أول نائبة رئيس من أصول إفريقية في كولومبيا تواجه تهميشاً يحد من دورها السياسي
في قلب المركز التاريخي للعاصمة الكولومبية بوغوتا، يقام معرض داخل مقر إقامة نائب الرئيس، يعرض صور جميع من تولّوا هذا المنصب منذ إعلان البلاد جمهورية عام 1886.
اللافت في هذا المعرض أن جميع الوجوه المعروضة تعود لأشخاص من ذوي البشرة البيضاء، رغم أن كولومبيا تضم تنوعاً عرقياً واسعاً، من بينهم الكولومبيون المنحدرون من أصول إفريقية الذين يشكلون نحو 10% من السكان.
ومع انتهاء ولاية الرئيس الحالي غوستافو بيترو ونائبته فرانسيا ماركيز، في أغسطس المقبل، ستُضاف إلى هذا المعرض صورة مختلفة، حيث ستكون ماركيز، البالغة من العمر 44 عاماً، أول نائبة رئيس من أصول إفريقية تُدرج صورتها ضمن هذا السجل التاريخي، لتكسر بذلك نمطاً استمر عقوداً طويلة.
قاسم مشترك
وكانت ماركيز انتُخبت عام 2022 إلى جانب الرئيس اليساري بيترو، لتصبح واحدة من ثلاث نساء سوداوات فقط وصلن إلى منصب نائب الرئيس في الأميركيتين، إلى جانب إبسي كامبل بار في كوستاريكا عام 2018، وكامالا هاريس في الولايات المتحدة عام 2021.
وترى ماركيز أن ثمة قاسماً مشتركاً يجمع بين تجاربهن، حيث تشير إلى أنهن لم يمنحن أدواراً قيادية رئيسة داخل حكوماتهن، بل واجهن عراقيل حدّت من طموحاتهن السياسية، خصوصاً في ما يتعلق بالترشح لمنصب الرئاسة.
وقالت: «لقد كانت هذه استراتيجية غير مقبولة، ولا يهم إن كانت الحكومة يمينية أم يسارية، فقد حدث ذلك بالفعل».
تهميش
وفي تصريحاتها لصحيفة «الغارديان»، انتقدت ماركيز ما وصفته بتهميش هاريس داخل الإدارة الأميركية خلال فترة الرئيس السابق، جو بايدن، معتبرة أن ذلك أثر في فرصها السياسية، لاسيما في مواجهة دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية عام 2024.
وقالت: «إن بايدن لم يسمح لهاريس بلعب دور رئيس يمكن أن يساعد على تعزيز قيادتها، بل على العكس عمل على تهميشها كي لا تظهر نجوميتها كسياسية ناجحة»، مشيرة إلى أن هذا النمط من التهميش لم يكن حالة فردية، بل تجربة مشتركة بين النساء الثلاث.
وخلال مقابلة نادرة داخل مقر إقامتها الرسمي، تحدثت ماركيز بصراحة عن التوتر في علاقتها مع الرئيس بيترو، لافتة إلى أن التواصل بينهما كان محدوداً لأكثر من عام.
كما تطرقت إلى ما وصفته بتعرضها للعنصرية، سواء داخل المؤسسات الحكومية أو خارجها، منذ فترة توليها المنصب قبل أربع سنوات.
نشاط مبكر
وُلدت ماركيز في مجتمع «يولومبو»، وهو مجتمع تعدين في مقاطعة كاوكا ذات الأغلبية السكانية من ذوي الأصول الإفريقية، وهي منطقة تأثرت بشدة بالنزاع المسلح المستمر منذ عقود في البلاد.
وبدأت نشاطها الحقوقي في سن مبكرة، حين كانت في الـ13 من عمرها، بعد أن هدد مشروع لبناء سد بالقرب من قريتها سبل عيش السكان وأراضيهم.
وفي عام 2014، قادت ماركيز نحو 80 امرأة في مسيرة طويلة امتدت لمسافة 350 ميلاً نحو بوغوتا، عُرفت باسم «مسيرة العمائم»، احتجاجاً على أنشطة التعدين غير القانونية التي كانت تلوث الأنهار، وتدفع السكان إلى النزوح من أراضيهم.
وبعد أربع سنوات، حصلت على جائزة «غولدمان» البيئية تقديراً لجهودها، قبل أن تخوض تجربة الترشح للكونغرس دون نجاح.
لاحقاً أعلنت ماركيز نيتها الترشح للرئاسة، ورغم قلة خبرتها السياسية، آنذاك، تمكنت من حصد أكثر من 783 ألف صوت في الانتخابات التمهيدية، لتحل في المرتبة الثانية بعد بيترو، الذي دعاها للانضمام إلى قائمته الانتخابية.
