نتيجة تودد الأحزاب السياسية الرئيسة إليهم

المستوطنون اليهود يهيمنون على المشهد السياسي في إسرائيل

جيش الاحتلال يعتقل شاباً فلسطينياً بعد اشتباكه مع مستوطنين اعتدوا على المسجد الأقصى. أ.ف.ب

يواصل المستوطنون اليهود أعمال الشغب في الضفة الغربية الفلسطينية، وعلى الرغم من أن عنف المستوطنين يعتبر جزءاً من الروتين في الحياة الفلسطينية، إلا أن العنف الذي ارتكبوه في الأسابيع الأخيرة مرتبط مباشرة بالانتخابات العامة في إسرائيل، التي من المتوقع أن تجري في 17 سبتمبر.

وكانت الانتخابات السابقة التي جرت في 9 أبريل قد فشلت في التوصل إلى تشكيل حكومة، وعلى الرغم من أن رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو هو الشخص الذي أمضى أطول فترة في الحكم طوال تاريخ إسرائيل البالغ 72 عاماً، إلا أنه يعجز الآن عن تشكيل حكومة ائتلافية.

وفي واقع الأمر فإن قيادة نتنياهو في وضع لا تحسد عليه إذ إنها ملطخة بالعديد من قضايا الفساد المرفوعة ضدها بما فيها قضايا ضد نتنياهو نفسه، وضد عائلته ومساعديه. ويعمل محققو الشرطة على تضييق الخناق عليه، في حين أن حلفاءه من السياسيين الانتهازيين أمثال وزير الدفاع السابق أفيغدور ليبرمان، يعملون على لي ذراعيه على أمل إجباره على تقديم تنازلات سياسية مستقبلية.

انقسام اليمين

والأزمة السياسية في إسرائيل ليست ناجمة عن عودة نهوض حزب العمل، ولا عن نهضة أحزاب الوسط، ولكن نتيجة فشل اليمين (بما فيه اليمين المتطرف والأحزاب القومية المتطرفة) لوضع أجندة سياسية موحدة.

ويدرك المستوطنون اليهود غير الشرعيين جيداً أن الهوية المستقبلية لأي حكومة ائتلاف يمينية، سيكون لها تأثير دائم على مشروعهم الاستيطاني، ولكن المستوطنين غير قلقين تماماً لأن معظم الأحزاب الرئيسة بما فيها حزب الوسط المعروف باسم الأبيض والأزرق، الذي يرأسه بنيامين غانتس، جعلت تقديم الدعم للمستوطنات اليهودية سمة مهمة في حملاتها الانتخابية.

وأصبح التصويت الحاسم للمستوطنين اليهود في الضفة الغربية وداعميهم داخل إسرائيل جلياً تماماً في الانتخابات الأخيرة، ولذلك فإن قوة هؤلاء المستوطنين أجبرت غانتس على تبني موقف سياسي مغاير لما كان عليه في انتخابات أبريل.

وأصبح هذا الرجل الذي كان قد انتقد إعلان نتنياهو «غير المسؤول» في 7 أبريل (أي قبل يومين من آخر انتخابات) عن نيته ضم الضفة الغربية، الآن داعماً كبيراً للمستوطنات. ووفق موقع «اروتز شيفا» الإسرائيلي الاخباري، فقد صوت غانتس لمواصلة توسيع المستوطنات «من وجهة نظر استراتيجية وليس كاستراتيجية سياسية».

غانتس يتبدل

وبالنظر إلى التغير في وجهة نظر غانتس بالنسبة للمستوطنات، لم يبق أمام نتنياهو أي خيار سوى التصعيد والدفع نحو الضم غير القابل للرجوع للضفة الغربية، وبالطبع فإن رئيس حكومة إسرائيل يتجاهل القانون الدولي الذي يعتبر الجيش الإسرائيلي ووجود المستوطنات قضية غير شرعية، ولكن لا نتنياهو ولا أي قائد إسرائيلي آخر أظهر أدنى اهتمام أو احترام للقانون الدولي، ويرجع ذلك إلى دعم واشنطن الأعمى وغير المشروط لإسرائيل.

