«الذهب القذر» في كوستاريكا.. اقتصاد خفي يُهدّد السيادة والبيئة
يشهد الشريط الحدودي الشمالي لكوستاريكا، الممتد على مساحة تُقدّر بنحو 3000 هكتار، تصاعداً خطراً في أنشطة التنقيب غير القانوني عن المعادن، في ظل عجز واضح من السلطات المحلية عن التصدي لعمليات سرقة الموارد الطبيعية، وقطع الأشجار، وتنامي نفوذ الشبكات الإجرامية التي تستغل وجود شركات تُبدي استعدادها لشراء الذهب المستخرج بطرق غير مشروعة، ما يُعزّز استمرار هذه الظاهرة وتوسعها.
وأدى ازدهار تجارة ما يُعرف بـ«الذهب القذر»، الذي يصل سعر الأونصة منه إلى نحو 5000 دولار، إلى تحقيق عوائد ضخمة من هذا النشاط غير القانوني، حيث تُقدّر السلطات الكوستاريكية قيمة الذهب المستخرج سنوياً بطرق غير شرعية بنحو 250 مليون دولار، وهو رقم يعكس حجم المشكلة وخطورتها على الاقتصاد الوطني.
وتعود جذور هذه المشكلة إلى نحو 20 عاماً، عندما منحت الحكومة امتيازاً لشركة كندية للتنقيب عن الذهب في منطقة كروكيتاس القريبة من الحدود مع نيكاراغوا، إلا أن هذا المشروع تطور مع مرور الوقت إلى نشاط واسع النطاق للتنقيب غير القانوني، مستفيداً من ضعف الوجود الأمني في المنطقة، كما أقرت بذلك الحكومة نفسها.
ويرتبط تفاقم هذا الوضع بشكل رئيس بدور الشركات التي تشتري الذهب من الأراضي النيكاراغوية، خصوصاً شركات التعدين الكبرى التي حصلت على امتيازات حكومية هناك خلال السنوات الأخيرة، وأشار الرئيس الكوستاريكي، رودريغو تشافيز، إلى هذه القضية خلال لقاءاته مع مسؤولين أميركيين، مؤكداً أن هذه الشبكات العابرة للحدود تُسهم في تعقيد المشكلة.
نزاعات قانونية
وعلى مدار قرن تقريباً، ارتبطت أنشطة التعدين في منطقة كروكيتاس بسلسلة من النزاعات القانونية والاتهامات بالفساد والمحاباة، إلى جانب احتجاجات شعبية ومطالب بيئية، فضلاً عن قضايا تحكيم دولي ومقترحات لتنظيم التنقيب بشكل قانوني، وفي الوقت نفسه استمرت مجموعات من عمال المناجم غير الشرعيين الذين يعبرون الحدود، في السعي وراء ما يُسمى بـ «الحلم الذهبي».
لكن التقارير الصادرة منذ بداية عام 2026 تشير إلى تدهور أكبر في الأوضاع، حيث أصبح التنقيب غير القانوني أكثر انتشاراً وتنظيماً، ليتحول إلى صناعة إجرامية شبه متكاملة في بيئة توصف بأنها أشبه بـ«الغرب المتوحش»، حيث تسود الفوضى والعنف، وتُستخدم مواد كيميائية خطرة مثل «السيانيد»، مع تسجيل وفيات، وتفاقم الطمع في الذهب، إلى جانب تعقيدات جيوسياسية تُعيق إيجاد حلول فعالة.
عزلة وخطر
وفي وصفه للوضع الميداني، قال الصحافي كريستيان مونتيرو الذي زار المنطقة، إن المكان يجمع بين العزلة والخطر، حيث تنتشر مجموعات من عمال المناجم إلى جانب عناصر مسلحة تابعة لشبكات إجرامية، في بيئة يغيب عنها القانون.
واستغرق مونتيرو ومصوّره نحو 10 ساعات للوصول إلى تلة كونشودتاس، حيث بدأ عمال المناجم المعروفون باسم «كوليغاليروس»، بحفر الأنفاق منذ منتصف عام 2025، ويواصلون العمل من دون أي رادع، كما يتضح من الطرق الجديدة، والانهيارات الأرضية، والأنفاق، وأحواض معالجة الخام بالمواد الكيميائية التي تلوث التربة والمياه، وتشكل خطراً على المجتمعات المجاورة.
جريمة منظمة
وجاءت زيارة مونتيرو للتحقق من تصريحات وزير الأمن الكوستاريكي، ماريو زامورا، الذي أكد أمام الجمعية التشريعية (البرلمان)، أن التنقيب غير القانوني تطور من أساليب بدائية إلى عمليات شبه صناعية تُديرها الجريمة المنظمة، مدفوعة بارتفاع أسعار الذهب عالمياً.
