المدارس الدينية في إندونيسيا تكافح التطرف
عقب انتهاء صلاة العشاء، من كل يوم، يحزم طلاب مدرسة «بوندوك دار السلام غونتور» الإسلامية، حقائبهم ليغادروا المبنى بعد يوم دراسي طويل. ويبدو الطلاب نشطين، في الوقت الذي ينتظمون فيه للخروج. وتنتشر المدارس الدينية في جميع أرجاء البلاد، ويرتادها الآلاف من الطلبة. وعندما نالت إندونيسيا استقلالها في 1945، لم يكن التعليم أولوية بالنسبة إلى الأمة الفقيرة، إذ لم يكن باستطاعة الحكومة أن تقدم التعليم مجاناً لشعب غالبيته غير قادر على دفع التكاليف. ويقدر عدد المدارس الدينية بنحو 26 ألفاً و445 مدرسة.
| حليف ضد التطرف اكتسبت المدارس الدينية، بشكل عام، سمعة طيبة في إندونيسيا وخارجها، وأصبحت مؤسسات تعليمية منافسة في عدد من المجالات. وفي مجملها، لا تعتبر هذه المدارس مكاناً للتعصب الديني والتطرف، عدا عن أن المتطرفين في البلاد يستغلون «أجواء» التسيب في الجامعات غير الدينية، وأيضاً في مساجد القرى والأرياف، حيث أغلبية السكان من المزارعين غير المتعلمين. أما خريجو المؤسسات الدينية فهم، وفقاً لباحثين غربيين، أشد صلة بمجتمعاتهم المحلية، وأكثر فهماً لتعاليم الدين وتقبلاً للآخر. وتقول سيدني جونز إن الطالب في المدرسة الدينية لديه شعور واضح وثابت بالهوية، وبالتالي فهو يعتبر بمثابة درع واقية من التطرف. وتعتبر الباحثة الأسترالية أن المدارس الدينية في إندونيسيا ليست في دائرة الاتهام، لكنها حليفة في محاربة التطرف. جذور تاريخية لدى معظم المدارس الدينية جذور تاريخية، وخلال العقود الأخيرة أنشأت منظمات مدنية مدارس جديدة في ظل الازدهار الاقتصادي وزيادة الطلب على التعليم. ومن بين المؤسسات التي افتتحت، أخيراً، «المدرسة الدولية الداخلية الإسلامية»، غرب جزيرة جاوا، التي بدأت في استقبال الطلاب في 2007، ومثل غيرها من المدارس الداخلية، يسمح للطلاب بالمكوث لدى أهاليهم لفترة وجيزة في الإجازات. ومن العناصر المغرية لدى هذه المدرسة، كونها مرفقاً حديثاً نسبياً، فهي مزودة بمكيفات الهواء وأجهزة الكمبيوتر، فضلاً عن الدروس العالية المستوى التي يقدمها مدرسون من حملة الشهادات العليا. ورداً على الاتهامات الموجهة للمدارس الدينية بسعيها وراء الربح بعد عقود من العمل الخيري، يقول القائمون عليها إن المال الذي يتم تحصيله من عائلات الطلبة، ينفق لتسديد أجور المدرسين، وتحديث المدارس وتوسيعها، فضلاً عن ذلك يتم التكفل باحتياجات الطلاب، بما في ذلك الكتب والزي المدرسي، والأنشطة خارج الصفوف. وتقدم بعض المدارس منحاً تعليمية للطلاب من خلفيات مختلفة، وأبناء المدرسين والأسر الفقيرة. وإذا كانت بعض المدارس الدينية مكلفة للأهالي، فهناك مدارس أخرى مازالت مجانية، توفر التعليم للفقراء في البلدات الصغيرة والقرى في آلاف الجزر في أرخبيل إندونيسيا. ومع ذلك، ليس هناك ما يضمن أن المدارس الدينية ستظل تقدم التعليم المجاني مستقبلاً، وتحديداً إذا حقق الاقتصاد المحلي نمواً أسرع من المتوقع، وحين