المهرجانات الأدبية فـي الهند تجذب مئات الآلاف وسط مبيعات محدودة للكتب
يروي مؤسس دار النشر «رولي بوكس»، الناشر الهندي برامود كابور، موقفاً طريفاً جمعه بلاعب «الكريكيت» الهندي، بيشان سينغ بيدي، عندما أخبره بأنه يعتزم طباعة 3000 نسخة فقط من سيرته الذاتية، مشيراً إلى أن بيدي استنكر الرقم، قائلاً بدهشة: كيف يُطبع هذا العدد الضئيل لكتاب يحمل اسمه، وهو الذي اعتاد أن تمتلئ المدرجات بعشرات الآلاف من المشجعين لمشاهدته؟ غير أن كابور أوضح أن الشعبية في الملاعب لا تعني بالضرورة إقبالاً مماثلاً على شراء الكتب، لافتاً إلى أن متوسط مبيعات الكتاب الإنجليزي في الهند يراوح بين 3000 و4000 نسخة، وفي حال تجاوز هذا الرقم حاجز الـ10 آلاف نسخة يُعد إنجازاً يضع الكتاب ضمن قائمة الأكثر مبيعاً.
هذه المفارقة تطرح تساؤلاً أعمق حول طبيعة علاقة المجتمع الهندي بالقراءة. فالهند، على الرغم من تاريخها الثقافي العريق، لا تمتلك تقليداً راسخاً في اقتناء الكتب وقراءتها.
ويصف الكاتب والصحافي بارسا فينكاتيشوار راو الابن، هذه الظاهرة بأنها لغز اجتماعي يستحق الدراسة، متسائلاً إن كان السبب يعود إلى قوة التراث الشفهي الذي طالما شكّل وسيلة أساسية لنقل القصص والملاحم عبر الأجيال، بحيث بقيت الحكاية المروية أكثر حضوراً من النص المكتوب.
ويعبر عن حيرته من محدودية عدد الهنود الذين يشترون الكتب ويقرأونها، رغم اتساع قاعدة المتعلمين.
تناقض لافت
وعند تأمل المشهد اليومي، تبدو هذه الملاحظة أكثر وضوحاً، فكثير من منازل الطبقة المتوسطة تخلو من مكتبات حقيقية، ونادراً ما يُشاهد أشخاص يقرأون في صالات المطارات أو محطات القطارات. بل إن بعض الأثرياء قد يقتنون نسخاً من مجلة «Reader’s Digest» ويجلدونها بالجلد الفاخر لعرضها في غرف الدراسة بوصفها عنصراً جمالياً أكثر من كونها مادة للقراءة.
ومع ذلك، يبرز تناقض لافت، فعند حلول فصل الشتاء، تحتضن الهند أكثر من 100 مهرجان أدبي سنوياً، حتى في المدن الصغيرة والنائية.
ويأتي في مقدمتها مهرجان «جايبور الأدبي»، الذي أعلن منظموه عن استقطاب نحو 400 ألف زائر في دورته الأخيرة. غير أن سر هذا الحضور الكثيف لا يكمن في الكتب وحدها، فالمهرجانات الأدبية في الهند تتحول إلى احتفالات ثقافية شاملة تضم الموسيقى والرقص والعروض الكوميدية والحرف اليدوية والطعام وعروض الأزياء، ما يجعلها أقرب إلى كرنفالات مفتوحة منها إلى فعاليات قراءة تقليدية.
وتقول المديرة التنفيذية لدار نشر «فول سيركل» ومالكة متجر «كافي تيرتل» في دلهي، بريانكا مالهوترا، «إن شراء الكتب في الهند لايزال يُعد ترفاً بالنسبة لكثير من أبناء الطبقة المتوسطة والمتوسطة الدنيا». وتوضح أن كثيرين ينظرون إلى مهرجان الكتاب باعتباره مناسبة اجتماعية وثقافية، حيث يشكّل الكتاب خلفية للحدث لا محوره الأساسي.
عروض متنوعة
وفي مهرجان «بنارس الأدبي» الذي يقام في مدينة فاراناسي، امتلأت إحدى قاعات المهرجان بالحضور لمتابعة نقاش حول المنافسة بين الشاشات والكتب، بينما كانت الساحات الخارجية تضج بالأنشطة الفنية والعروض المتنوعة. وتنوعت الفعاليات بين المسرح الصامت والكوميديا ومعارض السجاد وأقمشة الساري وعروض الأزياء، وصولاً إلى حفل موسيقي قدّمه عازف كلاسيكي حائز جائزة «غرامي» أمام جمهور متحمس.
وفي هذا الجو الاحتفالي، كان الأطفال والزوار يتنقلون بمرح، ويلتقطون الصور، ويشاركون في الأنشطة، في أجواء أقرب إلى مهرجان ترفيهي شامل.
