التعديلات الجمركية الصينية تستهدف تحصين الصناعة ومواجهة التوترات التجارية مع أميركا
يمثل إعلان بكين في 29 ديسمبر الماضي عن خطة تعديلات في التعرفة الجمركية في عام 2026، نافذة واضحة إلى أولويات خطتها الخمسية الـ15.
ومع بداية هذه الخطة في الأول من يناير الجاري، عملت الصين على تقليص التعرفة الجمركية على 935 سلعة إلى مستويات أدنى من معدلات برنامج الدولة الأكثر تفضيلاً. وعلى الرغم من أن هذه الخطوات يتم تصويرها غالباً على أنها تحديثات إدارية فنية، إلا أن التركيب المحدد لهذه القائمة يشير إلى إعادة تقييم استراتيجية أعمق.
ولا تتبع بكين سياسة واسعة لتحرير التجارة، بل إنها تنفذ توجهاً يهدف إلى تأمين المدخلات الأساسية اللازمة للاكتفاء الذاتي الصناعي، ويعد توقيت هذا التعديل مهماً. وتأتي بعد قمة أكتوبر في «بوسان» بكوريا الجنوبية، بين الرئيسين الصيني شي جينبينغ، والأميركي دونالد ترامب، التي أسست لاستقرار هش في العلاقات الثنائية.
ومن خلال تقليل الحواجز على مكونات التكنولوجيا المتطورة للغاية، والمواد المتطورة الآن، تعمل الصين على تحصين قاعدتها الصناعية قبل أي تغيرات في المناخ الجيوسياسي، وهذه سياسة المرونة الوقائية.
وتدرك الصين جيداً أن «اجتماع بوسان» هو هدنة تكتيكية وليس تسوية دائمة، وبالتالي فإنها تستخدم هذه النافذة لتسريع اكتساب التقنيات التي لا تستطيع إنتاجها على نطاق واسع حتى الآن.
وتكشف قائمة 935 سلعة عن تركيز على ثلاثة محاور رئيسة، وهي: الاكتفاء الذاتي التكنولوجي، والتحول الأخضر، والصحة العامة. ومن الإضافات البارزة إلى بنود التعرفة الجمركية الفرعية «الروبوتات الذكية» و«الكيروسين الحيوي».
ويعد تضمين الروبوتات بصورة خاصة مؤشراً مهماً، إذ يشير إلى جهد تقوده الدولة، لمعالجة الواقع الديموغرافي المتمثل في تقلص القوى العاملة من خلال «الأتمتة» السريعة. ومن خلال خفض كلفة استيراد المكونات الأساسية لهذه الأنظمة، تدعم الحكومة تحديث مصانعها.
ويعكس هذا النهج تغيراً في كيفية رؤية المنافسة المحلية المدمرة التي أثّرت سلباً على قطاعات مثل السيارات الكهربائية. وتشير خطة 2026 إلى أن حل مشكلة الطاقة الإنتاجية الفائضة، لا يكمن ببساطة في زيادة الإنتاج، بل في الإنتاج بتقنيات أكثر تطوراً.
وتحاول بكين الارتقاء بصناعتها في أعلى سلسلة القيمة، من خلال تسهيل استيراد المواد المتقدمة و«المواد الخام» لإعادة تدوير البطاريات. والهدف من ذلك تحويل الصين من مركز تصنيع يعتمد على الكميات، إلى مركز ابتكار ذي قيمة عالية.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، تعد خطة التعريفات الجمركية أداة للتكامل الإقليمي. وستحافظ الصين على إعفاء 43 دولة من أقل البلدان نمواً، من الرسوم الجمركية، وستواصل تطبيق أسعار تفضيلية على شركائها التجاريين، البالغ عددهم 34 شريكاً، بموجب اتفاقيات مثل الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة.
