غزو العراق أسهم في إنجازه جو بايدن. غيتي

«الأسرار الرسمية».. فيلم أميركـي يفنِّد أكاذيب بايدن حول عدم تأييده لغزو العـراق

تمثل الجهود الأخيرة لنائب الرئيس الأميركي السابق، والمرشح الحالي للرئاسة الأميركية، جو بايدن، في إنكار سجله المتعلق بدعم حرب العراق، أعجوبة في التهرب والتملص، في الوقت الذي دحضت فيه أكاذيبه تقييمات عدة موثقة جيداً، الواحد تلو الآخر. وخلال هذا الشهر، ادعى بايدن أن تصويته لصالح الحرب في الكونغرس، كان بطريقة ما ليس من أجل شن الحرب. وزيادة في السخرية أنه بينما كان منغمساً بهذه المراوغة الكلامية، عرضت جميع دور السينما في جميع أنحاء الولايات المتحدة فيلماً، يكشف الأسلوب الخادع لحرب العراق، الذي ينتهجه بايدن.

ويركز هذا الفيلم، الذي يحمل اسم «الأسرار الرسمية» على الحقائق التاريخية، والنتائج الإنسانية المترتبة على التهرب من الكشف عنها. ويتحدث الفيلم عن الموظفة كاثرين غان، التي تلعب دورها الممثلة كيرا نايتلي، والتي تعمل في وكالة المخابرات البريطانية المعروفة باسم «جي سي إتش كيو» حيث تخاطر هذه الموظفة بدخول السجن لسنوات عدة، لأنها بذلت ما بوسعها لمنع حرب العراق، وتتحمل مسؤولية ذلك. لكن بايدن فعل ما بوسعه لتسهيل حدوث حرب العراق، ولايزال يتهرب من مسؤوليته إزاء ذلك.

وقبل نحو 16 عاماً، كان بايدن وغان يعملان من أجل هدفين متناقضين، في الوقت الذي كانت فيه الحرب على العراق تقترب. الصراحة مقابل الحيلة، والتضليل مقابل الصدق، والحرب مقابل السلام. واليوم أصبح صوتاهما متناقضين بصورة صارخة.

وتتذكر غان أن كلاً من الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، ورئيس الحكومة البريطاني توني بلير، كانا «متعطشين للحصول على غطاء الأمم المتحدة»، من أجل غزوهما الوشيك على العراق بداية عام 2003. وفي اليوم الأخير من شهر يناير من العام ذاته، شاهدت غان مذكرة من وكالة الأمن القومي في الولايات المتحدة، تظهر أن حكومتي البلدين كانتا تعملان معاً، من أجل التنصت ومراقبة دبلوماسيي الدول الأخرى العاملة كأعضاء في مجلس الأمن الدولي، من أجل ابتزازها، والهدف من ذلك إجبارها على التصويت، إلى جانب الغزو الأميركي على العراق.

وقامت غان بكشف المذكرة لصحيفة الأوبزيرفر البريطانية في لندن. وقالت، في مقابلة أخيرة مع موقع صالون الإخباري: «كنت أقصد من ذلك منع وقوع الحرب، لقد شعرت بأن هذه المعلومات مهمة جداً بالتأكيد، ويمكن أن تؤدي إلى وقف الاندفاع نحو الحرب، وشعرت بأن الناس لها الحق في الاطلاع عليها».

لكن بايدن، الذي كان يلعب دوراً محورياً في الاندفاع نحو الحرب، إذ إنه كان رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس، كان يعتقد أن الناس ليس لهم الحق في الاطلاع عليها. وقام بإقصاء الأصوات المنتقدة والمعلومات الأساسية من الجلسات المهمة للجنة في منتصف صيف 2002، بحيث يظهر عن طريق الخداع أنه ثمة إجماع في الكونغرس على الحرب. وصوت على الحرب في منتصف أكتوبر. وبعد مرور خمسة أشهر على ذلك التصويت، اندلعت هذه الحرب.