تدخل هذه المدارس في منافسة مباشرة مع قوى أخرى. قيم أساسية تأسست «دار النجاح» في 1974، وتعتبر هذه المدرسة من أكبر المدارس الإسلامية في إندونيسيا. وتضم المدرسة، التي توجد جنوب جاكرتا، أكثر من 6500 طالب يأتون من جميع أنحاء البلاد. وفضلاً عن المبنى الرئيس الذي يضم الفصول الدراسية وقاعات المحاضرات، يوجد هناك مسجد ومسبح كبيران، والعديد من المضاجع للذكور، وأخرى للبنات. ويصف مراقبون غربيون المناهج التعليمية في «دار النجاح» بالمعتدلة والمتسامحة. وأطلقت إدارة المدرسة برامج دراسية مختلطة مع جامعات غربية، ووقعت مع مدارس بريطانية وأميركية. ولديها 15 فرعاً منتشرة في الجزر الإندونيسية. وتضم المؤسسة التعليمية طلبة من الطبقة الوسطى، ويدفع الطالب 100 دولار شهرياً، إلا أن المدرسة تقدم منحاً دراسياً لأولئك الذين يتعذر على عائلاتهم دفع الرسوم المدرسية. ويركز مدير المدرسة، سفيان وناف، على القيم والأخلاق، منها الانضباط والنظام لأنهما أساسيان في مدرسة مكتظة بالطلبة. وفي ذلك يقول: «هناك المئات من الأشخاص يستيقظون في الصباح الباكر، وجميعهم يريدون استخدام المغاسل»، مضيفاً «لذا يتعين أن يتعلموا كيف يشاركون الآخرين ويحترمونهم، كما يتعلمون كيفية حل الخلافات في ما بينهم، الأمر الذي يعتبر جزءاً من حياة الطالب هنا». |
وعلى خلاف المدارس الدينية في بعض الدول الإسلامية، تقدم مدارس إندونيسيا مناهج متنوعة، وتركز على العلوم والتاريخ والزراعة والميكانيك، بالإضافة إلى المواد الشرعية.
أنشئت المدارس الدينية في هذا البلد، الذي يعتبر أكبر البلدان الإسلامية من حيث عدد السكان، منذ قرون، إلى أن وضعت تحت المجهر بعد وقوع عدد من الهجمات الإرهابية، فقد واجهت اتهامات بانها مراكز لإنتاج التطرف، وسلطت الأضواء على هذه المؤسسات التعليمية بعد تفجيرات بالي في 2002، عندما اتهم الزعيم الديني أبوبكر باعشير - الذي يشكل مرجعية دينية لكثير من المدارس الإسلامية - بأنه الزعيم الروحي لشبكة الجماعة الإسلامية التي تبنت التفجيرات التي راح ضحيتها أكثر من 200 شخص. ووفقاً لمكتب مكافحة الإرهاب الإندونيسي فإن تنظيم «داعش» الإرهابي تمكن من تجنيد 100 شاب بحلول ديسمبر 2014. وتتهم مجموعة من المدارس بعلاقتها بالتنظيمات المتطرفة؛ ومن المدارس سيئة السمعة في البلاد مدرسة «المكمن» في مدينة «نيغروكي»، ويقال إن عدداً من الخريجين فيها لهم صلة بالجماعة الإسلامية المحظورة.
طريقة جيدة
في سياق متصل، تعتقد مديرة معهد دراسة النزاعات، الأسترالية سيدني جونز، أن 40 مؤسسة تعليمية فقط من بين آلاف المدارس لها صلات مع جهات متطرفة. وتضيف جونز، التي تدير المعهد في جاكرتا، أن نحو 200 مدرسة تتبنى فلسفة تقليدية، لكنها لا تدرّس العنف. ووفقاً للدستور الإندونيسي، يتعين على الحكومة توفير التعليم المجاني حتى المرحلة الثانوية لجميع السكان. ولكن بعض المدارس الدينية باتت لها مكانتها، وتقدم تعليماً عالي الجودة للطلبة من أبناء الطبقة المتوسطة، في المدن الكبرى.