وبفوزهما، أصبح بيترو أول رئيس يساري في تاريخ كولومبيا، ويرى محللون أن ماركيز لعبت دوراً محورياً في هذا الانتصار.
واعتبرت خبيرة السياسة، آنا ماريا أوسبينا بيدرازا، أن صعود ماركيز كان لحظة تاريخية مهمة في تمثيل المجتمعات «الأفرو - كولومبية»، التي عانت طويلاً التهميش تاريخياً، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن أداءها القيادي لاحقاً لم يكن على مستوى التوقعات.
تحديات
لكن ماركيز وصفت فترة توليها المنصب بأنها كانت مليئة بالتحديات، خصوصاً بصفتها امرأة سوداء في مجتمع محافظ.
وأشارت إلى تعرّضها لهجمات إعلامية عنصرية، من بينها رسوم كاريكاتورية مهينة، إضافة إلى تدقيق مكثف في نفقات سفرها، واتهامات باستخدام الموارد بشكل مبالغ فيه، سواء في تنقلاتها داخل البلاد أو خلال زياراتها إلى دول إفريقية لتعزيز العلاقات الاقتصادية.
وقالت إن وسائل إعلام محلية اعتبرت أن تلك الزيارات «رحلات سفاري» وليست رحلات عمل، لافتة إلى أن أحد أعضاء مجلس الشيوخ اليمينيين تساءل عما إذا كانت «أكاديميات اللغة السواحلية قد تم إنشاؤها بالفعل في كولومبيا»، نتيجة لذلك الإنفاق لمكتب نائب الرئيس.
كما تحدثت عن انتقادات لاستخدامها مروحية للسفر إلى منزل خاص في كالي، وهو ما بررته بأنه لأسباب أمنية.
وأكدت ماركيز أن التمييز لم يأتِ فقط من الخارج، بل أيضاً من داخل الحكومة، حيث واجه موظفون من أصول إفريقية تعليقات تشكك في أحقيتهم بالعمل داخل المؤسسات الحكومية.
وذكرت أنه كان من أوائل إجراءاتها بعد توليها المنصب تغيير فريق نائب الرئيس، من مستشارين إلى رؤساء أمن.
ولفتت ماركيز إلى أنها تعرضت أيضاً لهجمات إلكترونية متكررة، من بينها إساءات عنصرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ورغم لجوئها إلى القضاء، إلا أن أحد الأحكام القضائية برّأ المتهم لعدم إثبات نية التحريض، وهو القرار الذي تعمل على استئنافه.
مخاوف
ورغم التوقعات التي أشارت إلى إمكانية ترشحها للرئاسة، لم تقدم ماركيز على هذه الخطوة، موضحة أن قرارها يعود جزئياً إلى التزام شخصي بالبقاء في منصبها حتى نهاية الولاية، لكنها أقرت أيضاً بأنها لم تحقق جميع أهدافها، بل لا تحمّل نفسها المسؤولية، مرجعة ذلك إلى القيود التي فرضت على صلاحياتها.
وترى ماركيز أن صعودها السياسي أثار مخاوف لدى بعض الأطراف التي اعتبرت شعبيتها تهديداً، ما أدى إلى وضع عراقيل أمام أدائها، قائلة إن هناك من كان يخشى أن تمكينها الكامل قد يقودها إلى الرئاسة.
وأضافت: «إذا حصلت فرانسيا ماركيز على الصلاحيات اللازمة حتى تتمكن من التحرك بسهولة، فستصبح رئيسة، وهذا الخوف هو الذي حال دون حصولي على الأدوات التي أحتاجها لتحقيق أهدافي».
وتعكس تجربة فرانسيا ماركيز مساراً معقداً يجمع بين الإنجاز التاريخي والتحديات البنيوية، في قصة تعكس واقع التمثيل السياسي والصراع من أجل المساواة داخل كولومبيا وخارجها. عن «الغارديان»
. ماركيز وُلدت في مجتمع تعدين بمقاطعة كاوكا، ذات الأغلبية السكانية من أصول إفريقية.
«وزارة المساواة»
يبرز أحد أهم أوجه الخلاف بين الرئيس الكولومبي، غوستافو بيترو، ونائبته فرانسيا ماركيز، في ملف «وزارة المساواة»، التي كانت من أبرز وعود بيترو الانتخابية لتعزيز المساواة بين المواطنين الكولومبيين، بغض النظر عن الأعراق.
وقالت ماركيز إنها أمضت عامين في العمل على تأسيس هذه الوزارة وسط تحديات مالية وبيروقراطية كبيرة، لكنها فوجئت بإقالتها من منصبها فيها قبيل تحقيق نتائج جهودها.
