حرب إيران تختبر تماسك «الناتو» في ظل اختلاف الأولويات بين واشنطن وأوروبا
على مدى أربعة عقود، ظلّت قوة حلف شمال الأطلسي (الناتو) قائمة على تماسكه الداخلي، وقدرته على توحيد مواقف الدول الأعضاء حول الأهداف الاستراتيجية التي يسعى لتحقيقها.
وكان الافتراض السائد طوال تلك السنوات أن الولايات المتحدة، بوصفها القوة الأكبر والأكثر تأثيراً داخل الحلف، عندما تعلن وجود تهديد استراتيجي يطال أمن الحلف أو أعضائه، فإن الدول الأوروبية الحليفة تصطف بسرعة خلف الموقف الأميركي وتدعمه. غير أن الحرب الإيرانية تبدو وكأنها تمثل اختباراً حقيقياً لهذه الفرضية التي طالما اعتُبرت أساساً لصلابة التحالف وتلاحمه.
ورغم أن البنية العسكرية لـ«الناتو» لاتزال قائمة كما كانت من قبل، ولم يطرأ عليها تغيير جوهري، فإن الإجماع السياسي الذي كان يشكل الدعامة الأساسية للحلف بدأ يُظهر علامات تآكل واضحة، فالولايات المتحدة ترى في إيران تهديداً استراتيجياً يتطلب تعاملاً حاسماً وصارماً، بينما ينظر العديد من الحكومات الأوروبية إلى الأمر من زاوية مختلفة. فبالنسبة لهذه الدول، لاتزال روسيا تمثل الخطر الأكثر إلحاحاً، كما أن اهتمامها يتركز بدرجة كبيرة على أمن القارة الأوروبية والتداعيات المحتملة للصراعات طويلة الأمد في الشرق الأوسط.
التماسك السياسي
وفي العاصمة البلجيكية بروكسل، حيث يقع المقر الرئيس للحلف، لا تشير الأجواء العامة إلى أن «الناتو» يتجه نحو الانهيار أو التفكك. فمازالت الهياكل العسكرية للحلف تعمل بكفاءة كما اعتادت دائماً، كما أن منظومات الردع التابعة له لاتزال فاعلة. كذلك لم يبدِ أي عضو في الحلف رغبة في التشكيك بالمادة الخامسة من ميثاقه، وهي المادة التي تنص على مبدأ الدفاع الجماعي، أي التزام جميع الأعضاء بالدفاع عن أي دولة عضو تتعرض لاعتداء.
ومع ذلك، يبدو أن المناخ السياسي داخل الحلف قد تغيّر بدرجة ملحوظة، وأصبحت اللغة المستخدمة في النقاشات أكثر حدّة مما كانت عليه في السابق. كما أن مستوى الثقة المتبادلة لم يعد كما كان، وبدأت الأسئلة القديمة المتعلقة بالسيادة والاستقلالية والولاء الاستراتيجي تعود إلى الواجهة مجدداً، لتتصدر عناوين النقاش السياسي والإعلامي.
وفي الواقع، لم تؤدِّ حرب إيران إلى تفكك التحالف الأطلسي، لكنها كشفت عن حجم التحديات التي تواجه إجماعه وتماسكه السياسي. فهذا الإجماع والتماسك كان قد تعرّض بالفعل لسلسلة من الاختبارات أخيراً، سواء في سياق الحرب في أوكرانيا، أو بسبب الخطاب الحاد الذي تبنته واشنطن مع رئاسة دونالد ترامب، إضافة إلى الصعوبات المستمرة التي تواجهها أوروبا في تحويل التزاماتها السياسية إلى قدرات عسكرية ملموسة.
