التحوّل عنها لن يكون سهلاً

أوروبا تتعلم كيف تعيش من دون الطاقة الروسية

صورة

خلال الأسبوع الماضي زار المستشار الألماني، أولاف شولتس، وكبار المسؤولين الألمان ميناء فلهلمشافين شمال ألمانيا، لتدشين أول محطة عائمة لتخزين الغاز الطبيعي المسال في ألمانيا. وهي الأولى من نوعها ضمن خمس محطات من المقرر أن يتم إنشاؤها في موانئ على بحرَي الشمال والبلطيق، وهي جزء من استراتيجية ألمانيا للبقاء في هذا الشتاء، والذي يليه، وما بعده، دون الحاجة إلى استيراد الغاز الروسي، الذي باتت ألمانيا والعديد من دول الاتحاد الأوروبي تعتمد عليه. وقال شولتس: «إنه يوم جيد لدولتنا وإشارة طيبة إلى العالم تفيد بأن الاقتصاد الألماني سيكون في وضع جيد وينتج ويتعامل مع هذه التحديات». وأضاف: «عندما قلنا على سبيل المثال، يجب بناء مثل هذه المحطة هنا في (فلهلمشافين) هذا العام، ادّعى كثيرون أن ذلك غير ممكن، وأننا لن ننجح في ذلك، وكان العكس صحيحاً».

ومنذ الحرب في أوكرانيا، أي قبل نحو 10 أشهر، تعلمت الدول الأوروبية، مثل ألمانيا، الطريقة الصعبة وهي: كيف نعيش من دون الطاقة الروسية. ومنذ البداية سعت روسيا إلى استخدام اعتماد أوروبا على الطاقة الروسية كسلاح، بهدف إضعاف الجبهة الموحّدة للاتحاد الأوروبي ودعم أوكرانيا، ولكنها فشلت.

وعندما أوقفت روسيا تدفق الغاز عن أوروبا عبر أنبوب «نورد ستريم1» في سبتمبر الماضي، حذّر قادة الاتحاد الأوروبي من أن ذلك سيؤدي إلى أزمة كبيرة في الاتحاد، وسارع عدد من دول الاتحاد، من بينهم ألمانيا، إلى اتخاذ إجراءات لخفض استخدام الطاقة، وحثت المواطنين على القيام بذلك. ومع ذلك سبب ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم الكبير ضغطاً كبيراً على جيوب الأوروبيين، وعلى أرباح الشركات. وقال الخبير في مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية، بن كاهيل: «ليس من السهل التحوّل بسرعة عما كنت تعتمد عليه منذ عقود. ولكن أوروبا تمكنت من الاستعداد بصورة معقولة للشتاء وبسرعة».

المقبل أشد قسوة

وأضاف كاهيل: «سيكون الشتاء المقبل أكثر قسوة بكثير، بالنظر إلى أنه سيتعين على دول الاتحاد الأوروبي البدء باستهلاك الطاقة دون الحاجة إلى روسيا بالمطلق. وهذا يعني إعادة ملء خزانات الغاز في الصيف المقبل دون تدفقات الغاز الروسي الرخيص». وقال كاهيل: «التحدي الأكبر سيكون ما الذي سيحدث في السنوات المقبلة، لأن الأمور ستكون أشد قسوة».

التحوّل عن الطاقة الروسية له تكاليفه

وهذا لا يعني أن هذا الشتاء سيكون سهلاً، إذ إن التحوّل السريع عن الطاقة الروسية كان له تكاليفه، سواء بالنسبة للبيوت أو الشركات التي تسعى جاهدة إلى مواكبة ارتفاع أسعار الطاقة، إضافة إلى الدول التي تصدر حزم إنقاذ لمساعدة المستهلكين والتجار ليتمكنوا من تغطية فواتيرهم. وإذا كان الشتاء بارداً للغاية، ربما سيؤدي إلى ارتفاع استخدام الطاقة، ما يضعف المدخرات بسرعة أكبر، ويجدد المخاوف بشأن حدوث نقص محتمل.

وحذّر رئيس منظمة وكالة الشبكات الفيدرالية في ألمانيا، كلاوس موللر، من أن مثل هذا الاستخدام يجب أن «يظل غريباً». وقال: «لقد اتخذنا احتياطات جيدة، ولكننا بحاجة إلى أن نظل حذرين»، ولكن هذا الوضع أجبر قادة الاتحاد الأوروبي للتدخل والعمل سريعاً لسد الثغرة الناجمة عن توقف الاستيراد من روسيا. وحوّلوا انتباههم إلى الطرق التي تؤثر فيها الحرب، وفي جوانب أخرى، قدموا المساعدة لتحقيق أهداف الاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة على المدى البعيد.

