إغلاق طرق شحن النفط الحيوية يدفع دولاً آسيوية إلى التقشف

على بعد آلاف الأميال من الحرب في الشرق الأوسط، تتلقى الاقتصادات الآسيوية الناشئة ضربات من نوع آخر، حيث يهدد نقص الوقود بخنق المنطقة التي تُعد محركاً رئيساً للنمو العالمي.

وتعتمد الدول الآسيوية بشكل كبير على النفط المتدفق من الشرق الأوسط عبر مضيق هرمز، وهو ممر استراتيجي حيوي يمر عبره نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً.

وكان أكثر من 80% من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال الذي يمر عبر المضيق متجهاً إلى آسيا في عام 2024. ووفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية، ذهب ما يقرب من 70% من ذلك إلى الهند واليابان والصين وكوريا الجنوبية.

ومع انقطاع الإمدادات بشكل مفاجئ، يشعر السكان والشركات في جميع أنحاء آسيا بوطأة الأزمة، بدءاً من أصحاب المطاعم في الهند إلى سائقي سيارات الأجرة في الفلبين وسريلانكا، بينما تسعى الحكومات جاهدة للتخفيف من الأضرار حتى إن بعض الدول بدأت اتخاذ إجراءات تقشفية.

«القوة القاهرة»

وأفاد محللون بأن الدول المستوردة للنفط، مثل الهند وبنغلاديش وميانمار وتايلاند والفلبين تتضرر بشكل خاص.

وقال كبير محللي سوق النفط في شركة «سبارتا كوموديتيز» في سنغافورة، جون غوه: «من المؤكد أن الناتج المحلي الإجمالي للاقتصادات الآسيوية سيتأثر»، مضيفاً: «سنشهد معاناة كبيرة في منطقتنا لمدة لا تقل عن بضعة أشهر. استعدوا لفرض بعض القيود».

ومن سنغافورة وإندونيسيا إلى الصين، تلجأ شركات الصناعات النفطية والتكرير الآسيوية إلى ما يُعرف بـ«بند القوة القاهرة» للتعامل مع التزاماتها التعاقدية في ظل نقص إمدادات النفط.

وأوضح غوه أنه «إذا لم يستأنف تدفق النفط الخام، فقد تنهار سلسلة التوريد بأكملها في آسيا. وحتى إذا عادت الإمدادات، فقد يستغرق الأمر أشهراً حتى تتعافى الصناعة».

وأضاف: «في غضون ذلك، يتعين على الجميع التعامل مع المواقف وتجاوز هذه الأزمة».

الطاقة المتجددة

وتعد الصين أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، لكنها تلبي نصف احتياجاتها من الطاقة (50%) من الفحم، ولا تعتمد على النفط إلا بنسبة 17% فقط.

وبحسب محللين، فإن التوسع السريع الذي شهدته الصين في السنوات الأخيرة في مجال موارد الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية، قد قلل من مدى تعرضها للمخاطر بشكل أكبر.

وقال كبير الاقتصاديين المعنيين بالصين في مجموعة «ماكواري» في هونغ كونغ، لاري هو: «تُعد صناعات الطاقة الجديدة في الصين وسيلة جيدة للتحوط ضد صدمة النفط».

كما تمتلك الصين احتياطياً استراتيجياً كبيراً من النفط يُقدر بأنه يكفي لمدة أربعة أشهر تقريباً، وتهدف إلى زيادة هذا الاحتياطي خلال خطتها الاقتصادية الجديدة، لكن الاقتصادات الآسيوية الأخرى أكثر عرضة للخطر بكثير.

غاز الطهي

وفي الهند، أجبر النقص المفاجئ في غاز الطهي، مطاعم وفنادق على الإغلاق، ما يكشف عن اعتماد البلاد الشديد على الواردات، ويثير القلق بشأن اضطرابات أوسع نطاقاً.

وفي غضون ذلك، انتشرت موجة الشراء بدافع الذعر في مدن هندية عدة، حيث تشكلت طوابير طويلة خارج موزعي الغاز الطبيعي.

وذهبت بعض المطاعم إلى حد حذف أصناف من قائمة الطعام تتطلب وقتاً أطول للطهي. وتستورد الهند نحو 60% من الغاز المسال، 90% من تلك الشحنات يمر عبر مضيق هرمز.

ومع تزايد ضيق الإمدادات، أمرت وزارة النفط الهندية المصافي في الثامن من مارس الجاري بزيادة إنتاج الغاز المسال إلى أقصى حد لتلبية الاستهلاك المنزلي، ما أدى إلى رفع الإنتاج المحلي بنحو 25%.

وتُعطى الأولوية للإمدادات التجارية المحدودة للقطاعات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية والتعليم، ما يترك العديد من الشركات في حالة من الارتباك.

