«المصانع العائمة» وراء نهب الثروة السمكية لغينيا بيساو
توقف مصنع الثلج الوحيد في جزيرة «بوباك» الواقعة في جمهورية غينيا بيساو عن العمل، حيث يضطر الصيادون المحليون، ومنهم على سبيل المثال، بيدرو لويس بيريرا، إلى استيراد الثلج من مصانع في البر الرئيس الذي يبعد نحو 70 كيلومتراً عن الجزيرة، أي ما يعادل رحلة تستغرق ست ساعات بالقارب.
ويقول بيريرا، وهو ينشر شبكته لصيد السمك على شاطئ الجزيرة داخل أرخبيل «بيجاغوس» المحمي: «تعطلت الآلات منذ أشهر عدة، وأبلغنا وزارة الثروة السمكية، لكن حتى الآن لم يأتِ أحد لإصلاحها».
وتعد القوارب الخشبية، زوارق الصيد المسموح بها بين جزر الأرخبيل البالغ عددها 88 جزيرة.
وتعدّ مياهها الضحلة موطناً خصباً لتكاثر سمك السردين الفضي، حيث يسابق بيريرا، حرارة الجو الاستوائي كي يتمكن من بيعها طازجة بمبلغ 250 فرنكاً (أي 0.33 جنيه إسترليني) للكيلوغرام في سوق «بيساو»، عاصمة هذه الجمهورية الصغيرة الواقعة في غرب إفريقيا.
وتحدّد حركة المد والجزر، أوقات إبحار الصيادين في المياه الضحلة للأرخبيل. وتعدّ ضفافه الرملية حاضنة لأنواع لا حصر لها، ما دفع بعض العلماء إلى تسميتها «جزر غالاباغوس في غرب إفريقيا» نظراً إلى وجود أعداد كبيرة من السلاحف وخراف البحر المهددة بالانقراض فيها. ولهذا السبب أيضاً، تم تصنيف المنطقة محمية من جميع أنواع الصيد، باستثناء الصيد على نطاق ضيق.
وتعتمد العديد من المخلوقات في هذه المنطقة على سمك السردين، وهو سمك زيتي صغير الحجم. فهو طعام حيوي للطيور المهاجرة مثل طائر «خطاف البحر»، الذي يمضي فترة الشتاء في «بيجاغوس» بأعداد تتجاوز عشرات الآلاف، إضافة إلى كونه غذاء أساسياً لأسماك (الباراكودا والجاك)، والحيتان والدلافين في عرض البحر.
طرف مفترس
لكن أسراب هذا السمك السطحي تجذب طرفاً مفترساً آخر أكثر شراسة، وهي سفن الصيد الصناعية التي تصطاد على حدود المنطقة البحرية المحمية، والتي من المفترض نظرياً أنها ممنوعة من دخولها.
ومن السفن التي كانت تجوب هذه المنطقة في عام 2025، سفينة «هوا شين 17»، التي يبلغ طولها نحو 125 متراً، أي أطول من ملعب كرة القدم. وهذه السفينة مسجلة باعتبارها سفينة شحن في قواعد البيانات البحرية، لكن التحقيق الجديد الذي أجرته صحيفة «الغارديان» وموقع «ديسموغ» كشف أن هذه السفينة المملوكة لشركة أجنبية، هي في الواقع مصنع عائم يُحوّل سمك السردين الطازج، إلى منتجات سمكية أخرى، لاسيما زيت السمك بكميات هائلة.
وتظهر شهادات شهود عيان، ولقطات فيديو حصرية، وبيانات الأقمار الصناعية، أن مجموعة من القوارب، تزود سفينة «هوا شين 17» بالمنتجات، ويبدو أنها دأبت على صيد السردين بطريقة غير قانونية داخل ميناء «بيجاغوس».
وتعدّ هذه السفينة واحدة ضمن سفينتين ترسوَان في عرض البحر وتعملان في صناعة المنتجات السمكية بمئات الآلاف من الأطنان من سمك السردين الذي يتم صيده حديثاً وتحويله إلى منتجات سمكية. وتظهر تحليلات المعلومات التجارية لكل من «الغارديان» و«ديسموغ» أن هذه المنتجات السمكية تجد طريقها إلى سلاسل الإمداد الدولية.
ويقول الناشط في مجال حماية المحيطات في منظمة «غرينبيس»، أليو با، إن «أرخبيل (بيجاغوس) يُعدّ من أهم المناطق البحرية في غرب إفريقيا من الناحية البيئية، وواحداً من آخر النظم البيئية الساحلية السليمة نسبياً في القارة الإفريقية».
وأضاف: «لا يعد أي صيد غير قانوني ضمن منطقة (بيجاغوس) البحرية انتهاكاً لقانون (غويانا) فحسب، وإنما هو تهديد مباشر للتنوع البيولوجي، ولطعام وأرزاق المجتمعات المحلية».
دليل جديد
ورست «هوا شين 17»، وهي سفينة حديثة نسبياً في هذه المياه مدة 157 يوماً في عام 2025 على بعد نحو 50 كيلومتراً من ساحل جزيرة «أورانغو»، المشهورة بكونها موطناً لفرس النهر البحري النادر.