ويخدم ذلك هدفين مزدوجين: الأول، هو أنه يرسخ هذا النهج ارتباط دول الجنوب العالمي بالدائرة الاقتصادية الصينية. والثاني، يهيئ بيئة تجارية متكافئة، حيث تبقى الصين منفتحة على العالم النامي وشركائها الإقليميين الرئيسين، حتى في ظل علاقتها المتوترة مع الغرب.
ويركز المنطق الداخلي للخطة الخماسية الـ15، التي تبدأ رسمياً هذا الأسبوع على «التنمية العالية الجودة». ومن الناحية العملية، فإن ذلك يعني إعطاء الأولوية لقطاعات «القوى الإنتاجية العالية الجودة»، مثل الدارات المتكاملة والفضاء، والطب الحيوي.
ويتماشى خفض الرسوم الجمركية على الأوعية الدموية الاصطناعية وأدوات تشخيص الأمراض المعدية مع هذا التوجه. ومع ازدياد نسبة كبار السن في الصين، لم تعد الرعاية الصحية مجرد قضية اجتماعية، بل أصبحت قطاعاً صناعياً استراتيجياً.
ويعد ضمان الوصول إلى التقنيات الطبية المتطورة أمراً ضرورياً للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي في المرحلة التي يعاني فيها الاقتصاد، من مرحلة انتقال مؤلمة، بعيداً عن اعتماده التقليدي على القطاع العقاري.
وربما يجادل النقاد بأن تخفيض هذه التعرفة محدد لتحفيز الاستهلاك المحلي الكبير، الذي يظل نقطة الضعف الرئيسة في الاقتصاد الصيني، لكن وجهة النظر هذه تسيء تفسير هدف الحكومة الحالي. ولم تركز القيادة بصورة رئيسة على تعافي الاقتصاد عن طريق الاستهلاك بالمعنى الغربي للكلمة. بل تقوم الصين بمضاعفة جهودها في تحويل جانب العرض.
وتعد تعديلات التعريفات الجمركية لعام 2026 استثماراً في البنية التحتية للدولة. وتراهن بكين، من خلال خفض كلفة استيراد ما يلزم للتصنيع عالي التقنية، على أن القوة الصناعية ستؤدي في نهاية المطاف إلى خلق وظائف ذات رواتب عالية، وهي الوظائف اللازمة لإنعاش الطبقة الوسطى.
ويجب أن ينظر المجتمع الدولي إلى هذه التخفيضات باعتبارها مؤشراً على نوايا الصين طويلة الأمد. وقد أصبحت الدولة أكثر انتقائية فيما تسمح بدخوله، لكنها في الوقت نفسه، تصبح أكثر حزماً في تأمين الأدوات المحددة التي تحتاجها للمرحلة التالية من تنميتها.
ويعد هذا «الانفتاح الاستراتيجي» رداً متطوراً، يتسم بتقليل المخاطر وفك الارتباط. فبدلاً من إغلاق أبوابها، تختار الصين بدقة أيّ النوافذ تبقيها مفتوحةً لضمان بقائها محوراً لا غنى عنه في سلسلة التوريد العالمية.
ومع بداية عام 2026، سيعتمد نجاح هذه الاستراتيجية على ما إذا استطاعت بكين إدارة الاحتكاك بين توجهها نحو الاعتماد على النفس، وحاجتها إلى المداخيل العالمية. عن «آسيا تايمز»
. يعد «الانفتاح الاستراتيجي» رداً متطوراً يتسم بتقليل المخاطر وفك الارتباط، فبدلاً من إغلاق أبوابها، تختار الصين بدقة أيّ النوافذ تبقيها مفتوحة لضمان بقائها محوراً لا غنى عنه في سلسلة التوريد العالمية.
. مع بداية عام 2026، سيعتمد نجاح استراتيجية الصين على ما إذا استطاعت بكين إدارة الاحتكاك بين توجهها نحو الاعتماد على النفس، وحاجتها إلى المداخيل العالمية.