تصاعد المخاوف الدولية حيال الأوضاع المتردية

    عقبات عدة تحول دون خروج لبنان من مأزقه الاقتصادي

    صورة

    ينذر اندلاع الاحتجاجات الشعبية في لبنان، والناجمة عن سوء الأحوال المعيشية، بمزيد من تفاقم الأوضاع الاقتصادية في البلاد، التي تعاني بالأساس تحديات مالية ونقدية واسعة منذ سنوات طويلة. ومن شأن التطورات الأخيرة أن تؤثر بشدة في نشاط القطاعات الرئيسة مثل السياحة والعقارات، ما قد ينتج عنه انكماش الاقتصاد وتقويض المركز المالي للبلاد. وللخروج من المأزق الاقتصادي والسياسي الراهن، يحتاج لبنان لإقناع شركائه بتقديم مساعدات عاجلة منخفضة الكلفة له، من أجل مساندة اقتصاده ودعم موقفه المالي، وتنفيذ مشروعات بالقطاعات الحيوية مثل الكهرباء، وتوفير السلع الأساسية من الوقود والقمح، بما يساعد في نهاية المطاف في تخفيف حدة الاحتقان الشعبي.

    ضغوط معيشية

    يواجه لبنان احتجاجات شعبية مستمرة منذ أيام عدة، اعتراضاً على الأعباء الضريبية الجديدة التي فرضتها الحكومة على المواطنين أخيراً، وفي صدارتها رسوم المكالمات عبر تطبيقات الإنترنت مثل «واتس أب»، قبل أن تتراجع عن تطبيقها لاحقاً بسبب الاحتقان الشعبي. وسبق أن شهد لبنان احتجاجات متكررة في الأشهر الماضية، بالتوازي مع اتجاه الحكومة لتقليص الرواتب الحكومية، وزيادة الأعباء الضريبية في مسعى لاحتواء عجز الموازنة العامة وتصاعد الديون الحكومية.

    فضلاً عن ذلك، فقد تأثر المستوى المعيشي للسكان بشدة بسبب النمو الهزيل للاقتصاد في السنوات الماضية مع تفاقم الاضطرابات الإقليمية وسوء الإدارة الاقتصادية، والتي أثرت بشكل واضح في القطاعات الرئيسة مثل السياحة والعقارات. وطبقاً للبنك الدولي، شهد الناتج المحلي اللبناني نمواً محدوداً بنسبة 0.2% عام 2018، قبل أن ينكمش بحسب التوقعات بنسبة 0.2% بنهاية العام الجاري.

    وبالأساس، تعاني الحكومة ضعفاً متزايداً في مركزها المالي، بسبب ارتفاع مستوى الدين الحكومي إلى نحو 150.3% العام الماضي، طبقاً لبيانات البنك الدولي، وذلك نتيجة العجز المستمر في الموازنة العامة على مدار العقود الماضية، هذا في الوقت الذي تناقصت فيه احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي، نتيجة انحسار عائدات السياحة، وودائع غير المقيمين في الفترة الأخيرة.

    وقد تسببت هذه الأوضاع الاقتصادية في تصاعد المخاوف الدولية من احتمال تخلف لبنان عن سداد الالتزامات المالية المستحقة عليه. ووفقاً للتقديرات، فإن لبنان بصدد سداد ديون بقيمة 1.5 مليار دولار في نوفمبر المقبل، وديون أخرى بقيمة 2.5 مليار دولار في الفترة بين مارس ويونيو عام 2020. ونتيجة لذلك، أيضاً، قامت الوكالات الدولية بخفض التصنيف الائتماني للبنان. وفي أغسطس الماضي، خفضت وكالة «فيتش» تصنيفها لديون لبنان من B- إلى CCC، في مؤشر إلى تصاعد المخاطر المالية للسندات اللبنانية، بينما وضعت المؤسسات الأخرى مثل وكالة «ستاندرد آند بورز» و«موديز» تصنيف لبنان قيد المراجعة.

    تبعات محتملة

    من دون شك، ستؤدي التطورات الأخيرة إلى إرباك الأوضاع الاقتصادية في لبنان بشكل أكبر. ففور اندلاع الاحتجاجات الشعبية في الأيام الماضية، تأثر سوق الاقتراض الحكومي بشكل واضح، حيث انخفضت سندات لبنان السيادية الدولارية بشكل ملحوظ، كما ارتفعت كلفة التأمين على ديون لبنان لأجل خمس سنوات يوم الجمعة الماضية 14 نقطة أساس، مقارنة مع إغلاق الخميس إلى 1208 نقاط أساس.

    ومعنى ذلك أن لبنان سيواجه كلفة إضافية عند الاقتراض من الأسواق الدولية في الفترة المقبلة، طالما كانت الحكومة غير قادرة على احتواء الاحتجاجات الشعبية الحالية، وتقليص المخاطر السياسية، علماً بأن الحكومة كانت تنوي إصدار سندات «يوروبوند» بقيمة تراوح بين اثنين وثلاثة مليارات دولار في الأشهر المقبلة، لتغطية احتياجاتها والتزاماتها المالية.

