» الروسي، على سبيل المثال، بسعر أقل من السعر المحدد (نحو 60 دولاراً للبرميل)، فسيتم سحب اليوان (العملة الصينية) والذهب من صندوق الثروة الوطنية وبيعهما في السوق المفتوحة، وستُستخدم العائدات لسد العجز في الميزانية.

طوال الأشهر الأولى من العام الجاري، كان هذا بالضبط ما كانت موسكو تفعله. وكانت أسعار النفط منخفضة في يناير وفبراير الماضيين، لذا بلغ إجمالي عائدات النفط والغاز 0.8 تريليون روبل فقط (9.6 مليارات دولار)، أي نصف الرقم المسجل في العام السابق. وفي فبراير وحده، تم بيع ذهب وعملة اليوان بقيمة ثلاثة مليارات دولار من صندوق الثروة الوطني، أي بنحو 6% من أصول الصندوق.

إضعاف الروبل

قبل حرب أوكرانيا، كان صندوق الثروة الوطنية الروسي، يحتفظ بما يعادل ما يزيد قليلاً على ثمانية تريليونات روبل (96.3 مليار دولار)، حيث تم استخدام نصف هذا المبلغ، ومن المؤكد أن الحكومة لن تسمح باستنفاده بالكامل، لكن التخلي عن «قاعدة الميزانية»، أو الإبقاء عليها اسمياً مع خفض سعر الحد الأدنى بشكل حاد، يعني إضعاف الروبل، وبعد فترة من الوقت، إثارة موجة تضخمية.

ولهذا السبب، كان من المفترض أن السلطات لن تلغي القاعدة إلا بحلول الخريف، عندما يتقلّص صندوق الثروة الوطنية بمقدار النصف مرة أخرى، ما يجعل أي تأخير إضافي مستحيلاً.

غير أن الرئيس الروسي، قرر فجأة عدم تأجيل تجميد القاعدة، مع انخفاض مبيعات الاحتياطي بشكل حاد. وعندما تتم إعادة العمل بالقاعدة، من المرجح أن تتم إعادة صياغتها، ما يكفي لتقليل الحاجة إلى السحب من الاحتياطي إلى أدنى حد ممكن.

للوهلة الأولى، تبدو الإجراءات الحكومية غريبة، لاسيما أن أسعار النفط ارتفعت بشكل كبير منذ حرب إيران، لكن نظرة فاحصة تكشف عن عمق الأزمة المالية في روسيا لدرجة أن جهود موسكو تبدو ضئيلة ومتأخرة للغاية.

عندما صدرت الميزانية الفيدرالية لعام 2025 بعجز قياسي لكنه ليس استثنائياً بلغ 5.6 تريليونات روبل (67 مليار دولار)، أو 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي، لم تكن الصورة سيئة كما كان متوقعاً.

ويقول مراقبون ومحللون، إن الأرقام الصادرة عن وزارة المالية الروسية ليست دقيقة، فقد تبيّن أن العجز في الميزانية الموحدة، وهو مجموع عجز الميزانية الاتحادية مع ميزانيات الصناديق الحكومية غير المدرجة في الميزانية وميزانيات الحكومات الإقليمية، قفز في عام 2025 من 1.7% من الناتج المحلي الإجمالي إلى 3.9%.

صعوبات غير مسبوقة

تكبدت المناطق عجزاً أكبر، وتحوّلت الصناديق خارج الميزانية، التي تمول المعاشات التقاعدية والرعاية الصحية، من فائض إلى عجز.

ولم تعد التحويلات الفيدرالية، التي كانت تغطي في السابق خُمس الإنفاق الإقليمي، تغطي الآن سوى نحو 15%.

في العام الماضي، كما اتضح الآن، واجهت المالية العامة الروسية صعوبات غير مسبوقة للمرة الأولى منذ بدء حرب أوكرانيا، فما الذي ينبغي توقعه هذا العام إذاً؟

تشير الأرقام الخاصة، أوائل عام 2026، إلى أن الوضع يزداد صعوبة، ففي يناير وفبراير الماضيين، بلغ إجمالي الإيرادات الفيدرالية 4.8 تريليونات روبل (55.8 مليار دولار)، بينما وصل الإنفاق إلى 8.2 تريليونات روبل (95.36 مليار دولار). ويقترب العجز الناتج بالفعل من الهدف السنوي البالغ 3.8 تريليونات روبل (44.2 مليار دولار).

