التنقيب غير القانوني عن الذهب يهدد حياة السكان الأصليين في أميركا الجنوبية

لطالما كانت قرية روناشيتو، وهي قرية صغيرة يسكنها أفراد من السكان الأصليين، وتقع على ضفاف نهر نابو بمنطقة الأمازون في الإكوادور، مكاناً ينعم أهله بالأمان والاستقرار.

هذا ما تؤكده نيلي شيغوانغو، التي عاشت في هذه القرية لعقود طويلة، حيث كان بإمكان السكان التنقل بحرية تامة من دون خوف أو قلق، غير أن هذا الواقع تغيّر بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبح الخوف سمة ملازمة لحياة السكان اليومية.

وشهدت القرية تدهوراً في عدد من جوانب الحياة الأساسية، من بينها تقلّص الأراضي الصالحة للزراعة، وانتشار الأمراض بين السكان. ولم تقتصر الأزمات على روناشيتو وحدها، بل امتدت إلى المجتمعات المجاورة التي عانت في الوقت نفسه تصاعداً في معدلات الجريمة، بما في ذلك عمليات الخطف والقتل.

وتُرجِع شيغوانغو هذه التحولات الخطرة إلى الانتشار المتزايد لعمليات التنقيب غير القانوني عن الذهب في المنطقة، وما يرافقها من جرائم، حيث سُجّلت في مقاطعة نابو، التي تقع فيها القرية، 19 جريمة قتل خلال العام الماضي، وهو رقم يقارب ضعف ما كان متوقعاً لعام 2024.

وينتشر التنقيب غير المشروع عن الذهب بوتيرة متسارعة في غابات الأمازون المطيرة، حيث تشير تقديرات عام 2023 إلى أن القيمة السنوية لهذه الأنشطة بلغت نحو 12 مليار دولار في عموم أميركا الجنوبية، وذلك وفق تقرير أسهمت في إعداده «المبادرة الدولية ضد الجريمة المنظمة العابرة للحدود».

 توعية

وتسعى شيغوانغو، بصفتها ناشطة من شعب كيتشوا الأصلي، إلى توعية مجتمعها بالمخاطر الجسيمة المرتبطة بهذه الأنشطة منذ سنوات، كما شاركت في وضع لوائح محلية تهدف إلى تنظيم استخدام الأراضي.

وعبّرت عن استيائها الشديد من تغلغل جماعات الجريمة المنظمة في أراضي كيتشوا، حيث تقوم باستخراج الذهب من دون الحصول على تراخيص قانونية أو مراعاة للمعايير البيئية. وتصف الوضع بقولها إن «هذه الجماعات لا تكتفي بتدمير البيئة، بل تلوث الأنهار والطعام والحياة الاجتماعية للسكان».

عائدات كبيرة

وفي سياق متصل، كشف تقرير لـ«التحالف العالمي للمحاسبة المالية والشفافية المؤسسية»، عن أن عائدات التنقيب غير القانوني عن الذهب باتت تفوق عائدات تجارة المخدرات غير المشروعة في كلٍّ من كولومبيا وبيرو، وهما من أكبر منتجي الكوكايين في العالم.

وتشير تقديرات الخبراء إلى أن صادرات الذهب غير المشروعة تجاوزت صادرات الكوكايين في بيرو منذ عام 2010، وفي كولومبيا منذ عام 2016.

وتُعدّ بيرو المركز الأبرز للتنقيب غير القانوني عن الذهب في أميركا اللاتينية، حيث تستحوذ على نحو 44% من هذا النشاط في المنطقة، أما الإكوادور، فعلى الرغم من أنها ليست من كبار منتجي الكوكايين، فإن السلطات فيها صادرت مخدرات بقيمة تقارب 9.85 مليارات دولار خلال عام 2022، ما يعكس دورها كممر مهم لتهريب هذه المواد.

ويصف التقرير الإكوادور، بأنها جبهة جديدة نسبياً لتجارة الذهب غير المشروع، حيث قد تصل عائدات هذه الأنشطة فيها إلى مليار دولار سنوياً.