وفي الوقت الحالي، وفي ظل هذه الحملة الانتخابية، يبدو أن بايدن متلهف لإعادة كتابة التاريخ. وهو يظهر نوعاً من التجاهل والاستخفاف للحقائق التي مهدت الطريق من أجل غزو العراق منذ البداية. والخلل الأساسي في خطاب بايدن المراوغ، أخيراً، بشأن العراق، يتعلق بقيامه بعملية عكس للتوقيت الواقعي. فإما هو عاجز عن تذكر متى وافقت الحكومة العراقية على السماح لمفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة بالعودة إلى العراق، أو أنه متلهف لمواصلة الكذب بشأن سجله الحقيقي حول حرب العراق، بحيث إنه لا يستطيع حمل نفسه لأن يكون صادقاً مرة أخرى.

ويدعي بايدن أنه صوت لقرار الحرب، لتعزيز احتمال عودة المفتشين الدوليين إلى العراق. وخلال مقابلة تلفزيونية، أجريت الأسبوع الماضي، قال بايدن إنه صوت لصالح الغزو «للسماح للمفتشين بالعودة إلى العراق، لتحديد ما إذا كانت الحكومة العراقية قد غيرت أي شيء بموضوع الأسلحة الكيماوية والنووية»، ولكن هذا التوقيت متأخر.

وأعلنت الحكومة العراقية، في 16 سبتمبر 2002، برسالة مبعوثة إلى الأمين العام للأمم المتحدة وقتها، كوفي عنان، تؤكد فيها أنها تسمح بعودة المفتشين «دون شروط»، وذكرت صحيفة نيويورك تايمز هذا الخبر. وذلك قبل 25 يوماً من تصويت بايدن على قرار الحرب على العراق. فكيف يكون تصويت بايدن لعودة المفتشين في 11 أكتوبر، إذا كانت الحكومة العراقية قد أعلنت قبل ذلك عودتهم دون شروط.

وبعد مرور بضع ساعات، على إعلان موافقة بغداد على قبول عودة مفتشي الأسلحة النووية إلى العراق دون شروط، لم يعد هناك أي عذر لقرار الحرب الذي كان مطروحاً على الكونغرس. لكنه عذر نفض بايدن عنه الغبار، ودفع به نحو الاستعمال، بعد أن غير الجدول الزمني لتسلسل الأحداث.

وبعد مرور أربعة أشهر، وفي فبراير 2003، وفي الوقت الذي كانت فيه كاثرين غان تنتظر بقلق رؤية ماذا كانت وثيقة وكالة الأمن الوطني الأميركي، التي سربتها لصحيفة بريطانية، قد تم كشفها للعامة فعلاً، كان بايدن يعلن صراحة دعمه للغزو الأميركي المزمع للعراق. وقال، في اجتماع لغرفة التجارة بولاية ديلاوير الأميركية: «أنا أدعم قرار الذهاب إلى الحرب. ولا أعارض الحرب لإزالة أسلحة الدمار الشامل من العراق».

وبعد حدوث الغزو الأميركي للعراق، واصل بايدن دعمه للحرب. وفي نهاية يوليو 2003، أي بعد مرور أربعة شهر على بدء الحرب، قال بايدن في خطاب بمعهد بروكينغز الأميركي: «قبل تسعة أشهر صوتُّ مع زملائي، لمنح رئيس الولايات المتحدة الأميركية التفويض لاستخدام القوة، وأنا سأصوت مرة ثانية اليوم. لقد كان التصويت الصحيح في حينه، وسيكون كذلك اليوم أيضاً».

نورمان سولومان صحافي أميركي

اعتراف بالخطأ وإلقاء اللوم على الرئيـس بوش الابن

 

بايدن تنصل من تصويته إلى جانب غزو العراق مع قيام الحرب. أ.ف.ب

كتب بايدن مقالة في مجلة، انتقد فيها كيف تم شن هذه الحرب، بينما كان يدافع عن دوره في المساعدة على شنها. وقال: «قبل عام ونصف العام، صوتُّ لمنح الرئيس بوش الابن التفويض لاستخدام القوة في العراق. ولا أزال أعتقد أن تصويتي كان عادلاً وصائباً. لكن استخدام الرئيس لهذه السلطة كان غير حكيم، بطرق لم أتخيلها».

