تركز الإسبان في المناطق الحضرية يزيد الضغوط على البنية التحتية
قبل سنوات طرح عضو المجلس البلدي في مدريد، خافيير باربيرو، فكرة غير متوقعة، وهي تنظيم حركة المشاة على الأرصفة. ولسنوات عدة، كان وسط مدينة مدريد يزدحم بالناس في بعض عطلات نهاية الأسبوع.
وفي عطلات نهاية الأسبوع الطويلة، كان المكان مكتظاً بالفعل. وكان مستوى الازدحام في الشوارع الأكثر شعبية يشبه ازدحاماً بسبب الحفلات الموسيقية، إلا أن الناس كانوا يتحركون في اتجاهات مختلفة بدلاً من البقاء في مكان واحد، وكانت المناطق الضيقة بمثابة مشكلة قائمة.
والتقى باربيرو الذي يشغل منصب رئيس قسم الصحة والسلامة في البلدية مع الشرطة، وتم اتخاذ قرار مفاده أنه في أيام الذروة خلال ديسمبر، يتم استخدام شارع بريسيادوس للذهاب من منطقة سول، وشارع كارمن للعودة.
ويقول باريرو: «تعرضنا لانتقادات شديدة، حيث اتُهمنا بسلب حرية المواطنين، لكن هذه الإجراءات بقيت سارية، لأنها كانت ضرورية». وأضاف: «هذا النوع من الازدحام في مناطق العبور يخلق مواقف متوترة، والخط الفاصل بين ذلك وبين مشكلة أمنية خطرة، رفيع للغاية».
أرقام قياسية
وفي العام الماضي تجاوز عدد السكان المسجلين في مدينة مدريد 3.5 ملايين نسمة للمرة الأولى، وتم تحطيم الرقم القياسي بوصول عدد السياح إلى 11.2 مليون سائح. ويزداد هذا التدفق السكاني بوصول 1.12 مليون شخص يومياً من خارج المدينة للعمل فيها، مقارنة بـ790 ألف شخص في عام 2016.
كما حطم عدد الرحلات في المترو والحافلات، الأرقام القياسية التاريخية، فالاقتصاد مزدهر وتقترب منطقة مدريد الكبرى من تحقيق التوظيف الكامل.
وفي الوقت نفسه، أظهرت محطتا القطار «أتوتشا» و«شامارتين» صوراً لفوضى غير مسبوقة، ولم تتوقف شكاوى السكان من القمامة في السنوات الأخيرة.
وفي وسط المدينة، يمكن رؤية فرق التنظيف تعمل طوال اليوم، لكن حاويات القمامة مملوءة باستمرار، مدفوعة بزيادة النشاط السكاني في مركز المدينة.
وفي المقابل هناك مناطق فارغة تسمى أحياناً «إسبانيا المهجورة»، وهي انعكاس للتوزيع غير المتكافئ للسكان، وعكسها هو «إسبانيا المكتظة والمشبعة».
ولم تكن أبداً الأماكن مكتظة كما هي الآن. ويمكن تكرار قصة مدريد، مع بعض الاختلافات، في برشلونة أو بالما أو ملقة، من بين مدن أخرى، وفي المناطق الساحلية.
فكرة خطأ
لكن فكرة أن الماضي كان دائماً أفضل هي فكرة خطأ، فالبيانات تُظهر أن إسبانيا تمتلك اليوم أكبر شبكة بنية تحتية حتى الآن. غير أن البلد الذي يقترب عدد سكانه من 50 مليون نسمة، والذي نما بمعدل نصف مليون نسمة سنوياً، والذي يستقبل ما نحو 100 مليون سائح سنوياً، يخضع لاختبار صعب، حيث إن هناك ضغطاً واضحاً على وسائل النقل والإسكان والبنية التحتية بشكل عام، مع تركز الإسبان في المناطق الحضرية.
ويقول المتخصص في التخطيط الحضري الاستراتيجي العميد السابق لكلية المهندسين المعماريين في مدريد، خوسيه ماريا إزكياغا: «هذه ليست إسبانيا ذات سرعتين، بل هناك طريقتان مختلفتان لاستغلال الأراضي. لم يكن السكان أبداً بهذه الكثافة، لم نعد نتحدث كثيراً عن الريف مقابل الحضر، بل عن الساحل مقابل الداخل». ويضيف: «نحن نتحدث أساساً عن المناطق الحضرية في مدريد وبرشلونة وفالنسيا وملقة ووستا ديل سول التي ستتجاوز قريباً إشبيلية، والنمو السكاني الدائم في الجزر الكبرى من أرخبيل البليار والكناري».