إغلاقات

وقال صاحب أحد المطاعم، تشاندا مورثي، الذي اضطر إلى إغلاق مطعمه في مدينة بنغالورو الهندية بعد استنفاد آخر أسطوانة غاز لديه: «لقد كنت أتصل بموردي الغاز في المنطقة خلال الأيام الثلاثة الماضية. لا يوجد أي شيء متاح»، معرباً عن قلقه من أنه إذا لم يتمكن من الحصول على الغاز الذي يحتاجه لإعادة فتح مطعمه، فسيواجه صعوبة في دفع الإيجار ورواتب موظفيه الثمانية.

وأضاف: «أنا في حيرة من أمري لأن الحكومة لم تكن مستعدة على الإطلاق. هذه حالة أزمة، ولا أعرف كيف سنصمد إذا استمرت لفترة أطول».

وحدثت أزمات مماثلة في جميع أنحاء الهند، حسبما تقول مجموعات صناعية، ففي مومباي مثلاً أغلقت نحو 20% من الفنادق والمطاعم أبوابها أو قلصت عملياتها. ويقول مانبريت سينغ من الرابطة الوطنية للمطاعم في الهند، التي تمثل نحو نصف مليون مطعم على مستوى البلاد: «المطاعم ببساطة لا تستطيع العمل».

إجراءات صارمة

تتخذ الحكومات الآسيوية مجموعة متنوعة من الإجراءات للتخفيف من حدة صدمة النفط، وبعضها صارم للغاية، فقد فرضت كوريا الجنوبية سقفاً مؤقتاً لأسعار الوقود المحلية، في أول إجراء من نوعه منذ عام 1997، لمواجهة الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة، بينما يجري حالياً توزيع الوقود بنظام الحصص في بنغلاديش وميانمار.

وللحد من استهلاك الطاقة، فرضت فيتنام وتايلاند سياسات العمل من المنزل، بل إن بانكوك حثت الموظفين الحكوميين على تجنب استخدام المصاعد واستخدام السلالم بدلاً منها، فيما أغلقت باكستان المدارس وطلبت من الجامعات الانتقال إلى التعليم عبر الإنترنت.

وأما الفلبين فستطبق أسبوع عمل من أربعة أيام للموظفين الحكوميين. كما طلب الرئيس فرديناند ماركوس الابن من الكونغرس تفويضاً لتخفيض الضرائب غير المباشرة على المنتجات البترولية مؤقتاً إذا استمرت أسعار النفط العالمية في الارتفاع.

وقال ماركوس للصحافيين، الأسبوع الماضي: «عندما يتجاوز سعر النفط 80 دولاراً للبرميل في المتوسط لمدة شهر، يمكن عندئذ ممارسة الصلاحيات الطارئة».

اضطرابات

ومع استيراد الفلبين نحو 95% من احتياجاتها من النفط، فإن ذلك يجعلها معرضة بشدة لاضطرابات الإمدادات العالمية وتقلبات الأسعار. لكن ماركوس، أكد أن البلاد تمتلك ما يكفي من الوقود في الوقت الحالي، بينما بدأ مشغلو وسائل النقل يشعرون بضغوط الأزمة.

وقال سائق حافلة نقل عام صغيرة في مقاطعة كافيت، جنوب مانيلا، أورييل باتاكلان: «لاتزال أسعار التذاكر كما هي، لكن بالطبع أرباحنا أقل لأن سعر الديزل مرتفع».

وللتخفيف من تأثير ذلك على العاملين في قطاع النقل، أعلنت الحكومة عن دعم للوقود بقيمة 5000 بيزو فلبيني (نحو 84 دولاراً) لسائقي المركبات العامة، لكن باتاكلان غير متأكد من موعد وصول هذا الدعم. عن «كريستيان ساينس مونيتور»

احتياطيات ضخمة

من بين الدول الآسيوية المستوردة للوقود، تتمتع بعض الدول بوضع أفضل من غيرها لمواجهة صدمة النفط، فاليابان تعتمد على النفط الخام المستورد من الخليج لتغطية أكثر من 90% من احتياجاتها، لكنها تمتلك احتياطيات نفطية ضخمة خاصة وحكومية يمكن أن تدوم لمدة تقدر بثمانية أشهر.

وأعلنت رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، أن بعض هذه الاحتياطيات النفطية، التي تكفي لنحو 45 يوماً، ستدخل الخدمة اعتباراً من هذا الأسبوع.

وكانت اليابان أنشأت نظام احتياطياتها في أعقاب أزمة النفط عام 1973 واستعانت به مرات عدة، لكن من المتوقع أن يكون استخدام الاحتياطيات هو الأكبر على الإطلاق بنحو 80 مليون برميل، وفقاً لصحيفة «نيكاي آسيا».

. شركات الصناعات النفطية والتكرير الآسيوية تلجأ إلى «القوة القاهرة» للتعامل مع التزاماتها التعاقدية في ظل نقص الإمدادات.

. كوريا الجنوبية فرضت سقفاً لأسعار الوقود لمواجهة الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة، بينما بدأت بنغلاديش وميانمار توزيع الوقود بنظام الحصص.

الأكثر مشاركة