وأشارت صحيفة الواشنطن بوست، أخيراً: «حتى نوفمبر 2005، اعترف بايدن بأن تصويته كان خطأ»، وحتى في ذلك التاريخ، حاول بايدن في برنامج «لقاء مع الصحافة»، أن يلقي باللوم على الرئيس بوش الابن، لأنه اتضح أنه لا يستحق ثقته. وسأله محاوره: «بعد أن أدركت الآن أن سلاح الدمار الشامل غير موجود، هل كان تصويتك خطأ؟»، فأجابه «لقد كان خطأً. لقد كان من الخطأ الافتراض أن الرئيس سيستخدم السلطة التي منحناها له بصورة ملائمة».

وكان شخص واحد، من خصوم بايدن في ترشيحات الحزب للديمقراطي للرئاسة الأميركية 2020، عضواً في الكونغرس، خلال التصويت على حرب العراق، هو بيرني ساندرز، الذي لم يصوت لصالح القرار.

وخلال هذا الصيف، بدأ بايدن نشر أكاذيبه الجديدة عن غزو العراق. وخلال مناظرة في نهاية يوليو، أجل بايدن أكاذيبه الجديدة المتعلقة بغزو العراق. وفي نهاية شهر يوليو، زاد مستوى الكذب، عندما ادعى أنه «من اللحظة التي بدأت فيها حرب (الصدمة والرعب)، كنت أعارض جهود الحرب، وكنت صريحاً في انتقادي، أكثر من أي شخص في الكونغرس»، لكن السجل التاريخي يظهر أن هذا الادعاء منافٍ للعقل تماماً.

الأمم المتحدة أفضل طريق لـ «شرعنة» الحرب

النبش في الماضي ليس المشكلة الرئيسة في ادعاء نائب الرئيس الأميركي السابق، والمرشح الحالي للرئاسة الأميركية، جو بايدن، أنه صوت لقرار الحرب، لزيادة احتمال عودة مفتشي الأمم المتحدة إلى العراق. فهناك مشكلة أساسية بخطابه الحالي، تكمن في حقيقة أن الذهاب إلى مجلس الأمن الدولي، من أجل تفويض شن الحرب على العراق، كان دائماً ورقة التوت التي تريد بها الولايات المتحدة تغطية خطط عدوانها العاري.

وكان الصحافي الشهير في صحيفة نيويورك تايمز، توماس فريدمان، صريحاً بصورة غير عادية في 13 نوفمبر 2002، أي بعد شهر من تصويت بايدن على قبول قرار الحرب، حيث كتب في زاويته، يقول: «اكتشف فريق بوش أن أفضل طريقة لشرعنة قوته المفرطة، في حربه على العراق، ليس عن طريق فرضها، وإنما عن طريق توجيهها عبر الأمم المتحدة، وجعلها منسجمة مع الشرعية الدولية».

لقد كانت هذه الخطوة الزائفة، عبر الأمم المتحدة، لشرعنة الاجتياح المزمع للعراق، هي التي جعلت كاثرين غان تجازف بحياتها المهنية، كي تبلغ العالم عن خطوة إدارة بوش للحصول على مباركة مجلس الأمن الدولي لغزوه للعراق. وكتب المحلل في معهد الدقة العامة الأميركي، سام حسيني: «الأمر الذي كشفت عنه غان، أظهر للعالم أن حكومتي الولايات المتحدة وبريطانيا كانتا تكذبان دائماً، من أجل غزو العراق، لقد كانتا منخرطتين في انتهاكات صارخة للقانون الدولي، لابتزاز الدول المعنية، كي تشارك في الغزو».

وبصورة عامة، في الوقت الذي يواصل فيه بايدن حملته الرئاسية، يثابر في إظهار ابتكاراته الهادفة إلى تزوير سجله المتعلق بحرب العراق. وخلال هذه العملية، يتصرف بصورة متناقضة مع ما يقوله فيلم «الأسرار الرسمية»، وتؤكده كاثرين غان.

الفيلم يركز على الحقائق التاريخية، والنتائج الإنسانية المترتبة على التهرب من الكشف عنها.

بوش وبلير كانا «متعطشين للحصول على غطاء أممي»، من أجل غزوهما للعراق.

 

الأكثر مشاركة