مخاطر

ودفعت عوامل عدة جماعات الجريمة المنظمة إلى التوجه نحو الذهب بدلاً من المخدرات، أبرزها انخفاض أسعار الكوكايين في السنوات الأخيرة، حيث تراجعت قيمته إلى النصف تقريباً في أوروبا، مقابل ارتفاع كبير في أسعار الذهب، الذي سجّل زيادة سنوية بلغت 65% في عام 2025، وإضافة إلى ذلك فإن المخاطر القانونية المرتبطة بتهريب الذهب أقل مقارنة بتهريب المخدرات، نظراً إلى أن الذهب ليس مادة محظورة بحد ذاته، ما يجعل إثبات مصدره غير المشروع أمراً صعباً.

وقالت إحدى المشاركات في إعداد تقرير التحالف، جوليا يانسورا، إن الذهب غير القانوني يستخدم بشكل رئيس كوسيلة للاستثمار، خصوصاً في فترات عدم الاستقرار الاقتصادي، حيث يتم تحويله إلى سبائك أو أشكال أخرى بعد عمليات غسل الأموال، ليبدو كأنه قانوني عند تصديره إلى الأسواق العالمية.

وقدّر مكتب المراقب المالي العام في كولومبيا أن 85% من صادرات الذهب في البلاد عام 2022، كانت من مصادر غير مشروعة، بينما كانت الولايات المتحدة أكبر مستورد للذهب الكولومبي في عام 2024، بقيمة 1.43 مليار دولار.

ثغرة قانونية

وأدى غياب الوضوح القانوني بشأن تعريف التعدين غير القانوني للذهب إلى وجود ثغرة قانونية تستغلها الجماعات الإجرامية في بعض البلدان. ورغم أن التعدين الحِرَفي للذهب على نطاق صغير قانوني عموماً في أميركا الجنوبية، فإن العمليات التي تنطوي على العمل القسري، والتعدي على أراضي السكان الأصليين من دون إذن أو استشارة مسبقة، وتجاهل القوانين البيئية، تُعدّ من أبرز سمات التعدين غير المشروع في القارة.

وتبرز بيرو كمثال واضح على هذه الإشكالية، حيث يوجد سجل حكومي يُعرف باسم «رينفو» يضم المُنقبين غير الرسميين، وبمجرد إدراج الأفراد في هذا السجل، لا يمكن ملاحقتهم جنائياً بحجة أنهم في مرحلة تقنين أوضاعهم، وهو ما يُمثّل ثغرة قانونية كبيرة، كما أوضحت يانسورا.

تلوث البيئة

ومن أخطر الآثار الناتجة عن التنقيب غير القانوني، استخدام الزئبق السام لاستخلاص الذهب، حيث يتم خلط الزئبق بالذهب لتكوين ما يُعرف بـ«الملغم»، ثم يُسخن هذا الخليط لتبخير الزئبق وترك الذهب، إلا أن بخار الزئبق يتسرب إلى البيئة، ملوثاً التربة والمياه والأسماك، ما يؤدي إلى حالات تسمم خطرة، بحسب منظمة الصحة العالمية.

وعلى الرغم من القيود المفروضة على استخدام الزئبق، فإن نيلي شيغوانغو من سكان قرية روناشيتو، تشير إلى أن هذه المادة بدأت تظهر في تحاليل الدم لدى أفراد مجتمعها، مع تزايد ملحوظ في حالات المرض والوفاة، بما في ذلك إصابات السرطان بين الشباب في أعمار مبكرة، وتروي أن ابنها البالغ من العمر 20 عاماً يعاني أعراضاً، مثل الصداع ومشكلات الذاكرة، وتعتقد أنها مرتبطة بالتعرّض للزئبق.

كما أسهمت تلك الأنشطة في تسارع وتيرة إزالة الغابات في الأمازون، حيث تستخدم جماعات إجرامية، مثل عصابة «لوس لوبوس» التي صُنّفت منظمة إرهابية أجنبية في عام 2025، معدات ثقيلة لتجريف مساحات واسعة من الغابات من أجل استخراج الذهب، وفقاً لتقرير «تحالف المحاسبة المالية والشفافية المؤسسية». عن «فورين بوليسي»

. تقرير عالمي كشف عن أن عائدات التنقيب غير القانوني عن الذهب، باتت تفوق عائدات تجارة المخدرات غير المشروعة في كلٍّ من كولومبيا وبيرو.

. غياب الوضوح القانوني بشأن تعريف التعدين غير القانوني للذهب، أدى إلى وجود ثغرة قانونية تستغلها الجماعات الإجرامية في بعض البلدان.