تهديدات وأولويات
يعود أحد أهم أسباب الخلاف داخل الحلف إلى اختلاف القراءة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية. فبالنسبة لترامب وعدد من المسؤولين في إدارته، تمثل إيران تحدياً استراتيجياً بعيد المدى، ليس فقط لأنها تهدد أمن إسرائيل، بل أيضاً بسبب سعيها المحتمل لامتلاك سلاح نووي خلال المدى المتوسط. ومن هذا المنطلق، يرى صانعو القرار في واشنطن أن سياسة الردع الصارمة ضرورية للغاية، وأن أي تردد في مواجهة طهران قد يُفسَّر على أنه علامة ضعف، وهو منطق ينسجم مع التوجه التقليدي في التفكير الاستراتيجي الأميركي الذي يميل إلى استخدام القوة لإدارة التهديدات.
في المقابل، يتبنى العديد من الدول الأوروبية رؤية مختلفة إلى حد ما. فروسيا، من وجهة نظر هذه الدول، تظل التهديد الأكثر قرباً جغرافياً، والأكثر إلحاحاً من الناحية الأمنية، لاسيما في ظل الحرب المستمرة في أوكرانيا. كما أن الأوروبيين منشغلون بمجموعة من التحديات الأخرى، مثل الحروب الهجينة التي تشمل الهجمات السيبرانية، ومشكلات أمن الطاقة، والضغوط الناتجة عن تدفقات اللاجئين، إضافة إلى الحفاظ على تماسك المجتمعات الأوروبية في مواجهة هذه الأزمات.
ولا يعني هذا التباين في الرؤى أن الأوروبيين يتعاملون بسذاجة مع المخاطر، أو أن الأميركيين يتصرفون بتهور، بل يعكس ببساطة اختلاف الحقائق الجيوسياسية التي تواجه كل طرف. غير أن اختلاف تقدير طبيعة التهديدات داخل أي تحالف يؤدي غالباً إلى احتكاكات بين أعضائه، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتحالف واسع يضم 32 دولة تواجه بيئات أمنية متباينة.
الحذر الأوروبي
كانت إسبانيا من بين الدول الأوروبية الأكثر انتقاداً للحرب. فقد حذّرت الحكومة الإسبانية بقيادة بيدرو سانشيز من أن التصعيد العسكري قد يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار في المنطقة، وأكدت رفضها السماح باستخدام الأراضي الإسبانية لتنفيذ عمليات هجومية مرتبطة بالحرب.
أما فرنسا، فقد اتخذت موقفاً أكثر توازناً، حيث عبّرت عن قلقها من تداعيات الصراع، وفي الوقت ذاته شددت على أهمية إبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة، مؤكدة تمسكها بمفهوم الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي.
من جانبها، دعت كندا أيضاً إلى التحلي بالحكمة واحترام قواعد الشرعية الدولية.
ومع ذلك، لم تصل أي من هذه المواقف إلى حد التشكيك في التزامات الدفاع الجماعي داخل «الناتو»، أو الدعوة إلى الانفصال عن واشنطن، لكن هذه المواقف تشير بوضوح إلى نمط أوسع، مفاده أن التضامن داخل الحلف لا يعني بالضرورة تأييد كل قرار استراتيجي تتخذه الولايات المتحدة.
وفي الحقيقة، فإن هذا النوع من التوتر ليس جديداً تماماً، فهو يعيد إلى الأذهان أجواء مرحلة «معنا أو ضدنا» التي برزت خلال الحرب على الإرهاب بعد هجمات 11 سبتمبر، وهو نهج أدى آنذاك إلى تعقيد العلاقات داخل المعسكر الغربي، في وقت كانت فيه الصين تراقب بحذر الانقسامات داخل منافسها الاستراتيجي الأكبر.
ألمانيا وبريطانيا
اتخذ المستشار الألماني فريدريش ميرتس موقفاً أكثر وضوحاً في تأكيد التزام بلاده بالتحالف الأطلسي. فبرلين تدرك جيداً اعتمادها الهيكلي على المظلة الأمنية الأميركية، ولذلك ترى أن الدخول في مواجهة سياسية مباشرة مع واشنطن ليس خياراً حكيماً من الناحية الاستراتيجية. وقد جدد ميرتس تعهد بلاده بزيادة الإنفاق الدفاعي، وتعزيز التعاون عبر الأطلسي، بل لم يتردد في توجيه انتقادات للموقف الإسباني.