وقال إن عام 2026 شهد مرحلة جديدة تم فيها استخدام تقنيات حديثة لاستخلاص الذهب، تعتمد على مواد سامة مثل «السيانيد» والزئبق، ما يؤدي إلى تدمير التربة والإضرار بالنباتات، علاوة على إزالة مساحات واسعة من الغابات.
وأضاف زامورا أن نطاق هذه الأنشطة توسع من 900 هكتار، وهي مساحة المشروع الأصلية، إلى نحو 3000 هكتار، لافتاً إلى أن نحو 90% من عمال المناجم غير الشرعيين هم من نيكاراغوا، وأنهم عبثوا حتى بعلامات الحدود بين البلدين، كما أعرب عن أسفه الشديد لأن التلة التي كانت موقعاً رئيساً للتنقيب قد تم حفرها بالكامل تقريباً.
وعلى الرغم من نشر نحو 100 عنصر شرطة لتنفيذ دوريات مستمرة في المنطقة خلال فترات العمل، بكلفة تصل إلى مليون دولار، فإن هذه الجهود لم تحقق تأثيراً يُذكر في الحد من الفوضى الأمنية، الأمر الذي عرّض الوزير زامورا لانتقادات من المعارضة، بسبب عدم تخصيص موارد إضافية لحماية السيادة الوطنية.
دلالات سياسية
وتحمل جلسة استماع زامورا الخاصة أمام الجمعية التشريعية دلالات سياسية، حيث إن إدارة الرئيس الكوستاريكي تنوي إصدار قوانين إصلاحية تقضي بإلغاء الحظر المفروض حالياً على التنقيب عن المعادن، من أجل السماح بمنح شركة أجنبية امتيازاً لاستخراج الذهب، على أن تذهب نسبة من الأرباح إلى خزينة الدولة.
وتشير تقديرات كلية الجيولوجيين إلى أن احتياطات الذهب في منطقة كروكيتاس، قد تصل قيمتها إلى ثلاثة مليارات دولار.
وفي هذا السياق، يرى الباحث ليوناردو ميرينو، من مركز «حالة الأمة» للأبحاث، أن هذا التوجه يتوافق مع النهج النسبي الذي تتبناه كوستاريكا في مواقفها البيئية التقليدية في الأوساط الرسمية، والذي يقوم على الرغبة في استغلال الموارد الطبيعية بما يتجاوز السياحة، وعلى أساس تعزيز التنمية في المجتمعات الريفية التي توجد فيها هذه الموارد.
كما يُعدّ منح هذا الامتياز أولوية سياسية للرئيسة المنتخبة لورا فرنانديز التي دعت البرلمان إلى الإسراع في إقرار التشريعات، قبل انتقال السلطة في مايو المقبل.
ويُعيد هذا الطرح إلى الأذهان تجربة الامتياز المثير للجدل الذي مُنح لشركة «إنفينيتو غولد» الكندية عام 2001، والذي أُلغي لاحقاً بقرار قضائي في عام 2011، فضلاً عن الجدل الوطني الدائر منذ فترة طويلة حول كيفية التعامل مع منطقة ذات قيمة بيئية كبيرة، وكيفية منع ما حدث فيها بالفعل من توسع عمليات التهريب، وما يترتب عليها من آثار سلبية على الاقتصاد والبيئة الطبيعية وأمن المجتمعات المجاورة. عن «إل باييس»
. تنامي نفوذ الشبكات الإجرامية، التي تستغل وجود شركات تُبدي استعدادها لشراء الذهب المستخرج بطرق غير مشروعة، يُعزّز استمرار هذه الظاهرة وتوسعها.
. الحكومة أقرت بأن التنقيب غير القانوني عن الذهب تطور من أساليب بدائية إلى عمليات شبه صناعية تُديرها الجريمة المنظمة، مدفوعة بارتفاع أسعار الذهب عالمياً.
أنشطة إجرامية
لا تقتصر خطورة الوضع في منطقة كروكيتاس في كوستاريكا على التعدين غير القانوني فحسب، بل تشمل أنشطة إجرامية أخرى، مثل تهريب المخدرات والأسلحة، والاتجار بالبشر، بل وحتى الاتجار بالأعضاء البشرية، إلى جانب تهديد السكان المحليين لمنعهم من الإبلاغ عن هذه الجرائم.
ويبدو أن الوعود التي أطلقها الرئيس رودريغو تشافيز، في عام 2022، لمعالجة المشكلة لم تتحقق على أرض الواقع حتى الآن، ما يترك المنطقة في مواجهة مستقبل غامض ومعقد.
توترات جيوسياسية بين كوستاريكا ونيكاراغوا
نحو 4000 شخص يعملون في مخيم للتنقيب غير القانوني داخل محمية «مايز البيولوجية .» من المصدر
أصبح الوضع أكثر تعقيداً في الوقت الراهن، لاسيما مع تحول الصراع إلى قضية ذات أبعاد جيوسياسية، بعد أن وجّهت كوستاريكا اتهامات لشركات أجنبية حصلت على امتيازات للتنقيب عن المعادن داخل أراضٍ في نيكاراغوا قرب حدود كوستاريكا.