ويضيف اكتشاف صحيفة «الغارديان» هذا القارب دليلاً جديداً على توسع مصانع منتجات الأسماك في غينيا بيساو، والتي تنتج مئات الأطنان من الأسماك الطازجة يومياً.
وثمة مصنع آخر لتصنيع المنتجات السمكية في عرض البحر هو «تيان يي هي 6» الذي أمضى نحو 244 يوماً راسياً في عرض البحر عام 2025، وكان يطلق دخاناً أسود على بعد 60 كيلومتراً من جزيرة «أورانغو».
ويعمل «تيان يي هي 6» كمصنع للمنتجات السمكية بالقرب من «بيجاغوس» لنحو خمس سنوات، ولديه تاريخ في انتهاك قوانين غينيا بيساو.
وتتابع منظمة «تريغ ممات تراكينغ» النرويجية، غير الربحية، جمع المعلومات عن مصايد الأسماك وتعمل مع هيئة التفتيش على مصايد الأسماك في غينيا بيساو، وهي تقوم بمراقبة مصانع منتجات الأسماك الراسية في البحر، منذ عام 2019، عندما عادت سفينة «تيان يي هي 6» للمرة الأولى إلى الصين في بداية عام 2020.
وتكشف تقارير «تريغ ممات تراكينغ» الاستخباراتية المدعومة بتحليلات من «الخلية التحليلية المشتركة»، وهي منظمة معنية بمعلومات مصايد الأسماك، عن انتهاكات مستمرة لقوانين مصايد الأسماك والشحن العابر في غينيا بيساو.
ويجري صيد الأسماك بالشباك «الجرافة» باستخدام شباك طويلة وعميقة لجمع كميات كبيرة من الأسماك، ما يزيد كمية الصيد.
ترخيص حكومي
ووفق ما ذكرته منظمة «فيشينغ واتش» غير الربحية التي تراقب نشاطات صيد الأسماك، فقد أظهرت صور الأقمار الاصطناعية، مجموعة من ستة قوارب صيد أجنبية تعمل في البحر، وتقوم بتأمين إمدادات صيد السمك للمصنعين الراسين في البحر.
وتمتلك هذه القوارب رخص مزاولة الصيد ضمن المنطقة الاقتصادية الخاصة بغينيا بيساو، وهي منطقة بحرية تمتد لنحو 322 كيلومتراً من الساحل، حيث يُسمح بالصيد بموجب ترخيص حكومي، وتوجد فيها سفينتا «هوا شين 17»، و«تيا يي هي 6». إلا أنها غير مصرح لها بالشحن في عرض البحر ضمن هذه المنطقة، أو بالصيد داخل مياه «بيجاغوس» المحمية.
وتشير صور الأقمار الاصطناعية لدى منظمة «غلوبال فيشينغ واتش» إلى أن العديد من مراكب الصيد التي تقدم الإمداد للمصنعين الراسين في البحر، تقوم بالصيد على نحو غير قانوني داخل المناطق المحمية.
وتشير سجلات الأقمار الاصطناعية التابعة لهيئة مراقبة الأسماك إلى أن هذه السفن تقوم بتعطيل إشارات وهوية السفينة، عند اقترابها من حدود منطقة «بيجاغوس» المحظورة. وقد أوضحت هذه الإشارات في السابق حدوث عمليات صيد غير قانونية ومجهولة، تخالف القوانين الوطنية أو الدولية.
ويقول أليو با: «عندما تقوم أساطيل الصيد الأجنبية العاملة في المياه البعيدة خارج القانون، باستنزاف هذه المخزونات من أجل مسحوق السمك وزيت السمك لإطعام الحيوانات بدلاً من إطعام الشعوب في غرب إفريقيا، فإن العواقب تقع بأشد وطأة على الصيادين الصغار والمجتمعات الساحلية الذين ليس لديهم بديل». عن «الغارديان»
النظام الغذائي
قالت الناشطة في منظمة «سي إف إف إيه» الداعمة للصيادين الحرفيين في غرب إفريقيا، بياتريس غوريز، إن صناعة مسحوق السمك في غينيا بيساو تشهد توسعاً ملحوظاً، في ظل الاستغلال المفرط للأسماك السطحية الصغيرة وانتشار الصيد غير القانوني، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً للصيادين الحرفيين والنساء العاملات في تجهيز الأسماك، فضلاً عن تأثيره السلبي في الأمن الغذائي في المنطقة بأكملها.
وأوضحت أن أحماض «أوميغا 3» الدهنية الموجودة في سمك السردين منخفض الكلفة وغيره من الأسماك السطحية، تعد عنصراً أساسياً في النظام الغذائي المحلي، خصوصاً في بلد يعاني نحو 22% من سكانه سوء التغذية.
من جانبه، أكد الناشط في مجال حماية المحيطات في منظمة «غرينبيس»، أليو با، أن سمك السردين لا يمثّل مجرد سلعة تجارية، بل يشكل مصدراً رئيساً للبروتين لملايين الأشخاص في مختلف أنحاء غرب إفريقيا.