فرص محدودة في انتخابات الرئاسة
ماركيز تؤكد أنها حققت فوائد مهمة لبلادها. من المصدر
خلال اجتماع لمجلس الوزراء الكولومبي، بُث تلفزيونياً في فبراير 2025، عبّرت نائبة الرئيس، فرانسيا ماركيز، عن استيائها من ضعف الموارد المخصصة لتأسيس «وزارة المساواة»، كما وجهت انتقادات لتعيين وزير متهم بقضايا فساد داخل هذه الوزارة.
وخلال مداخلتها، قالت: «ربما سيكلفني هذا الكثير، من يدري ما الذي ستكون عليه العواقب».
وبعد أيام قليلة من هذا الاجتماع، اتخذ الرئيس الكولومبي، غوستافو بيترو، قراراً بإبعاد ماركيز عن إدارة «وزارة المساواة»، متجاهلاً الجهود التي بذلتها في سبيل إنشاء هذه الوزارة وتطويرها.
ومنذ ذلك القرار، أصبح دورها يقتصر فقط على منصب نائب الرئيس، من دون مسؤوليات إضافية في الوزارة.
وقد عبّرت ماركيز عن شعورها العميق بالحزن تجاه هذا القرار، مؤكدة أنه سبب لها ألماً كبيراً، وقالت إنها استحضرت تضحيات أجدادها الذين عملوا بجد ومثابرة، بينما «يجني الآخرون ثمار تعبهم».
وترى خبيرة الشؤون السياسية الكولومبية، أوسبينا بيدرازا، أنه حتى في حال قررت ماركيز الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، فإن فرصها تبدو محدودة، في ظل عدم بروزها بشكل قوي خلال فترة عملها نائبة للرئيس.
وتشير استطلاعات الرأي إلى وجود منافسة قوية بين مرشح حزب بيترو، السيناتور اليساري إيفان سيبيدا، الذي سترافقه في السباق الانتخابي السيناتور عايدة كيلكوي، التي تسعى لأن تصبح أول نائبة رئيس من السكان الأصليين في كولومبيا، وبين مرشحين من التيار اليميني، من بينهم أبيلاردو دي لا إسبريلا الذي يصف نفسه بأنه «خارج عن المألوف»، والسيناتور بالوما فالنسيا المعروفة بمواقفها المناهضة لسياسات الإجهاض.
وقالت بيدرازا إن الزخم السياسي الذي كان يمكن أن تستفيد منه ماركيز خلال الانتخابات قد تراجع بشكل ملحوظ، وأن «الأمل الذي كان موجوداً قد تلاشى»، مرجعة ذلك أساساً إلى غياب إنجازات ملموسة تُعزز حضورها السياسي خلال فترة توليها المنصب.
ومع ذلك، تؤكد ماركيز أنها حققت نتائج مهمة من خلال بعض المبادرات التي أشرفت عليها داخل الحكومة، من أبرزها دعم وتعزيز الصادرات التي كانت محدودة سابقاً نحو الدول الإفريقية، وهو ما أسهم في تحقيق فوائد اقتصادية لكولومبيا.
أكبر تجمعات من أصول إفريقية
تعد كولومبيا موطناً لواحد من أكبر التجمعات السكانية ذات الأصول الإفريقية في منطقة أميركا اللاتينية.
ووفقاً لنتائج مسح أُجري عقب عملية التعداد السكاني، قدّرت الحكومة أن نسبة الكولومبيين من أصول إفريقية تبلغ نحو 10% من إجمالي عدد السكان، وهو ما يعادل تقريباً 4.67 ملايين شخص.
وجاء هذا التقدير في سياق استجابة رسمية للمخاوف التي أُثيرت حول نتائج تعداد عام 2018، الذي أظهر انخفاضاً في عدد السكان من أصول إفريقية بنسبة وصلت إلى 30% مقارنةً بنتائج تعداد عام 2005، ما أثار تساؤلات وانتقادات واسعة حول دقة البيانات والمعايير المستخدمة في عملية الإحصاء.
ولاتزال الأرقام الرسمية الخاصة بالتعداد موضع نقاش وجدل بين عدد من القادة والشخصيات المنتمية إلى المجتمع ذي الأصول الإفريقية في البلاد.
ومن بين هؤلاء لويس جيلبرتو موريلو أوروتيا، الذي شغل منصب حاكم مقاطعة تشوكو سابقاً، حيث يؤكد أن نسبة السكان من أصول إفريقية في كولومبيا قد تراوح بين 36% و40%، وهي نسبة أعلى بكثير من التقديرات الحكومية الرسمية.
وفي السياق ذاته، ترى نائبة الرئيس الكولومبي فرانسيا ماركيز، أن عدد السكان من أصول إفريقية في كولومبيا يبلغ نحو 15 مليون نسمة، وهو تقدير يعكس بدوره اختلافاً كبيراً في وجهات النظر حول الحجم الحقيقي لهذا المكوّن السكاني داخل البلاد.