آسيا قد تواجه «الاختبار الأخطر» لأمنها «الطاقي» بسبب مضيق هرمز
إذا ظل مضيق هرمز مهدداً ومقيداً بسبب الحرب، فستواجه آسيا أخطر اختبار لأمنها «الطاقي» منذ الحظر النفطي عام 1973. وعلى مدى عقود، أدرك صانعو السياسات هذا الضعف، لكن قلة منهم اعتقدوا أنه سيتحقق على هذا النطاق المُدمر.
وتصاعدت مخاطر الأزمة الحالية بشكل كبير في 28 فبراير الماضي، عندما قتلت عملية عسكرية مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وأحدثت الضربات الموجهة رداً انتقامياً.
وقد امتدت المواجهة الناتجة عن ذلك إلى مضيق هرمز، وحوّلت هذا الممر الاستراتيجي إلى مسرح حرب نشط، وموقع نفوذ جيوسياسي. وحوّل التحذير لسفن الشحن التي تحاول عبور المضيق، الأزمة من خطر مجرد إلى تهديد عملي.
وما لا جدال فيه هو ما يكشفه هذا التهديد من مخاطر هيكلية، لاسيما بالنسبة لآسيا.
ويمر نحو 20% من النفط العالمي، وحصة مماثلة من الغاز الطبيعي المسال المنقول بحراً، عبر الممر الضيق بين إيران وعمان.
وفي عام 2025، مر عبر هذا الممر المائي نحو 20 مليون برميل يومياً، أي ما يقرب من 600 مليار دولار من تجارة الطاقة السنوية. ويمر عبره نحو 3000 سفينة كل شهر.
ويبلغ عرض مضيق هرمز في أضيق نقطة له نحو 33 كيلومتراً. وتقع الممرات الملاحية الرئيسة داخل المياه الإقليمية لإيران وعمان. والممر عميق بما يكفي لسفن نقل النفط الخام الضخمة المحملة بالكامل، ما يجعله ضرورياً لمصدري المنطقة.
وحتى في حالة عدم وجود حصار رسمي، يمكن أن تجعل ضربات الطائرات بدون طيار، والتهديدات الصاروخية، والمضايقات البحرية، العبور أمراً مستحيلاً من الناحية التجارية. واستجابت أسواق التأمين بسرعة من خلال رفع أقساط التأمين، ما أدى إلى ارتفاع كلفة الشحن، وزيادة مخاطر التضخم في جميع أنحاء العالم.
تكاليف التأمين
تشير التقارير إلى أن حركة المرور قد تراجعت بالفعل، حيث توقفت عشرات الناقلات بالقرب من المضيق. وارتفعت أسعار استئجار الناقلات العملاقة على طرق الخليج إلى آسيا. ولا يلزم إغلاق الممر فعلياً لتعطيله اقتصادياً. وفي أسواق الطاقة الحديثة، يمكن لتكاليف التأمين العالية أن تغلق مضيقاً بسرعة.
ويُوجه معظم النفط الخام الذي يمر عبر «هرمز» إلى آسيا. وفي السنوات الأخيرة، تدفق ما يقرب من أربعة أخماس النفط من المضيق نحو الشرق. وتستحوذ الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية على معظم هذه الواردات.
وتشتري الصين معظم صادرات إيران البالغة 1.7 مليون برميل يومياً، وتعتمد بشكل كبير على موردين إضافيين من الخليج، تمر شحناتهم أيضاً عبر مضيق هرمز.
وتستورد اليابان وكوريا الجنوبية أكثر من 80% من احتياجاتها من الطاقة، وتواجه تايوان وسنغافورة مخاطر هيكلية مماثلة. ومع ذلك، فقد اتخذت الصين بعض الإجراءات، فقامت بكين بتوسيع احتياطاتها الاستراتيجية من النفط على مدى العقد الماضي تحديداً لتخفيف الصدمات الخارجية، وزادت وارداتها من النفط الخام بأسعار مخفضة من روسيا منذ عام 2022 كوسيلة تحوط جزئية ضد اضطرابات الملاحة البحرية. ومع ذلك، لا يُعوّض أيٌ من الآليتين الاعتماد على الخليج بشكل كامل.
تكامل الإمدادات
ولا يمكن للإمدادات الروسية أن تحل محل كميات مضيق هرمز على نطاق واسع، ولا يوفر سحب الاحتياطيات سوى راحة مؤقتة. كما تلقي الأزمة بظلال من عدم اليقين على طموحات بكين الأوسع نطاقاً، فقد صُممت ممرات الطاقة التي تمكّنها مبادرة «الحزام والطريق» عبر غرب آسيا لتعميق تكامل الإمدادات، وليس للعمل في خضم مواجهة عسكرية.
علاوة على ذلك، تعتمد الجهود الرامية إلى توسيع تجارة النفط، المقومة بالعملة الصينية، على تدفقات شحن يمكن التنبؤ بها. وتؤكد الاضطرابات المطولة حقيقة سعت بكين منذ فترة طويلة إلى التخفيف من حدتها، وهي أن أمن الطاقة في الصين لايزال مرتبطاً بممرات بحرية متنازع عليها خارج نطاق سيطرتها المباشرة. ورغم تقلب أسواق النفط، فإنها تتمتع ببعض الحواجز الوقائية. فمن الممكن في نهاية المطاف إعادة توجيه الشحنات وزيادة الإنتاج تدريجياً في أماكن أخرى. أما أسواق الغاز، فهي أكثر تقلباً وأقل مرونة.