توسع إنتاج «مسحوق السمك»
«مسحوق السمك» المنتج في أحد «المصانع العائمة». من المصدر
يأتي توسع عمليات إنتاج «مسحوق السمك» في «المصانع العائمة» في غينيا بيساو، في أعقاب محاولات جيرانها الشماليين، موريتانيا والسنغال وغامبيا، للحد من توسع هذه الصناعة على اليابسة، والتي شهدت نمواً هائلاً في المنطقة خلال العقد الماضي.
ويرى عالم الأحياء، باولو كاتري، الذي درس الحياة المائية في «بيجاغوس» لنحو 30 عاماً، أن «الصيد الجائر الذي تمارسه الصناعة السمكية في الشمال قد يكون السبب وراء توجه السفن إلى غينيا بيساو».
وتم تصدير منتجات من مصنع «تيان يي هي 6» العائم إلى شركات في أميركا الجنوبية. وباعت شركة «بيساو وانغ شانغ» الصينية، منتجات في تشيلي، وهي أكبر منتج لسمك السلمون في العالم، كما تم بيع شحنات بلغ مجموعها 440 طناً بقيمة 1.7 مليون دولار في عام 2023 لشركة «جيسيس إس إيه»، وهي شركة مقرها في الإكوادور، تنتج أعلاف «الروبيان» ضمن قسم أعلاف الزراعة المائية التابع لشركة «سكريتينغ» الهولندية.
وتقول المديرة التنفيذية لمنظمة «أوشيانا» غير الربحية في أوروبا، فيرا كويلو: «يمكن لـ(مسحوق السمك) وزيت السمك دخول سوق الاتحاد الأوروبي دون وثائق تُثبت نوع السمك أو مصدره. هذا أمر غير مقبول».
وأكد مصدر في شركة «سكريتينغ» أن شركة «جيسيس إس إيه» اشترت كمية من غينيا بيساو عام 2023، لكنه ذكر في بيان لصحيفة «الغارديان»، أنه لم يتمكن من «التحقق من صحة الادعاءات وما إذا كان السمك قد تم صيده داخل المنطقة البحرية المحمية».
وأضاف المصدر: «في ذلك الوقت، ذكرت الوثائق التي تلقيناها من تاجرنا أن المنتج مطابق لجميع اللوائح المحلية. كما نؤكد عدم وجود حالات أخرى من هذا المصدر في عملياتنا العالمية».
وأعلنت شركة «سكريتينغ» أنها بدأت تحقيقاً داخلياً في النتائج. وأكدت الشركة أن «ضمان التوريد المسؤول والقانوني أمر أساسي في طريقة عملنا». وأوضحت «سكريتينغ» أنها تتبنى «سياسة عدم التسامح مطلقاً» تجاه الصيد غير القانوني أو غير المبلغ عنه أو غير المنظم، أو أي أنشطة تنتهك قوانين مصايد الأسماك أو قوانين الحفاظ على البيئة، وأنها «ملتزمة باتخاذ الإجراءات اللازمة بناء على أي نتائج، واتخاذ التدابير التصحيحية والقانونية عند الضرورة».
ظروف صعبة
أفادت شهادة أحد العاملين في «المصانع العائمة»، وهو بحار يُدعى أنطونيو، بصحة سجلات تحركات السفن والأنشطة التي يُعتقد أنها تقوم بها.
وأوضح أنه أمضى سبعة أشهر عام 2024 على متن سفينة تدعى «هوا شين 17»، حيث كان 25 من أفراد الطاقم يعملون بنظام مناوبات تستمر كل منها ست ساعات لمعالجة سمك السردين على متنها.
وأضاف أن قارباً أصغر كان يتولى نقل أكياس «مسحوق السمك» إلى ميناء بيساو، قبل أن يعود محملاً بالإمدادات. كما ذكر أن العمال كانوا يقضون فترات طويلة معزولين في عرض البحر قبالة سواحل غينيا بيساو.
وتحدث أنطونيو أيضاً عن الظروف الصعبة التي واجهها أفراد الطاقم من الغينيين، حيث زعم أنهم تعرضوا لسوء المعاملة من قبل المديرين على متن السفينة. وقال لصحيفة «الغارديان» خلال لقائه بها في أحد مقاهي ميناء بيساو: «إنهم لا يعتبروننا متساوين معهم». وأضاف أن طاقم الإدارة كان يحظى بطعام منفصل وغرف خاصة، بينما كان العمال الغينيون ينامون في أسرة بطابقين، حيث يضم كل عنبر 10 أشخاص.
. عمال أمضوا 7 أشهر على متن سفينة تدعى «هوا شين 17».
. القوارب الخشبية تُعدّ زوارق الصيد المسموح بها بين جزر أرخبيل «بيجاغوس» البالغ عددها 88 جزيرة.
. «المصانع العائمة» سفن يتم فيها تحويل سمك السردين الطازج إلى منتجات سمكية أخرى، لاسيما زيت السمك.