ويرى إزكياغا أن هناك حاجة إلى سياسة حضرية وطنية لتعزيز التنمية الأكثر انسجاماً، موضحاً: «لكن هذا التفكير يجب أن يتم على المستوى الوطني، لأن كل إقليم يعمل بشكل منفصل لا يملك سوى رؤية جزئية للمشكلة».
وهناك عدد من الحقائق التي توضح هذا التركيز، حيث يعيش 90% من سكان إسبانيا في 2.6% من أراضيها، وهي كثافة سكانية لا مثيل لها في أوروبا، وقد حدث الجزء الأكبر من النمو في هذه المناطق، وانتقل 30% من السكان الذين لم يولدوا في المدن إلى هناك منذ عام 2016. واستأثرت كاتالونيا ومدريد ومنطقة فالنسيا بنحو 60% من نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات الخمس الماضية.
أسعار قياسية
التأثير المباشر الأكثر وضوحاً هو ارتفاع أسعار المساكن، وهو أمر مدمر للمجتمع والاقتصاد الإسباني، حيث إن نقص المساكن ليس مشكلة على مستوى البلاد، بل هي مشكلة في أجزاء من إسبانيا مع رغبة الجميع في العيش بها. وبين عامي 2021 و2024، قدر بنك «كايكسا» النقص بـ765 ألف منزل، نصفها في مدريد وأليكانتي وبرشلونة وفالنسيا وملقة. ووفقاً للدراسة نفسها، فإن 39% من إجمالي الزيادة في الأسعار على الصعيد الوطني يرجع إلى نقص المساكن المتاحة.
ويقول عالم الاجتماع ومؤلف كتاب «ثلاثة ملايين منزل: كيف ننتقل من الندرة إلى الوفرة»، خورخي غاليندو: «لا أرى مشكلة في المضاربة في سوق الإسكان، لدينا مشكلة نقص العرض في المناطق التي يتركز فيها الطلب بشكل كبير».
ووفقاً لبيانات «تينسا»، أكبر شركة تقييم في إسبانيا، ارتفعت أسعار الشراء في 11 منطقة العام الماضي، مع أسعار قياسية للمتر المربع في مدريد، وجزر البليار وكاتالونيا.
وتستدعي حالة الجزر بعض الانتباه، حيث إن العجز في المساكن بنسبة 3.3% من إجمالي مخزون المساكن الرئيسة، ليس واضحاً بشكل خاص، وهو ما يعزوه المراقبون إلى الصعوبة الكامنة في الحصول على سكن، والعقبات التي تحول دون العثور على أشخاص مستعدين للانتقال إلى جزر البليار.
وتزخر الصحف الإسبانية بحالات موثقة لمعلمين يستقلون الطائرة كل صباح من بالما للعمل في إيبيزا، وهناك أيضاً حالة خوسيه خوان، وهو رجل حصل على المرتبة الأولى في امتحان تنافسي للحصول على وظيفة حكومية في بلدة صغيرة في جزيرة إيبيزا، لكنه اضطر للتخلي عنها، لأنه لا يستطيع تحمل تكاليف المعيشة هناك. وهذه البلدة هي سانتا إيولاريا ديس ريو، التي تتمتع بأغلى متر مربع من الأرض في إسبانيا. عن «إل باييس»
أكثر كثافة
تتمتع إسبانيا بالفعل بنموذج حضري أكثر كثافة من جيرانها الأوروبيين. وجمعت دراسة أجراها الباحث من جامعة شيفيلد في المملكة المتحدة، ألاسدير راي، في عام 2018، سلسلة من الخرائط المستخدمة لحساب الكثافة السكانية لكل كيلومتر مربع.
وكان البطل الأوروبي هو «لا فلوريدا»، وهو حي في لوسبيتاليت دي لوبريغات، بمنطقة كاتالونيا شمال شرق إسبانيا، ويبلغ عدد سكانه 53 ألفاً و119 نسمة، أي ضعف عدد سكان مانهاتن، لكن المشكلة، كما يحذّر الباحث، «كثافة السكان ليست مشكلة إذا كان هناك مساحة كافية في الشوارع للحياة وكانت الخدمات تعمل، بل المشكلة هي خنق الحياة خارج المنزل، وهذه الخصخصة للمساحة العامة».
مراكز رئيسة
عدد المسافرين إلى إسبانيا ارتفع إلى 321 مليون مسافر بحلول نهاية 2025 . رويترز
أظهرت بيانات حركة المرور في المطارات الإسبانية، ارتفاع عدد المسافرين إلى إسبانيا خلال عام 2019، قبل جائحة «كورونا»، من 275 مليون مسافر إلى أكثر من 321 مليون مسافر بحلول نهاية عام 2025، مع عدد قياسي من العمليات وكمية قياسية من نقل البضائع.