ويمر نحو خمس التجارة العالمية للغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز. وتعتمد قطر، التي تعد مورداً أساسياً لكل من آسيا وأوروبا، على هذه الطرق. وتتميز البنية التحتية للغاز الطبيعي المسال بالصلابة، فقدرة التسييل ثابتة، والعقود محددة الوجهة، والكميات الاحتياطية محدودة، كما أن احتياطيات التخزين ضئيلة.
وإذا تأخرت شحنات الغاز أو تعرضت لقيود، فسيتنافس المشترون الآسيويون مباشرة مع أوروبا للحصول على إمدادات بديلة، كما يترتب على ذلك ارتفاعات في الأسعار، وسترتفع تكاليف الكهرباء والإنتاج الصناعي وإنتاج الأسمدة بسرعة.
ويؤثر ارتفاع أسعار النفط بشكل أساسي على تكاليف النقل، بينما يؤثر ارتفاع أسعار الغاز على الاقتصاد العالمي بأسره. وقد أدى شبح استمرار ارتفاع أسعار الطاقة إلى إحياء المخاوف من التضخم. فعادة ما يؤدي ارتفاع سعر النفط الخام بمقدار 10 دولارات إلى زيادة التضخم العام بأعشار عدة من النقطة المئوية.
توسيع نطاق التأثير
يؤثر ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال على توليد الطاقة وإنتاج الغذاء، ما يوسع نطاق التأثير. وستواجه البنوك المركزية في جميع أنحاء آسيا، التي استعادت أخيراً السيطرة الجزئية على التضخم، الاختيار بين استقرار الأسعار ودعم النمو. وتعتبر الاقتصادات الآسيوية الناشئة معرّضة بشكل خاص للخطر، حيث يطبق العديد منها أنظمة دعم الوقود. وسيؤدي ارتفاع تكاليف الاستيراد إلى الضغط على الأرصدة المالية في جميع أنحاء المنطقة، وإذا أدى الخطر الجيوسياسي إلى تعزيز الدولار الأميركي، فسيتفاقم التضخم المستورد.
وأظهرت سبعينات القرن الماضي كيف يمكن لاضطرابات الطاقة أن تعيد تشكيل المسارات الاقتصادية. والسؤال الآن هو ما إذا كانت الاقتصادات الآسيوية، الأكثر تنوعاً وتقدماً من الناحية التكنولوجية، يمكنها تجنب ديناميكية مماثلة أم أن الاعتماد على الطاقة سيظل القيد الحاسم.
ومع ذلك، فإن الإغلاق الكامل والمستمر للمضيق سيكون صعباً ومكلفاً. وخلال «حرب الناقلات» في الثمانينات، دفعت الهجمات على السفن البحرية الولايات المتحدة إلى إرسال حراسة بحرية، وإجراء عمليات أمنية بحرية واسعة النطاق، واستؤنفت حركة المرور في نهاية المطاف.
علاوة على ذلك، صدّرت إيران نفسها ما يقرب من 67 مليار دولار من النفط، العام الماضي، ما يعني أن الإغلاق المطول سيؤدي أيضاً إلى تقلص إيراداتها. وهذا يجعل التعطيل المتقطع أكثر احتمالاً من الحصار الدائم، ولكن التعطيل المتقطع قد يكون كافياً لزعزعة استقرار الأسواق. وتم تطوير خطوط أنابيب جانبية إلى البحر الأحمر وخليج عمان. وتوفر هذه الطرق راحة جزئية، ولكنها لا يمكن أن تعوض تماماً عن تدفقات مضيق هرمز. عن «أيجا تايمز»
مرونة أميركية
تحتفظ الولايات المتحدة بمرونتها الاستراتيجية، بفضل إنتاجها المحلي من النفط الصخري، وصادراتها من الغاز الطبيعي المسال، لكن آسيا لا تتمتع بالمرونة نفسها، فقد كان النمو الاقتصادي في المنطقة مدفوعاً بالنفط المستورد. وفي عصر يتسم بتصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين، وتفكك التحالفات الجيوسياسية، تكتسب هذه الاعتمادية أهمية استراتيجية جديدة.
وإذا استمرت الأزمة الحالية، فلن تكون مجرد ارتفاع دوري آخر في أسعار السلع الأساسية، بل ستكشف عن الأسس الهيكلية لنموذج النمو الآسيوي بعد الحرب الباردة والمخاطر الجيوسياسية الكامنة فيه، وقد يتبين أن استقلالية آسيا الاستراتيجية أضيق مما يوحي به نفوذها الاقتصادي.
. الاقتصادات الآسيوية الناشئة معرّضة بشكل خاص للخطر، حيث يُطبّق العديد منها أنظمة دعم الوقود، وسيؤدي ارتفاع التكاليف إلى الضغط على الأرصدة المالية.
. تستورد اليابان وكوريا الجنوبية أكثر من 80% من احتياجاتها من الطاقة، وتواجه تايوان وسنغافورة مخاطر هيكلية مماثلة.