تصاعُد العنف الرقمي ضد النساء في إفريقيا يستدعي اتخاذ إجراءات عاجلة
دعا نشطاء ومحامون في إفريقيا إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية النساء والفتيات، مع تصاعد العنف الرقمي في جميع أنحاء القارة.
وأدى الارتفاع الهائل في عدد مستخدمي الإنترنت، إلى جانب الأعداد الضخمة من المستخدمين الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً، إلى زيادة العنف عبر الإنترنت في القارة السمراء، وفقاً للخبراء، وذلك من خلال تزويد الجناة بأدوات جديدة للسيطرة على النساء والفتيات وإسكاتهن، والتأثير في الأشخاص الأصغر سناً.
وقالت المديرة في مبادرة أبحاث العنف ضد النساء والأشخاص القُصّر، وهي شبكة عالمية تدعم الأبحاث حول هذه الأمور في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط، آيشا ماغو: «لسوء الحظ، العالم الواقعي ليس آمناً، ولا يتسم بالمساواة والشمولية، لكن العالم الرقمي يُوسّع نطاق ذلك إلى درجة يخلق أساساً لمستقبل غير متكافئ للغاية».
وأضافت: «في إفريقيا، يشهد الوصول إلى الإنترنت نمواً هائلاً، كما أن معظم سكان إفريقيا من الشباب، ونحن نعلم أن الشباب عموماً يتعرّضون لمعدلات أعلى من العنف عبر الإنترنت، وفي الأغلب يكونون أكثر استخداماً واعتماداً على التكنولوجيا».
وأوضحت ماغو أنه تترتب على العنف الرقمي ضد النساء والفتيات آثار مدمرة، مثل مشكلات الصحة النفسية، والانسحاب من الحياة العامة والاقتصادية، والاعتداءات الجسدية على الأفراد في بعض البلدان، وقتل الإناث.
عنف شديد
وعلى الرغم من قلة الأبحاث الإفريقية الشاملة، فإن هناك دراسة شملت خمسة بلدان في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أظهرت أن 28% من النساء يتعرّضن للعنف عبر الإنترنت.
ومع توسّع نطاق الوصول إلى الإنترنت، من المتوقع أن يرتفع هذا الرقم.
ووفقاً للاتحاد الدولي للاتصالات، فإن 38% من سكان القارة السمراء هم من مستخدمي الإنترنت، بينما تنخفض هذه النسبة إلى 31% بين النساء.
وترسم الدراسات والأبحاث والأدلة على المستوى الوطني صورة مروعة لمستويات العنف الشديد، وبيئة سامة عبر الإنترنت مع عواقب وخيمة في الحياة الواقعية.
حملة إساءات
وفي دراسة أخرى أجراها «مركز مرونة المعلومات» في إثيوبيا، على مدى السنوات الأربع الماضية، كشفت عن أن الإساءة القائمة على أساس النوع الاجتماعي متفشية على الإنترنت لدرجة أنها أصبحت أمراً معتاداً.
وقالت إحدى النساء الإثيوبيات اللواتي أجرى «مركز مرونة المعلومات» مقابلات معهن: «لا توجد منصة رقمية أشعر فيها بالأمان».
ووجد الباحثون أنه في حين يتعرّض الرجال للهجوم عبر الإنترنت بسبب أفكارهم وآرائهم، تتلقى النساء إساءات تنم عن كراهية النساء تتعلق بمظهرهن ودورهن في المجتمع.
كما تنتقل التهديدات والترهيب إلى العالم الواقعي، ما يُعرِّض النساء لخطر الاعتداء الجسدي.
وهربت ثلاث نساء على الأقل من إثيوبيا خوفاً على حياتهن بعد حملة من الإساءات عبر الإنترنت وفي العالم الواقعي.
المحتوى الضار
وفي أوغندا، كشف المسح الوطني الأخير حول العنف، أن نصف النساء (49%) أفدن بتعرضهن للتحرش عبر الإنترنت.