    إلى جانب ذلك، من شأن التطورات الأخيرة أن تفرض ضغوطاً إضافية على القطاعات الرئيسة مثل السياحة والعقارات، حيث ستقوض الطلب عليها مع مخاوف المستثمرين الأجانب من ضخ رؤوس أموال فيها بسبب حالة القلق السياسي والاقتصادي الراهنة، ما سيُعرِّض الاقتصاد للانكماش بمستوى أكبر من توقعات المؤسسات الدولية.

    وعلى هذا النحو، ستضعف الأحداث قدرة الدولة على حشد موارد النقد الأجنبي، بما في ذلك عائدات السياحة وودائع غير المقيمين والاستثمارات الأجنبية، الأمر الذي قد يجعل من الصعب على المصرف المركزي دعم الاحتياطيات، وبالتالي قد تواجه الحكومة مشكلات في سداد التزامات الديون واستيراد السلع الأساسية.

    وإذا كان من المستبعد أن يقوم المصرف المركزي، رغم ضعف الاحتياطيات وشح العملات الصعبة، بفك ربط الليرة مع الدولار في الوقت الحالي، بسبب الآثار الاقتصادية السلبية والاجتماعية لمثل هذا القرار حالياً، فمن المحتمل للغاية أن تتسع الهوة بين سعر صرف الليرة في السوقين الرسمية والموازية، والتي تخطت قيمتها غير الرسمية بالأشهر الأخيرة أكثر من 1600 مقابل الدولار، في حين أن سعرها الرسمي ثابت عند 1507.5 ليرات.

    الخروج من المأزق

    تحت وطأة الضغوط الشعبية الراهنة، ستضطر الحكومة، على الأرجح، إلى تأجيل تنفيذ بعض الإصلاحات الاقتصادية المطروحة، مثل خفض أجور الموظفين العموميين، بجانب تجميد الزيادات الضريبية المقررة مثل ضريبة القيمة المضافة، وضريبة الاتصالات وغيرهما، لحين الوصول إلى توافق سياسي ومجتمعي حولها.

    وأمام هذا السيناريو، ربما لن يكون أمام الحكومة خيار آخر سوى مواصلة الاستدانة لتمويل الإنفاق الجاري والاستثماري، ما قد يؤدي إلى زيادة عجز الموازنة، وهذا ما قد يجعلها في القريب العاجل بحاجة لإعادة جدولة ديونها. ولتفادي هذا الإجراء الخطر، ربما تتحرك الحكومة سريعاً نحو طلب الحصول على مساعدات مالية منخفضة الكلفة من شركائها في المنطقة والعالم، أو تسهيل حصولها على جزء من تعهدات المانحين لها في مؤتمر «سيدر» في باريس، والبالغة 11 مليار دولار.

    ولاشك في أن حصولها على هذه المساعدات في مثل هذا التوقيت يحظى بأهمية جوهرية، لإنقاذ الاقتصاد في جوانب مختلفة، منها توفير تمويلات لصالح استيراد السلع الأساسية، مثل الوقود والخبز والأدوية، وإعادة بناء الاحتياطيات الأجنبية، من أجل دعم قيمة الليرة مقابل الدولار في سوق الصرف، وتنفيذ المشروعات في القطاعات الحيوية، مثل الكهرباء.

    من ناحيته، ربما لن يسمح المجتمع الدولي بتفاقم الأوضاع الاقتصادية والسياسية في لبنان أكثر من ذلك، ما قد يدفعه نحو تقديم مساعدات عاجلة لإنقاذ الاقتصاد، بيد أن ذلك لا ينفي حاجة الحكومة للالتزام أمام المانحين بالقيام بالإصلاحات الضرورية الداعمة لتوازن الاقتصاد، وتعزيز تنافسيته بالمستقبل، وذلك بعد التوافق المجتمعي والسياسي حولها، على أن تراعي في الوقت نفسه الأبعاد الاجتماعية.

    المجتمع الدولي

    ربما لن يسمح المجتمع الدولي بتفاقم الأوضاع الاقتصادية والسياسية في لبنان أكثر من ذلك، بما قد يدفعه نحو تقديم مساعدات عاجلة لإنقاذ الاقتصاد، بيد أن ذلك لا ينفي حاجة الحكومة للالتزام أمام المانحين بالقيام بالإصلاحات الضرورية، الداعمة لتوازن الاقتصاد وتعزيز تنافسيته في المستقبل، وذلك بعد التوافق المجتمعي والسياسي حولها، على أن تراعي في الوقت نفسه الأبعاد الاجتماعية.

    • طبقاً للبنك الدولي، شهد الناتج المحلي اللبناني نمواً محدوداً بنسبة 0.2% عام 2018.

    • الحكومة اللبنانية تعاني ضعفاً متزايداً في مركزها المالي، بسبب ارتفاع مستوى الدين الحكومي إلى نحو 150.3%، العام الماضي، طبقاً لبيانات البنك الدولي، وذلك نتيجة العجز المستمر في الموازنة العامة على مدار العقود الماضية، هذا في الوقت الذي تناقصت فيه احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي، نتيجة انحسار عائدات السياحة، وودائع غير المقيمين، في الفترة الأخيرة.

    طباعة