فكرة التحول المفاجئ نحو تطوير قدرات عسكرية أوروبية كافية تبدو أقرب إلى الخيال. أرشيفية

غياب التوافق وتضارب المصالح يعرقلان استقلال أوروبا الاستراتيجي

عاد الحديث عن الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي ليحتل مكانة بارزة من جديد في بروكسل وفي مختلف العواصم الأوروبية، بعد أن أصبح هذا المفهوم مطروحاً بشكل متكرر في النقاشات السياسية والأمنية.

ويجد القادة الأوروبيون أنفسهم اليوم، مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، واستمرار الشكوك حول مدى التزام الولايات المتحدة بحلف شمال الأطلسي (الناتو)، إضافة إلى الحرب في أوكرانيا، أمام حقيقة متجددة، مفادها أن الاعتماد المفرط على واشنطن في ضمان أمن أوروبا ينطوي على مشكلات عميقة، وأن الوقت قد حان لتحمل قدر أكبر من المسؤولية الذاتية في هذا المجال.

غير أن هذا الخطاب ليس جديداً تماماً، فقد تردد على مسامع الأوروبيين في مناسبات سابقة عدة، بدءاً من أزمة قناة السويس، مروراً بوصول ترامب إلى الرئاسة الأميركية في ولايته الأولى، حيث تحدث القادة الأوروبيون حينها أيضاً عن عزمهم رسم مسار مستقل عن الولايات المتحدة، إلا أن الواقع كان، في كل مرة، يفرض نفسه بقوة، ويحد من ترجمة هذه التصريحات إلى خطوات عملية.

المشكلة الأساسية

وتتمثل المشكلة الأساسية بوضوح، في افتقار أوروبا إلى ثلاثة عناصر حاسمة: الإرادة السياسية الموحدة، والقدرات الاقتصادية الكافية، والتلاحم الاستراتيجي اللازم للعمل كقوة جيوسياسية واحدة. فلايزال الاتحاد الأوروبي في جوهره تجمعاً لدول قومية متعددة، لكل منها تصورات مختلفة للتهديدات التي تواجهها، ومصالح اقتصادية متعارضة، ورؤى متباينة، بل ومتضادة أحياناً، بشأن كيفية التعامل مع العالم الخارجي، لذلك يصبح التوافق على فكرة كبرى، مثل الاعتماد الكامل على الذات في مجال الأمن والدفاع بعيداً عن الولايات المتحدة، أمراً بالغ الصعوبة.

وعند التعمق في العقبات الهيكلية التي تواجه هذا الطموح، تتضح التباينات بشكل أكبر. فألمانيا التي يقوم اقتصادها إلى حد بعيد على التصدير، تتردد في الدخول في صدام مباشر مع الصين أو روسيا، رغم أن الظروف الأخيرة دفعتها جزئياً إلى إعادة النظر في هذا التوجه.

أما فرنسا، فهي تنظر إلى نفسها باعتبارها قوة عالمية كبرى، ذات مصالح واسعة تمتد إلى إفريقيا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.

وفي المقابل، ترى بولندا ودول البلطيق أن أولوية أمنها المطلقة تكمن في احتواء روسيا، في حين تركز دول جنوب أوروبا على قضايا الهجرة واستقرار منطقة البحر المتوسط. وهذه التباينات ليست خلافات هامشية يمكن تجاوزها ببيانات صادرة عن بروكسل، وإنما هي اختلافات جوهرية في الرؤية والأولويات.

الإنفاق الدفاعي

إلى جانب ذلك، تبرز مسألة الإنفاق الدفاعي كإحدى أهم نقاط الضعف. فقد اعتادت الدول الأوروبية الأعضاء في «الناتو» لعقود طويلة على افتراض أنها ليست بحاجة إلى زيادة كبيرة في هذا الإنفاق، في ظل المظلة الأمنية والضمانات الأميركية. وقد أتاح لها ذلك بناء دول رعاية اجتماعية سخية، في الوقت الذي تُركت فيه جيوشها صغيرة الحجم ومحدودة الجاهزية.