وفي جنوب إفريقيا، وجدت دراسة أجرتها منظمة «إيكويموندو» وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، أن التعرّض للمحتوى الضار أدى إلى زيادة احتمال ارتكاب الرجال للعنف بمقدار 2.6 مرة، وزيادة احتمال اكتسابهم لآراء معادية للمرأة بمقدار 1.8 مرة.
وتشمل الأهداف الرئيسة للعنف في القارة السمراء، النساء في الساحة السياسية، إلى جانب ناشطات حقوق الإنسان والصحافيات والنساء ذوات الحضور العام، ووجد تقرير صادر عام 2021 عن الاتحاد البرلماني الدولي والاتحاد البرلماني الإفريقي، والذي تناول تجارب 137 نائبة برلمانية في 50 دولة إفريقية، أن 46% منهن تعرّضن للعنف عبر الإنترنت، وأن 42% منهن أفدن بتلقيهن تهديدات بالقتل أو الاغتصاب أو الضرب أو الاختطاف، وفي الأغلب عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
صور سلبية
كما وجد تقرير صادر عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة في كينيا، أن الشتائم والابتزاز باستخدام صور سلبية للنساء في السياسة، وغيرها من الرسائل، نُشرت عبر الإنترنت، بهدف نشر الخوف، وتقويض مصداقية النساء للمشاركة في الانتخابات.
وفي مجموعات النقاش، أفادت النساء بأنهن يعشن في خوف من التعرّض للاعتداء الجسدي أثناء الحملات الانتخابية أو خلال الاجتماعات التي تستمر حتى وقت متأخر من الليل.
وفي تونس، كشفت دراسة أُجريت بين عامَي 2019 و2023 أن أكثر من 70% من التعليقات السياسية التي تتناول النساء تحتوي على لغة عنيفة أو مسيئة، وكثيراً ما تم تشبيه النساء بالحيوانات، مثل البقرة أو الماعز أو غيرهما، واستهدفت الهجمات بشكل غير متناسب النساء، وتم التركيز على الأخلاق والعمر والمظهر، كما تم استهداف النساء السود في المجال السياسي بشكل خاص، حيث شكك الناس في انتمائهن إلى الأمة.
حماية قانونية
وعلى الصعيد العالمي، ستتعرض نحو امرأتين من كل خمس نساء للعنف الذي باتت ممارسته أسهل بفضل التكنولوجيا، في حين أن 85% من النساء اللواتي يستخدمن الإنترنت قد شهدن أو تعرّضن للإساءة في العالم الرقمي.
يشار إلى أن أقل من 40% من الدول لديها قوانين تحمي النساء من التحرش الإلكتروني أو المطاردة الإلكترونية، ما يترك 44% من نساء وفتيات العالم (1.8 مليار) من دون حماية قانونية.
عن «الغارديان»
. %85 من نساء العالم اللواتي يستخدمن الإنترنت، شهدن أو تعرّضن للإساءة في العالم الرقمي.
. دراسة إثيوبية كشفت أن الإساءة، القائمة على أساس النوع الاجتماعي، متفشية على الإنترنت، لدرجة أنها أصبحت أمراً معتاداً.
تشريعات الجرائم الإلكترونية
آيشا ماغو. أرشيفية
قالت المديرة في المبادرة العالمية لأبحاث العنف ضد النساء والأشخاص القُصّر، آيشا ماغو، إن نحو 17 دولة في إفريقيا أدخلت تشريعات تتناول الجرائم الإلكترونية، لافتة إلى قانون تعديل العنف المنزلي في جنوب إفريقيا، الذي تم الترويج له باعتباره مثالاً جيداً في المنطقة، مع أحكام محددة تسمح للمحاكم بأن تأمر المنصات الرقمية بإزالة المحتوى المسيء.