ويرى رئيس المهرجان وصاحب سلسلة مدارس «صن بيم» في المدينة، ديباك مادوك، أن الاكتفاء بالنقاشات الفكرية العميقة لا يكفي لجذب الجمهور، خصوصاً الأطفال، لذا يحرص على توفير برنامج متنوع يوازن بين الترفيه والمحتوى الثقافي، بل يشجع طلابه على حضور جلسة أدبية واحدة على الأقل ومناقشتها لاحقاً في المدرسة، على أمل أن يزيد اهتمامهم بالقراءة بمرور الوقت. ويلتفت مادوك عندما اقترب أحد الطلاب، وقال: «أنا هنا لأني أحب التاريخ، لكن التاريخ غير الموجود في نصوص الكتب». وقال مادوك: «انظروا، إنه هنا الآن لدراسة التاريخ، لكن ربما في العام المقبل يدخل إحدى الجلسات، فتثير ملاحظة عابرة من أحد المؤلفين اهتمامه بموضوع آخر. وآمل أن نجد جيلاً جديداً من القراء، الذين يهتمون لأمر الكتب وقراءتها».
فجوة
ورغم الارتفاع الملحوظ في معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة في الهند، لاتزال الفجوة تتسع بين القدرة على القراءة وتحويلها إلى عادة يومية راسخة من أجل المتعة والمعرفة. فبالنسبة لكثير من الأسر، قد تقتصر النزهة الأسبوعية على زيارة مركز تجاري وتناول وجبة سريعة، بينما يمثل المهرجان الأدبي، بأجوائه الاحتفالية وحضور شخصيات لامعة من نجوم السينما والرياضة، تغييراً مرحباً به، لاسيما أن الدخول إليه غالباً ما يكون مجانياً.
من جهتها، ترى المؤسسة المشاركة لدار «جاغرنوت بوكس»، تشيكي ساركار، أن الهند لم تصل بعد إلى مرحلة المجتمع القارئ على نطاق واسع، وأن المهرجانات تمنح الحضور فرصة للظهور بمظهر ثقافي لافت أكثر مما تخلق تفاعلاً حقيقياً مع الكتب.
ويذهب الدبلوماسي السابق والمؤلف بافان فارما إلى أبعد من ذلك، حيث يعتقد أن مستوى الذائقة الأدبية قد تراجع، مشيراً في مقال نشرته صحيفة «هندوستان تايمز» إلى أن كثيراً من القراء يفضلون النصوص القصيرة والسريعة التي يمكن استهلاكها خلال رحلة قصيرة، بدلاً من الأعمال الأدبية العميقة ذات القيمة الدائمة.
وهكذا، تبدو المهرجانات الأدبية في الهند مزدهرة من حيث الحضور والحيوية، لكنها تعكس في الوقت ذاته تحدياً ثقافياً مستمراً، يتمثل في تحويل هذا الزخم الاحتفالي إلى عادة قراءة راسخة ومستدامة.
عن «الغارديان»
الهواتف الذكية
قالت المديرة التنفيذية لدار نشر «فول سيركل» ومالكة متجر «كافي تيرتل» في دلهي، بريانكا مالهوترا، إن الهواتف الذكية زادت من تعقيد المشهد، فالهند تُعد من أكبر مستهلكي بيانات الهاتف المحمول في العالم، ما جعل مقاطع الفيديو القصيرة ومنصات المشاهدة والألعاب الرقمية تستحوذ على جانب كبير من أوقات الفراغ التي كانت تُخصص سابقاً للقراءة.
. المهرجانات الأدبية تتحول إلى احتفالات ثقافية شاملة تضم فعاليات متنوعة، ما يجعلها أقرب إلى كرنفالات مفتوحة.
الأدب الإقليمي
الكاتب الأميركي دان موريسون خلال حضور مهرجان «فاراناسي الأدبي ». من المصدر
كان الكاتب الأميركي دان موريسون، المعروف بروايته «مسمم البنغال»، التي تُعرف في المملكة المتحدة بعنوان «الأمير والمسمم»، حاضراً في مهرجان «فاراناسي الأدبي». وعلى الرغم من مظهر الإرهاق الذي كان يبدو عليه بشكل واضح، إلا أنه بدا سعيداً ومتحمساً للتفاعل مع المعجبين، والتقاط الصور التذكارية معهم.
وقال موريسون إن الأدب الإقليمي يتيح للقراء الغوص في عوالم مختلفة، تكون غالباً مغلقة أمام الأشخاص الذين لا ينتمون إلى تلك المنطقة أو الولاية، مضيفاً: «تشعر أحياناً بأن شيئاً عظيماً يجري تحضيره، لكنك لا تستطيع تحديد ماهيته، ولن تدرك ذلك إلا حين تتم ترجمته إلى اللغة الإنجليزية».
كما أشار إلى أن كثرة المهرجانات الأدبية اليوم تُعد علامة على ما يسميه «إضفاء الطابع الديمقراطي على الأدب»، حيث أصبحت هذه الفعاليات تُقام في أماكن كان من المعتاد أن يسخر الناس منها قبل نحو عقد من الزمن.
