رؤساء وزراء بريطانيا يعجزون عن تجاوز الفضائح السياسية
إن استقرار رؤساء الوزراء البريطانيين في مناصبهم حالياً، لا يختلف كثيراً عن استقرار مدربي كرة القدم، على حد وصف مجلة «ذا كونفرسيشن».
وخلال نحو ثلاثة عقود، بين عامَي 1979 و2005، لم تشهد بريطانيا سوى ثلاثة رؤساء وزراء: مارغريت تاتشر، وجون ميجور، وتوني بلير.
ومن عام 2005 إلى عام 2015، كان لدينا مرة أخرى ثلاثة رؤساء وزراء: توني بلير، وجوردن براون، وديفيد كاميرون.
لكن منذ ذلك الحين، شغل المنصب ما لا يقل عن ستة رؤساء وزراء، هم: ديفيد كاميرون، وتيريزا ماي، وبوريس جونسون، وليز تراس، وريشي سوناك، والآن كير ستارمر، الذي يكافح للاحتفاظ بمنصبه، ويشرح للبرلمان سبب دعمه لتعيين بيتر ماندلسون في منصب سفير مهم.
عادة ما يستقيل رؤساء الوزراء بعد إخفاقات سياسية خطرة، بدءاً من فشل ماي في تمرير اتفاقية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عبر البرلمان، بعد أن فقدت الأغلبية، وصولاً إلى سلسلة من الفضائح في عهد جونسون أدت إلى استقالة جماعية لوزرائه.
كما تم طرد تراس في وقت قياسي بعد أن تسببت ميزانيتها، التي اقترحت تخفيضات ضريبية كبيرة، في انهيار الأسواق المالية.
لكن رؤساء الوزراء البريطانيين واجهوا دائماً مشكلات في الماضي ونجوا منها، فلماذا أصبح ذلك قاتلاً الآن؟
أحد التفسيرات، هو أن ذلك يعكس التراجع المتزايد للنظام الحزبي البريطاني، ففي الانتخابات العامة لعام 1987، حصد حزب العمال وحزب المحافظين 73% من إجمالي الأصوات، وفي انتخابات عام 2024، حصل الحزبان على 57%.
وعلى وجه الخصوص، عندما لا يتمكن رؤساء الوزراء من الحصول على أغلبية فعالة، وهو ما حدث في عام 2010 ومرة أخرى في عام 2017، فإنهم يتعرضون سريعاً للوم من قبل مؤيديهم عندما تسوء الأمور.
هناك تفسير آخر، وهو أنه في حين يواجه جميع رؤساء الوزراء إخفاقات، فإن الصدمات الهائلة التي تعرض لها النظام السياسي والاقتصاد في تتابع سريع منذ عام 2015، هي أمر غير معتاد حقاً.
إن تصويت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وجائحة «كورونا»، والحرب الروسية الأوكرانية، والآن حرب إيران، كلها تحتل مرتبة عالية على مقياس الأزمات السياسية.
ويمكن القول إنه لا يوجد زعيم سياسي بريطاني قادر على التعامل مع مثل هذه السلسلة من الأحداث، عندما يشعر الجمهور مباشرة بعواقب هذه الصدمات، مثل ارتفاع التضخم، ويلقي باللوم عليهم.
وقد أصبح التعامل مع هذه الأوضاع أكثر صعوبة بالنسبة لستارمر، بسبب اضطراره للتعامل مع رئيس أميركي (دونالد ترامب) متغير المزاج، ولا يمكن التنبؤ بتصرفاته، حيث أثرت الرسوم الجمركية التي فرضها بشكل مباشر على الاقتصاد البريطاني، كما أن هناك فجوة متزايدة بين حصص الأصوات وحصص المقاعد في الانتخابات العامة التي تجري وفق نظام «الفائز بأغلبية الأصوات»، ففي انتخابات عام 2024، حصل حزب العمال على أقل من 34% من الأصوات، لكنه حصل على أكثر من 63% من المقاعد في مجلس العموم، وهذا يعني أن الحزب يفتقر إلى الشرعية في نظر العديد من الناخبين الذين لم يدعموه، ما أدى إلى قصر فترة «شهر العسل» كما يقال.
مرة أخرى، هذا يجعل منصب رئيس الوزراء هشاً، ومعدلات تأييده أكثر عرضة لتقلبات الرأي العام، فمعدلات التأييد لستارمر سلبية للغاية حالياً، وإن لم تكن سيئة تماماً، مثل جونسون أو سوناك أو تراس قبل استقالتهم.
هناك سبب أقل شهرة لارتفاع معدل تغيير رؤساء الوزراء البريطانيين، الذي يتضح في بيانات استطلاعات الرأي الشهرية المتتالية التي أجرتها «إيبسوس» على مدى ما يقرب من 30 عاماً، فقد حصل بلير على أعلى متوسط لمعدلات الرضا خلال تلك الفترة، بنسبة 44%، وفي المقابل، تضرر براون من الأزمة المالية التي بدأت في العام الذي تولى فيه منصب رئيس الوزراء، وحقق كاميرون وماي أداءً جيداً، على الرغم من أنهما اضطرا في النهاية إلى الاستقالة لأسباب سياسية متعلقة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كونهما في الجانب الخاسر من الاستفتاء، وفشلهما في تمرير اتفاق عبر البرلمان.
ولم تختلف معدلات شعبية جونسون كثيراً عن أسلافه المباشرين، حيث كان يتمتع بشعبية كبيرة وقت الانتخابات العامة لعام 2019، ولم تتدهور سمعته فعلياً إلا عندما ظهرت الأدلة المتعلقة بفضيحة «بارتيغيت»، والكذب على مجلس العموم بشكل كامل في عام 2022.
ويبدو أن تراس تمثل نقطة التحول، حيث انهار مستوى الرضا عن رئيسة الوزراء بشكل حقيقي بعد أن أصبحت زعيمة للحزب، على الرغم من أنها لم تبق في منصبها سوى شهر ونصف الشهر، وتسببت ميزانيتها في أزمة اقتصادية كانت لها تداعيات طويلة الأمد. عن «ذا كونفرسيشن»
. بين 2005 و2015، لم تشهد بريطانيا سوى 3 رؤساء وزراء، بينما شغل المنصب 6 رؤساء خلال السنوات الـ10 الأخيرة.