جوانب إيجابية لحرب أوكرانيا

وقال قادة الاتحاد الأوروبي إن لهذه الحرب بعض الجوانب الإيجابية من ناحية لفت انتباه الاتحاد إلى العمل في مجال الطاقة المتجددة. وباتت الدول التي رفضت في السابق الخوض في هذا المجال تعمل به الآن، وأما التي كانت تعمل به في الأصل، فقد زادت من حجم استثماراتها به. ووافق الاتحاد الأوروبي بزيادة أهدافه في الطاقة المتجددة بنحو 45% بحلول 2030 هذا الأسبوع، بعد أن كانت هذه النسبة 40% سابقاً. ويشير تقرير صادر عن وكالة الطاقة الذرية إلى أن العالم سيزيد من اهتمامه بالطاقة المتجددة خلال السنوات الخمس المقبلة، بالقدر ذاته الذي عمل به خلال العقدين الماضيين. وقال عضو الاتحاد الأوروبي من الحزب الاجتماعي الديمقراطي وهو من يسار الوسط، تيمو فولكين: «أعتقد أن هذه الحرب في أوكرانيا ستغير الكثير من الأشياء، وسنستغني عن الوقود الاحفوري بسرعة».

ولكن لا يمكنك صنع الفضة دون الحصول على بعض الخبث. ففي الجهود المبذولة لاستبدال الطاقة الروسية على المدى القريب، ستقوم بعض الدول، مثل ألمانيا، بإعادة تشغيل بعض محطات الطاقة العاملة بالفحم لسد فجوة الطاقة الناجمة عن عدم استيراد الطاقة الروسية. وكذلك فرنسا، والنمسا، وهولندا، وإيطاليا ستعيد تشغيل محطات عاملة بالفحم لإنتاج الطاقة.

وتتفاوض دول الاتحاد الأوروبي مع دول، مثل قطر، للحصول على الطاقة. ويقول نائب رئيس حزب «غرينلينك» (حزب أخضر هولندي) في البرلمان الأوروبي، باس إيكهوت: «إذا واصلنا شراء الغاز بالعقود ذاتها حتى عام 2030، فسيكون لدينا من الغاز أكثر مما كنا نشتريه من روسيا، وهو ما سيؤثر سلباً في سياسة الاهتمام بتغيّر المناخ، وتخفيض انبعاثات الوقود الأحفوري».

 

الأوروبيون يوافقون على دعم أوكرانيا

ويثير كل هذا الجدل تساؤلاً مفاده: «ما لذي ستعنيه جهود دول أوروبا المنسقة للتعويض عن استيراد الغاز الروسي بالنسبة لاستراتيجية الكرملين. ويظل الدعم الموجه إلى أوكرانيا كبيراً». وأشار استطلاع «يوروبارومتر» للرأي هذا الشهر إلى أن 74% من الذين شاركوا فيه يوافقون على جهود أوروبا بدعم أوكرانيا. وهناك بعض الاحتجاجات المتفرقة في بعض الدول مثل هنغاريا، التي لاتزال تغازل الطاقة الروسية. ولكن يبدو أن الكرملين لن يتمكن من إضعاف الدعم لأوكرانيا، باستخدام سلاح الطاقة. فما هي الأدوات التي يمكن ان يستخدمها ضده؟

وقال كاهيل: «من المبكر جداً القول ما الذي يمكن أن يعنيه ذلك بالنسبة للاستراتيجية الروسية للمضي قدماً من ناحية، لأن الجولة التالية من العقوبات على صادرات روسيا، لن تدخل حيز التنفيذ حتى بداية فبراير 2023. وإذا ردّت روسيا بصورة انتقامية عن طريق زيادة خفضها لإمدادات الطاقة لأوروبا، فإنها تعاقب الدول التي تحتاجها بصورة ماسة، مثل تركيا والصين. وأضاف كاهيل: «سيكون كمن يعاقب نفسه، ولكن كل الاحتمالات واردة».

• التحوّل السريع عن الطاقة الروسية كان له تكاليفه، سواء بالنسبة للبيوت أو الشركات التي تسعى جاهدة إلى مواكبة ارتفاع أسعار الطاقة، إضافة إلى الدول التي تصدر حزم إنقاذ لمساعدة المستهلكين والتجار ليتمكنوا من تغطية فواتيرهم.

• قال قادة الاتحاد الأوروبي إن لهذه الحرب بعض الجوانب الإيجابية من ناحية لفت انتباه الاتحاد إلى العمل في مجال الطاقة المتجدّدة.

• إذا كان الشتاء بارداً للغاية ربما سيؤدي إلى ارتفاع استخدام الطاقة، ما يضعف المدخرات بسرعة أكبر، ويجدد المخاوف بشأن حدوث نقص محتمل.

 • يشير تقرير صادر عن وكالة الطاقة الذرية أن العالم سيزيد اهتمامه بالطاقة المتجددة، خلال السنوات الخمس المقبلة.

إيميلي شولتهايز ■ صحافية مستقلة متخصصة في أوروبا ومقيمة في برلين

طباعة