وتشير المعطيات إلى أن مساحة هذه الامتيازات تبلغ نحو مليون هكتار، أي ما يعادل 8.5% من إجمالي مساحة نيكاراغوا، وفقاً لأحدث التحقيقات التي أجرتها مؤسسة «فانداسيون ديل ريو».
وتوضح التحقيقات أن هذه الشركات الأجنبية تنشط في منطقة حدودية حساسة، بالقرب من مخيم يُستخدم للتنقيب غير القانوني عن المعادن، ويضم نحو 4000 شخص.
ويُعتقد أن هذا النشاط يتم بموافقة حكومية ضمنية داخل محمية «مايز البيولوجية»، كما أن أحد مواقع التنقيب يقع على مسافة قريبة جداً تقدر بنحو 300 متر فقط، من نهر سان خوان الذي يشكل جزءاً من الحدود بين البلدين.
وفي هذا السياق، قال مدير الشؤون الصحافية في «فانداسيون ديل ريو»، أمارو رويز، إن هذه المناطق تُستخدم لمعالجة المواد الخام الناتجة عن استخراج الذهب بطرق غير قانونية من منطقتي كروكيتاس وكونشوديتا في كوستاريكا، مشيراً إلى أن عمليات شراء الذهب تتم نقداً.
ومع ذلك، أبدى رويز شكوكه بشأن فاعلية التنسيق الأمني الذي أعلنت عنه سلطات البلدين، عقب اجتماع عُقد في 28 فبراير الماضي.
وعلى الرغم من أن العمليات الأمنية التي نُفذت في نهاية الأسبوع الماضي أسفرت عن نحو 20 عملية اعتقال، فإن رويز يرى أن حجم المشكلة أكبر بكثير من هذه الإجراءات المحدودة.
وأكد أن هذا النشاط غير القانوني لن يتوقف على الجانب الكوستاريكي، ما لم يتم القضاء عليه في منطقة «لاس كروسيس»، حيث يقع المخيم الرئيس.
من جهة أخرى، يمثل نشاط التعدين تحدياً كبيراً للجماعات البيئية في كوستاريكا، التي تعارض بشدة خطط الحكومة لمنح امتيازات تنقيب في المناطق الحدودية.
وتستند هذه المعارضة إلى مخاوف متزايدة من تدمير البيئة الطبيعية، في ظل محدودية الموارد الوطنية، وغياب ضمانات حقيقية لإنهاء التعدين غير القانوني، أو الحد من التداعيات الأمنية المرتبطة به.
جدل حول مشروعات التعدين
أعربت عضو الجمعية التشريعية في كوستاريكا المنتمية إلى حزب «الجبهة العريضة» اليساري، بريسيلا فينداس، عن انتقادها الشديد لمشروعات التعدين المطروحة، متسائلة بحدة عن جدوى هذه المشروعات.
وقالت: «أعطوني مثالاً واحداً فقط لمشروع تعدين استطاع أن يُحقق تنمية حقيقية للمجتمعات المحلية، وفي الوقت ذاته أنهى ظاهرة التعدين غير القانوني، أريد مثالاً واحداً فقط، وبالطبع لن تتمكنوا من تقديمه، لأنه لا يوجد حتى الآن مشروع بهذه المواصفات».
وجاءت تصريحات فينداس خلال مشاركتها في اجتماع مع لجنة برلمانية مكلفة بمناقشة مشروع تدعمه السلطة التنفيذية.
وأضافت أن المشروع المقترح «يمنح غطاء قانونياً لاستمرار استنزاف ثروات البلاد، حيث يتم الاستحواذ على الذهب مقابل نسبة ضئيلة لا تتجاوز 7% من الأرباح».
من جهتهم، أبدى بعض أعضاء الجمعية التشريعية الذين يؤيدون منح امتيازات جديدة للتنقيب استياءهم من بطء سير النقاش داخل الجمعية، مع اعترافهم، في الوقت ذاته، بعدم وجود حل شامل ونهائي لهذه الإشكالية المعقدة، ومن بين هؤلاء، المشرعة دانييلا روخاس، وهي أيضاً عضو في اللجنة، حيث أقرت بأن القضاء على التعدين غير القانوني وضمان الأمن في المناطق المتأثرة يتطلبان جهوداً متعددة ومقاربات مختلفة، وليس الاعتماد على حل واحد فقط.
وعلى الرغم من هذه الطروحات، لاتزال أحزاب المعارضة تنظر إلى الوضع بتشاؤم واضح، حيث يشكك العديد من أعضائها في فاعلية الإجراءات المقترحة، واعتبر أحد الناشطين أن استمرار هذه الإشكالية أمر حتمي.