مقارنة بالعام السابق، انخفضت الإيرادات بشكل حاد، في حين استمر الإنفاق في الارتفاع. حتى بعد احتساب التضخم، لم تحرز الحكومة الروسية سوى تقدم محدود في كبح الإنفاق. وتكمن المشكلة الحقيقية في الإيرادات، حيث انخفضت عائدات النفط والغاز بشكل حاد، لكن هذا الضعف يتجاوز قطاع الطاقة، فالإيرادات غير النفطية تكاد لا تنمو، بل إنها تتراجع بالقيمة الحقيقية.

موارد كافية

ربما يكون عجز آلية روسيا عن استخراج موارد كافية من القطاعات الأخرى، أكثر أهمية من بيع النفط بأسعار رخيصة. ولم يعد النفط يُمثّل نصف إيرادات الميزانية الروسية. وفي عام 2025، شكّلت إيرادات النفط والغاز، البالغة 8.5 تريليونات روبل (102 مليار دولار)، 23% فقط من الإيرادات الفيدرالية. وفي عام 2026، كان من المفترض أن تستمر حصتها في الانخفاض تدريجياً إلى 22%، حتى مع ارتفاع حجمها الاسمي بشكل طفيف.

في الواقع، بلغت حصة إيرادات النفط والغاز 17% من إجمالي الإيرادات خلال أول شهرين من عام 2026، وبالنسبة للعام بأكمله، يتوقع وزير المالية، أنطون سيلوانوف، بالفعل أن تقل عن 20%.

بفضل ارتفاع أسعار النفط، من غير المرجح أن يتحقق السيناريو الأسوأ بالنسبة لروسيا، لكن العجز سيستمر حتماً في الارتفاع، بسبب النقص في الإيرادات غير النفطية والغازية. وبالنظر إلى أول شهرين من هذا العام، سيبلغ ذلك نحو 1.5 تريليون روبل (17.4 مليار دولار). وحتى لو ارتفع هذا الرقم، فقد تجاوز الإنفاق على حرب أوكرانيا توقعات كل عام منذ بدء الحرب في عام 2022. عن «موسكو تايمز»

ارتفاع كُلفة المعيشة

بحلول أوائل مارس الجاري، كان معدل نمو المعروض النقدي الروسي، قد تجاوز بالفعل قليلاً ما كان عليه في عام 2025، لكن التضخم يستغرق وقتاً حتى يتسارع. ومع ذلك، فإن معظم الروس لا يتفقون بالفعل، مع الادعاء بأن الأسعار قد استقرت.

ولاحظت معظم الأسر الروسية أن سلة مشترياتها تزداد كُلفة بشكل مطرد مع ارتفاع كُلفة المعيشة، في حين تتراجع جودتها وتنوعها.

وقد تبدو أسعار الأجهزة الإلكترونية المستوردة مستقرة، لكن فقط إلى أن يضعف الروبل.

أما بالنسبة للمرافق العامة، فقد ارتفعت الفواتير بشكل حاد في يناير الماضي، على الرغم من التأكيدات الرسمية التي تنفي ذلك. وسيستمر هذا التناقض حتى أكتوبر، عندما يتم رفع الرسوم والضرائب رسمياً مرة أخرى.

كما أن رفع الضرائب والرسوم أمر لا مفر منه، وفي الوقت الحالي، قرر المسؤولون الروس تسريع وتيرة رفع الضرائب غير المباشرة على التبغ والمشروبات الغازية، لكن هذه ليست سوى البداية.

كما تتزايد التخفيضات في الإنفاق الذي تمت الموافقة عليه بالفعل، باستثناء الإنفاق العسكري، بطبيعة الحال.

وعموماً، من المرجح أن يؤدي ذلك إلى إبطاء نمو الإنفاق الفيدرالي، من دون أن يوقفه.

. موسكو بدأت دورة جديدة من التخفيضات المحدودة في الميزانية، والحفاظ بشكل أكثر صرامة على الاحتياطات المتضائلة.

. الحكومة جمّدت «قاعدة الميزانية» المصممة لتثبيت سعر الروبل وحماية الميزانية الفيدرالية بغض النظر عن تقلبات أسعار النفط.

الأكثر مشاركة