وبغض النظر عن الأسباب التي تدفع الأشخاص غير المهتمين بالقراءة إلى حضور هذه المهرجانات، يرى موريسون أنه لا يوجد شيء سلبي في ذلك على الإطلاق. فحتى لو كان هؤلاء الحضور لا يقرأون بانتظام، فهم على الأقل محاطون بالثقافة والكتب، بدل الانشغال بالشاشات الرقمية طوال الوقت.
وفي أجواء المهرجان، ومع انطلاق أصوات المزمار التي تتردد عبر المروج، تتنافس فرقة «راب» محلية مع العزف الفلسفي للطالبة آريا موهان، البالغة من العمر 22 عاماً، والتي تدرس الأدب الإنجليزي في جامعة باناراس بالهند.
وتتميز آريا بشغفها بالقراءة، فهي تقرأ أعمال الكاتب البريطاني الأميركي كريستوفر هيتشنز، إضافة إلى رواية «الجريمة والعقاب» للروائي الروسي فلاديمير ديستوفسكي، ما يجعلها تبرز بين كثير من الحاضرين الذين يبدون ضائعين أو بلا هدف محدد. ومع ذلك، تظل آريا متفائلة وتستمتع بجو المهرجان الثقافي الغني بالألوان والأنشطة الأدبية.
المشهد الأدبي المحلي
الكاتبة بانو مشتاق أصبحت اسماً بارزاً في ولايتها. من المصدر
على الرغم من أن شريحة واسعة من الهنود تجيد التحدث باللغة الإنجليزية، فإن الكتب المؤلفة بهذه اللغة لا تمثل سوى جزء محدود من المشهد الأدبي في البلاد. فاللغة الإنجليزية بالنسبة إلى معظم السكان تُستخدم بوصفها أداة عملية للتواصل والعمل والتعليم، لكنها ليست اللغة التي تتشكل بها أفكارهم العميقة أو تتجسد فيها مشاعرهم اليومية من حب وكره وأحلام وتطلعات، حيث إن هذه الجوانب الحياتية تتجذر في اللغات التي نشأوا عليها وتربوا في بيئاتها الثقافية.
ومع ذلك، تبقى البيانات الدقيقة المتعلقة بحجم مبيعات الكتب الصادرة باللغات المحلية قليلة ومتفرقة، الأمر الذي يجعل من الصعب تكوين صورة إحصائية واضحة عن هذا القطاع الحيوي.
ويرى بعض المراقبين أن معدلات القراءة باللغات المحلية، مثل الهندية أو الغوجراتية أو التاميلية أو البنغالية، إضافة إلى غيرها من اللغات الهندية التي يبلغ عددها 24 لغة معترفاً بها، قد تكون في الواقع أعلى من نظيرتها باللغة الإنجليزية. غير أن المكانة الرفيعة التي تحظى بها الإنجليزية في الهند، سواء من حيث النفوذ الثقافي أو الامتداد العالمي، تجعل أي كتاب يظل محدود الانتشار داخل نطاق ولايته أو لغته الأصلية ما لم يُترجم إلى الإنجليزية، حيث تُعد الترجمة حينها بوابة عبور إلى فضاء أوسع، وغالباً ما ينظر إليها باعتبارها وسيلة للوصول إلى النخب القرائية داخل الهند وخارجها.
وفي هذا السياق، يشير الكاتب والصحافي بارسا فينكاتيشوار راو الابن، إلى غياب الإحصاءات الدقيقة حول مبيعات الكتب باللغات المحلية، واصفاً هذا المجال بأنه يكتنفه قدر من الغموض. لكنه يؤكد، استناداً إلى خبراته وتجربته الشخصية، أن المشهد الأدبي المحلي يتمتع بحيوية لافتة، حيث تدور نقاشات معمقة وواسعة حول الكُتّاب وأعمالهم والأفكار التي يطرحونها. ويضيف أن للمؤلفين في هذه البيئات تأثيراً ملموساً، إذ تحظى آراؤهم بشأن القضايا الاجتماعية والسياسية في ولاياتهم بوزن كبير وأهمية خاصة لدى الجمهور.
ومن الأمثلة البارزة على ذلك الكاتبة بانو مشتاق، المتخصصة في الدفاع عن حقوق النساء، والتي كرّست جانباً كبيراً من مسيرتها المهنية لتوثيق حياة النساء المسلمات من خلال الكتابة باللغة الكنادية، وهي اللغة السائدة في ولاية كارناتاكا الواقعة في جنوب الهند. وقد أصبحت اسماً بارزاً ولامعاً في ولايتها، ونالت تقديراً واسعاً تُرجم إلى حصولها على العديد من الجوائز، تقديراً لإسهاماتها الأدبية ودورها في تسليط الضوء على قضايا المرأة والمجتمع.