وتفسر جاذبية مدريد وبرشلونة وبالما وملقة وأليكانتي - وهي المراكز الرئيسة - هذا النمو الذي حدث دون أي اضطرابات تشغيلية بعد موجة قوية من الاستثمارات في العقد من 2000 إلى 2010.
وفي ذلك يقول مسؤول النقل في إسبانيا وحركة المسافرين، موريسي لوسينا: «بعد الجائحة مباشرة، جاءت الأزمة وتم التشكيك كثيراً في المطارات الموسعة، وكان ذلك خطأً، لكننا نجني الآن ثمار هذا الجهد، وحان الوقت لموجة قوية أخرى من الاستثمارات للتوسعات في برشلونة ومدريد وملقة وأليكانتي وبلباو وفالنسيا وتينيريفي». ومع ذلك، فإن نظام السكك الحديدية في عين العاصفة. ووقع حادث أداموز في 18 يناير الذي أودى بحياة 46 شخصاً، بعد فترة طويلة من الاضطرابات في الشبكة والخدمات، ما أدى إلى تأخيرات وازدحام في المحطات، الأمر الذي أثار غضب المستخدمين بالفعل. وفي أعقاب هذه المأساة، تم تشديد إجراءات السلامة، وتعليق الرحلات، وإطالة أوقات السفر، ومن المتوقع أن تستمر هذه الصعوبات لفترة طويلة.
لقد أصبحت القطارات وأنظمة النقل قديمة في حين زاد عدد الركاب، ويتجلى ذلك بشكل خاص في السكك الحديدية عالية السرعة، حيث تعمل الآن شركتان أخريان، «ويغو» و«لريو»، على المسارات نفسها التي كانت تخدمها في السابق شركة واحدة فقط، وهي «رانف آي في إي». وقد أدت المنافسة إلى انخفاض الأسعار وزيادة الطلب.
ويستخدم 10% من الركاب هذه القطارات عالية السرعة، وهو ضعف الرقم قبل الجائحة. ومع ذلك، تكشف البيانات المقارنة أن المشكلة لا تكمن في كثافة الاستخدام، بل في مدى ملاءمة نظام النقل. وخلص تقرير صادر عن اللجنة الوطنية للأسواق والمنافسة إلى أنه «من الضروري تحديد الاختناقات في البنية التحتية والمحطات، وتنفيذ التدابير اللازمة».
البحث عن العمل والرخاء
تتركز الأنشطة والوظائف في إسبانيا بالمناطق الحضرية الكبيرة، وهذا أمر واضح كل صباح في محطات القطار، وكذلك على الطرق السريعة.
ويقول عالم اجتماع في المجلس الوطني الإسباني للبحوث، خوليو بيريز دياز: «لطالما كان السبب وراء التنقل الجغرافي هو البحث عن العمل والرخاء، والآن نحن أكثر تركيزاً من أي وقت مضى، لأن هذا العمل والرخاء موجودان في العواصم وعلى الساحل».
ويضيف: «ما يميز إسبانيا هو كثافة هجرة الناس من منطقة إلى أخرى، وليس الأرقام المطلقة، مع أن إضافة 500 ألف شخص سنوياً أمر مهم».
وتجاوز عدد المقيمين الأجانب في إسبانيا 10 ملايين نسمة للمرة الأولى من إجمالي عدد السكان، وفقاً لبيانات صادرة في الأول من يناير 2026، نشرها المعهد الوطني للإحصاء الأسبوع الماضي.
ودون هذا التدفق من الناس، سيبدأ البلد في الانكماش، ولن ينمو الاقتصاد بالمعدل نفسه أيضاً. ووفقاً لتقرير صادر عن مؤسسة «فونكاس»، فإن مشاركة العمال الأجانب تُمثّل نحو نصف نمو الناتج المحلي الإجمالي لإسبانيا منذ عام 2022. ومع ذلك، فقد أشعلت هذه الظاهرة التوترات في إسبانيا، تماشياً مع الاتجاه السائد في بقية أوروبا، وأثارت مواقف متطرفة ضد الأجانب.
. عدد سكان مدريد تجاوز 3.5 ملايين نسمة للمرة الأولى في 2025، بينما وصل عدد السياح إلى 11.2 مليون سائح.
. توجد في إسبانيا مناطق فارغة، تسمى أحياناً «إسبانيا المهجورة»، بينما هناك في المقابل «إسبانيا المكتظة والمشبعة».