فساد

قالت الناشطة من شعب «كيتشوا» الأصلي، نيلي شيغوانغو، التي عاشت في قرية روناشيتو الإكوادورية، إن الجماعات الإجرامية التي تعمل في التنقيب غير القانوني عن الذهب، تعتمد على تقديم رشى للمسؤولين المحليين، لضمان استمرار عملياتها من من دون تدخل، مشيرة إلى أن الفساد بات عائقاً كبيراً أمام مكافحة هذه الظاهرة، وكشفت أن نشاطها في التوعية والدفاع عن حقوق مجتمعها جعلها هدفاً للتهديدات المستمرة، حيث تتلقى مكالمات تهديد يومية، ولم تعد قادرة على التحرك بحرية كما في السابق.

مواجهات وضغوط لتشديد العقوبات

أ قارب عمال شرعيين قُُتِِلوا على يد جماعات إجرامية يُُعزّّي بعضهم بعضاًً. من المصدر

أدت المواجهات بين عمال مناجم الذهب العاملين بشكل قانوني، ونظرائهم الذين ينشطون خارج إطار القانون، في بيرو، إلى نتائج خطرة، حيث تسعى الجماعات الإجرامية إلى فرض سيطرتها على المناطق التي تديرها شركات التعدين الرسمية.

وتجلى ذلك بوضوح في حادثة وقعت، في مايو 2025، حين تم اختطاف 13 عاملاً من عمال المناجم الشرعيين داخل أحد مناجم الذهب، قبل أن يقتلوا على يد أفراد تابعين لجماعة تعدين غير قانونية في مقاطعة بتاز.

وأدت التحذيرات التي أطلقتها جماعات السكان الأصليين بشأن التلوث الناتج عن استخدام الزئبق، إلى تحرك إقليمي، حيث دعا تكتل «الأنديز التجاري» الحكومة البيروفية إلى إجراء إصلاحات عاجلة على قوانينها.

وشملت هذه الدعوات ضرورة التصدي لأنشطة تعدين الذهب غير المشروع والاتجار بالزئبق، إضافة إلى مصادرة الآلات والمعدات التي يستخدمها العاملون.

واستجابة لهذه الضغوط، أصدرت حكومة بيرو مرسوماً يقضي بتشديد العقوبات المفروضة على تعدين الذهب غير الشرعي، متضمناً فرض أحكام سجن أطول بحق المخالفين. وكانت الدول الأعضاء في منظمة «معاهدة التعاون بشأن الأمازون» شكلت لجنة تهدف إلى تنسيق الجهود لمكافحة الأنشطة الإجرامية، بما في ذلك التعدين غير القانوني للذهب.

حماية المجتمع

إضافة إلى جهودها داخل الإكوادور للدفاع عن مجتمعها وحمايته، سافرت الناشطة الإكوادورية نيلي شيغوانغو خلال العام الماضي، إلى مدينة نيويورك، حيث شاركت في أعمال منتدى الأمم المتحدة الدائم المعني بقضايا الشعوب الأصلية، لتُسلّط الضوء على التحديات التي يواجهها مجتمعها.

وخلال كلمتها أمام الأمم المتحدة، قالت إن الجماعات التي تستخرج الذهب بطريقة غير قانونية، تتسبب في تلويث الأنهار باستخدام الزئبق، كما تعمل على تدمير مصادر الغذاء، وتؤثر سلباً في صحة السكان واقتصادهم، وتنشر الخوف داخل المجتمعات، إضافة إلى استهداف القادة بالاغتيال، واستقطاب الشباب للانخراط في أنشطتها، فضلاً عن إجبار السكان على مغادرة أراضيهم.

وأعربت شيغوانغو عن إيمانها العميق بواجبها في حماية مجتمعها والدفاع عنه، وعبّرت عن مشاعرها قائلة إنها «كانت تشعر بالخوف وتذرف الدموع وتعاني التوتر، لكنها تساءلت في الوقت نفسه: إذا خفتت أصواتهم، فمن سيتصدى لهذه القضايا؟».

وأشارت إلى أن كميات كبيرة من الذهب كان يجري نقلها داخل حقائب سفر، لفتت انتباه سلطات أحد المطارات في أميركا الجنوبية خلال الأشهر الأخيرة، حيث تم إلقاء القبض على مسؤول أمن مطار وراكبين اثنين بعد أن ضبطت السلطات 22 كيلوغراماً من الذهب بقيمة تقارب ثلاثة ملايين دولار.

الأكثر مشاركة