وأضافت أن «معظم القوانين لا تعترف بطبيعة الانتهاكات المسيئة للمرأة»، مشددة على أنه «بدلاً من ذلك، يجب أن يتناول القانون صراحة العنف الجنسي عبر الإنترنت». لكن ماغو أشارت في الوقت نفسه إلى أن التشريع يمكن أن يكون أداة للقمع أو للحماية، وقالت: «لسوء الحظ، وجدنا أن القوانين المتعلقة بالعنف الرقمي يمكن في بعض الأحيان استخدامها لمقاضاة مجموعات معينة من الناس فقط».
تحدٍّ للتنمية المستدامة
نحو 70 % من سكان إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى دون سن ال 30 . أرشيفية
يتسارع التحول الرقمي في إفريقيا بوتيرة استثنائية، فقد نما معدل الوصول إلى الإنترنت بأكثر من ضعف المعدل العالمي، وأصبح هناك جيل جديد يطلع على فرص لم يكن آباؤهم يتخيلونها قط.
لكنّ هناك جانباً مظلماً ينتشر بسرعة الاتصال نفسها، وهو جانب يهدد بإقصاء النساء والفتيات عن الثورة ذاتها التي ينبغي أن يقدنها.
وهذا العنف الرقمي المتزايد أكثر من مجرد تهديد ضد النساء، إنه تحدٍّ للتنمية المستدامة نفسها.
وعندما لا تستطيع النساء والفتيات المشاركة بأمان عبر الإنترنت، لا يمكن للتحول الرقمي في إفريقيا أن يحقق النمو الشامل، والابتكار والتقدم الاجتماعي اللازمين لتحقيق خطة عام 2030، وأهداف التنمية المستدامة.
وهنا تقف إفريقيا عند نقطة تحوّل، فمع وجود 70% من سكان إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى دون سن الـ30، فإن هذه القارة هي الأصغر سناً في العالم في الوقت الذي نشهد أسرع تحول تكنولوجي في التاريخ.
وارتفع الوصول إلى الإنترنت في إفريقيا بنسبة 16.7% سنوياً، منذ عام 2005، أي أكثر من ضعف المعدل العالمي.
وقد تجاوزت تكنولوجيا الهاتف المحمول البنية التحتية التقليدية، ما وضع الاتصال والأدوات المالية في متناول الناس مباشرة.
خطوة إلى الوراء
تم تقديم اتفاقية الاتحاد الإفريقي بشأن القضاء على العنف ضد النساء والفتيات في عام 2024، وهي تشمل العنف الرقمي، لكن وفقاً للمديرة التنفيذية لمبادرة التقاضي الاستراتيجي في إفريقيا، سيبونجيلي نداشي، فإنها «تُعدّ خطوة إلى الوراء»، وقالت: «لقد أمضينا الكثير من الوقت في محاولة التصدي لها لأننا نشعر أن الاتفاقية لا تؤدي الدور المفترض بها في ما يتعلق بتحديد الحقوق والالتزامات المطلوبة من الدولة، وتوفير الوضوح حول العنف القائم على النوع الاجتماعي الذي تُيسره التكنولوجيا».
ومع ذلك، فإن التشريع ليس هو المطلوب فقط، وفقاً للمديرة في المبادرة العالمية لأبحاث العنف ضد النساء والأشخاص القُصّر، آيشا ماغو، التي قالت إن «الناس لا يفهمون حقوقهم، هناك نقص عام في الوعي بوجود قوانين أو أفعال محددة عبر الإنترنت غير مسموح بها، ويمكنك الحصول على الحماية منها».
وأضافت أن «المعرفة الرقمية ضعيفة، وكذلك إنفاذ القانون، حيث يعتقد الناس أن العنف عبر الإنترنت ليس حقيقياً ويقللون من شأن آثاره، ولا تولي المنصات اهتماماً للغات المحلية والسياقات والثقافات».
وشددت ماغو على أنه «يجب أن تكون المنصات مسؤولة عن الأذى الذي يحدث عليها، وينبغي عليها أن تضع سلامة المستخدمين قبل الربح، وهذا بالتأكيد لا يحدث في أي مكان في العالم».