ويرى المسؤول في مؤسسة «الأزهر» الخاصة، سيسيب كورنيا سوغوز: «إنها هيبة المبنى التي تجعلنا نقدم أكثر مما تقدمه المدارس الحكومية». وتكاليف رسوم دخول المدرسة الثانوية 2500 دولار للسنة الأولى، بما في ذلك رسم الدخول والرسوم الشهرية. أما الرسوم الدراسية للسنة الثانية وما يليها، فتبلغ نحو 65 دولاراً في الشهر، وقد لا يبدو هذا الرقم كبيراً، لكنه أكثر من نصف الراتب الشهري في جاكرتا.
ومن خلال متابعتها لعمل المدارس الدينية، خلصت سيدني جونز، إلى أن هذه المؤسسات تركز على «إعداد المواطنين بشكل جيد من خلال تعزيز القدرات الشخصية وانتمائهم الوطني»، مضيفة ان انضباطها الشديد، ومناهجها التعليمية المتنوعة، يشكلان حصناً منيعاً ضد التطرف. ومن بين خريجي مدارس «غونتور» الدينية، وزير الشؤون الدينية الحالي ورئيس مجلس العلماء الإندونيسي، لقمان حكيم صفي الدين، الذي يعتبر مستشاراً دينياً للحكومة.
نشاطات متعددة
يقول كبير المدرسين في المدرسة الدولية الداخلية الإسلامية، زري نوفيان: «مفهومنا يرتكز على تقديم الأفضل للطلاب. ومن الأمثلة على ذلك اننا ندفع فاتورة كهرباء خاصة تضمن لنا الحصول على الكهرباء، في وقت تتعرض فيه هذه المنطقة لانقطاع في التيار». ويدفع أهالي الطالب الراغب بالالتحاق بالمدرسة الداخلية هذه 9000 دولار. وعلى الطلاب في السنتين الأوليين الانضمام إلى رحلات للخارج. وكان من ضمن خيارات العام الماضي التعرف الى العادات الاجتماعية في الأردن، وأسلوب الحياة في كندا، وأمضى الطلاب شهراً في أحد البلدين، ودفع أهلهم 5000 دولار للرحلة.
يقول هرمان ساني، وهو رجل أعمال يرسل ثلاثة من أولاده إلى المدرسة الدولية الداخلية الإسلامية: «أعتقد أن المبلغ الذي ننفقه زهيد مقارنة مع المردود الذي نتلقاه. طريقتهم في التدريس جيدة، والمال ليس بمشكلة». وقد ضمن اثنان من أبنائه مكانهما في «جامعة إندونيسيا»، إحدى أعرق الجامعات في جاكرتا، على أمل أن يلتحق ابنه الثالث في المستقبل.
يضطر الكثير من الآباء إلى إرسال أطفالهم إلى مدارس دينية منخفضة التكاليف أو مجانية، فالفرص محدودة بالنسبة للعائلات الفقيرة في بلد يشهد تناقضات كبيرة، وغياب للمساواة بين أفراد الشعب. ويتعلم الأطفال كيفية العيش مستقلين، كما يتعلمون قيم المساواة وحسن التدبير. وفي مدارس الفقراء، مثل «بوندوك دار السلام» يتشارك 30 تلميذاً غرفة واحدة أحياناً، ولديهم القليل من الكتب واللباس، ولا يعودون إلى منازلهم سوى في العطل والأعياد. وتحث المدارس طلابها على احترام الأديان الأخرى، وتبث فيهم قيم التسامح.
ثقافة النقاش
ويقول دياهيوتن مسكون أحمد، وهو من الأساتذة القدامى، وعمل في عدد من المدارس الإسلامية، أن مدارس «غونتور» الإسلامية التزمت الحياد في ما يخص الأحزاب السياسية، ويضيف «مدارسنا تعتبر نقطة التقاء لجميع الفصائل»، وتشجع المناهج المدرسية الاطلاع على الأديان الأخرى ولا تحرض على الكراهية، ضد أي دين أو مذهب. وتقوم المدارس باستضافة رجال دين مسيحيين لمناقشة مسائل مختلفة.