أما المملكة المتحدة، في ظل حكومة حزب العمال بقيادة كير ستارمر، فقد وجدت نفسها في موقف أكثر تعقيداً. فمن جهة، تعترف لندن بأن على أوروبا أن تتحمل نصيباً أكبر من أعباء الدفاع، وهو مطلب قديم للولايات المتحدة، ومن جهة أخرى، تحاول الحفاظ على توازن دقيق في تعاملها مع الأزمة.
فقد وافقت بريطانيا على بعض أشكال التعاون الدفاعي المحدود، لكنها لم تشارك في الضربات الأولية على إيران، وسعت في الوقت نفسه إلى الحفاظ على تماسك التحالف. وترى الحكومة البريطانية أن هذا النهج يعكس موقفاً متوازناً، إلا أن بعض الدوائر في البيت الأبيض قد تفسره على أنه تردد أو نقص في الحماس لدعم واشنطن.
توازن دقيق
على المستوى العسكري، يواصل «الناتو» أداء مهامه بصورة طبيعية، فأنظمة الدفاع الجوي في حالة تأهب دائم، وأجهزة الاستخبارات المشتركة تواصل نشاطها، كما تعمل هياكل القيادة والتحكم وفق الآليات المعتادة.
لكن التحالفات لا تقوم فقط على القدرات العسكرية والتقنية، بل تعتمد بدرجة كبيرة على الثقة السياسية المتبادلة بين أعضائها. وفي هذا السياق، أصبح من الواضح أن التداخل المتزايد بين الخلافات الاستراتيجية والضغوط الاقتصادية يمثل تطوراً لافتاً، حيث باتت التهديدات التجارية واستخدام النفوذ الاقتصادي أدوات متزايدة الحضور في النزاعات التي كانت تصنف تقليدياً ضمن المجال الأمني البحت.
وفي الوقت نفسه، تدرك الحكومات الأوروبية تأثير الرأي العام الداخلي، حيث لاتزال ذكريات حربي العراق وأفغانستان حاضرة بقوة في الوعي السياسي الأوروبي. ورغم أن «الناتو» يمثل إطاراً قوياً للدفاع الجماعي، فإن الحماس الشعبي والسياسي لخوض تدخل عسكري جديد، وربما طويل الأمد في الشرق الأوسط، يظل محدوداً للغاية.
ونتيجة لذلك، يظهر داخل الحلف نوع من التوازن الدقيق، تعاون عسكري وعملياتي مستمر، يقابله حذر سياسي واضح.
خافير فيللامور*
*صحافي ومحلل إسباني مقيم في بروكسل
عن «يوروبيان كونزيرفتف»
مجموعتان مختلفتان
قد يتطور حلف شمال الأطلسي (الناتو) تدريجياً إلى هيكل غير رسمي، يعمل بسرعتين مختلفتين في ظل الأحداث الأخيرة. فقد تختار مجموعة من الدول الأعضاء الاصطفاف بشكل وثيق مع الحملات العالمية التي تقودها الولايات المتحدة، بينما تفضل مجموعة أخرى التركيز على مهام الدفاع عن الأراضي الأوروبية والاستقرار الإقليمي.
ورغم أن جميع الدول ستظل ملتزمة رسمياً بالمادة الخامسة من ميثاق الحلف، التي تنص على مبدأ الدفاع الجماعي، فإن نطاق العمل السياسي المشترك قد يتقلص تدريجياً. وفي هذه الحالة قد يتحول «الناتو» من تحالف استراتيجي ذي رؤية عالمية موحدة إلى إطار للتعاون الانتقائي بين الدول الأعضاء. ولا يعني مثل هذا التحول بالضرورة نهاية الحلف، لكنه قد يمثل تغيراً عميقاً في طبيعته ودوره.
. رغم أن البنية العسكرية لـ«الناتو» لاتزال قائمة كما كانت من قبل، إلا أن الإجماع السياسي بدأ يُظهر علامات تآكل واضحة.