ومن ثم، فإن فكرة التحول المفاجئ نحو تطوير قدرات عسكرية وصناعية كافية لتحقيق استقلال استراتيجي حقيقي تبدو أقرب إلى الخيال، لأنها تتطلب عقوداً من الاستثمارات الضخمة، ورأسمال سياسي كبير، وإعادة هيكلة اقتصادية عميقة.

وكشفت الحرب في أوكرانيا عن إمكانات الاتحاد الأوروبي وحدوده في آن واحد. فمن جهة، قدم الأوروبيون دعماً كبيراً لأوكرانيا على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية، لكن الحقيقة الجوهرية التي لا يمكن تجاهلها هي أن قدرة أوروبا تظل محدودة من دون الدعم الأميركي، سواء على صعيد الاستخبارات أو الخدمات اللوجستية أو حتى المظلة النووية الضمنية. ومع استمرار الحرب، بدأت مظاهر الوحدة الأوروبية تتعرض للتآكل، ما يعكس هشاشة التوافق الداخلي في الأزمات الممتدة.

شريك موثوق

ولا يعني هذا الواقع أن أوروبا فقدت أهميتها، أو أن العلاقة عبر الأطلسي أصبحت بلا قيمة، بل يعني ضرورة التحلي بالواقعية في فهم ما تعنيه الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية على أرض الواقع. فمن الطبيعي، ومن الضروري، أن تتحمل أوروبا مسؤولية كبرى في الدفاع عن نفسها، وأن تعمل على تطوير قدرات دفاعية أكثر قوة، وأن تسعى إلى تقليل اعتمادها على كل من واشنطن وبكين.

غير أن الفكرة القائلة إن أوروبا قادرة في الوقت الراهن على أن تكون قطباً مستقلاً في عالم متعدد الأقطاب، وأن تمارس نفوذاً عالمياً واسعاً، وتحمي نفسها بالكامل من دون مشاركة أميركية، تظل في معظمها طموحاً لم يتحقق بعد، ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت أوروبا قادرة على تحقيق استقلال استراتيجي شامل، لأنها في الواقع غير قادرة على ذلك في المستقبل المنظور، بل ما إذا كان بإمكانها تطوير قدرات كافية تجعلها شريكاً موثوقاً وأكثر مصداقية وأقل هشاشة، وهو هدف أكثر تواضعاً، لكنه أكثر واقعية وقابلية للتحقيق.

أما بالنسبة لواشنطن، فإن دلالات هذه المعادلة واضحة، فدفع أوروبا نحو مزيد من الاعتماد على الذات يعد توجهاً منطقياً، لكن انتظار حدوث معجزات في هذا المسار ليس كذلك. ولاتزال المصالح الأميركية تقتضي وجود أوروبا مزدهرة ومستقرة، حتى وإن بقيت معتمدة على القوة الأميركية لتوفير الضمانات الأمنية النهائية.

وتتطلب إدارة هذه العلاقة الاعتراف بالواقع كما هو، دون الوقوع في فخ الوصاية المفرطة من جهة، أو التخلي غير المسؤول من جهة أخرى، مع تجنب اللوم المتبادل والمبالغة في التوقعات، أما البديل عن ذلك، فهو الدخول في حلقة مفرغة من اللوم الأميركي والسخط الأوروبي، حيث يرفض كل طرف الاعتراف بالاختلالات البنيوية التي تحكم العلاقة عبر الأطلسي، وهو مسار لا يخدم مصالح أي من الطرفين.

ليون هدار*

*صحافي أميركي ومحلل للشؤون الدولية

عن «أيجا تايمز»

. أوروبا تفتقر إلى الإرادة السياسية الموحدة والقدرات الاقتصادية الكافية والتلاحم الاستراتيجي للعمل كقوة جيوسياسية واحدة.

. الإنفاق الدفاعي أصبح نقطة ضعف، بعد أن اعتبرت الدول الأوروبية الأعضاء في «الناتو» أنها ليست بحاجة إلى زيادته تحت المظلة الأميركية.

الأكثر مشاركة