ووفق ما تقوله صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» فإن نتنياهو الآن يضغط من أجل الحصول على تصريح علني للرئيس الأميركي دونالد ترامب يدعم فيه ضم الضفة الغربية. وعلى الرغم من أن البيت الأبيض رفض التعليق على هذه القصة، كما أن مسؤولاً من مكتب نتنياهو ادعى أنها «غير صحيحة»، إلا أن اليمين الإسرائيلي يعمل بأسرع وقت ممكن لجعل هذا الضم ممكناً.

ونظراً إلى تصريحات السفير الأميركي في إسرائيل ديفيد فريدمان التي قال فيها «إن إسرائيل لها الحق في الاحتفاظ ببعض أجزاء الضفة الغربية» يتحدث الكثير من المسؤولين الإسرائيليين وبجرأة وصراحة في ما يتعلق بنيتهم جعل هذا الضم ممكناً.

وحتى نتنياهو نفسه لمح إلى هذه الإمكانية في أغسطس خلال زيارته لمستوطنة بيت ايل غير الشرعية. وقال نتنياهو خلال مراسم احتفال توسيع المستوطنات غير الشرعية لتتضمن 650 وحدة سكنية أخرى «جئنا للبناء وسنمد أيدينا ونعمق جذورنا في أرضنا، في كل أجزائها».

وبخلاف نتنياهو، لم تتحدث وزيرة العدل السابقة وزعيمة حزب «الحق المتحد» المشكل حديثاً، إيليت شاكيد، بالترميز، ففي مقابلة مع صحيفة «جيروزالم بوست»، دعت لضم كامل لمناطق «سي» التي تشكل 60% من الضفة الغربية. وقالت «علينا أن نفرض سيادتنا على يهودا والسامرة»، مشيرة إلى الضفة الغربية ومستخدمة تسمية توراتية.

إزالة رئيس السلطة

ولكن وزير الأمن العام والشؤون الاستراتيجية والإعلام جلعاد إيردان، يريد الذهاب إلى أبعد من ذلك. ووفق «اروتز شيفا»، و«جيروزالم بوست»، فقد دعا إيردان إلى ضم جميع المستوطنات غير الشرعية في الضفة الغربية، وإزالة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أيضاً.

والآن وبالنظر إلى أن قضية المستوطنين اليهود متربعة في قمة أولويات السياسة الإسرائيلية، فإنها مركز انتباه الجميع، كما أنها تحظى بالغزل والتودد من قبل جميع الأحزاب السياسية الرئيسة. ويعتبر تزايد عنف المستوطنين نوعاً من عرض العضلات السياسية، أو تعبيراً عن الهيمنة، وعرضاً وحشياً للأولويات السياسية.

علم واحد في المكان

وكان الشعار الذي حمله حشد من المستوطنين اليهود يتألف من 1200 مستوطن وهم يجولون مدينة الخليل الفلسطينية في 14 أغسطس، يقول «يوجد علم واحد في المكان الممتد ما بين الأردن والبحر وهو علم إسرائيل». واقتحم المستوطنون بحماية الجيش الإسرائيلي شارع الشهداء، وقاموا بمضايقة الفلسطينيين والناشطين الدوليين في هذه المدينة الفلسطينية المحاصرة. وقبل بضعة أيام من ذلك اقتحم نحو 1700 مستوطن يهودي مدعومين بالجيش الإسرائيلي مجمع المسجد الأقصى في القدس الشرقية المحتلة. ووفق الهلال الأحمر الفلسطيني، أصيب نحو 60 فلسطينياً بجروح، عندما قامت القوات الاسرائيلية والمستوطنون بالهجوم على المصلين. وتكرر مشهد العنف ذاته في مدينة نابلس، حيث اقتحمت مجموعة من النساء المستوطنات المسلحات بلدة المسعودية وقاموا بتنفيذ «تدريبات عسكرية» تحت حماية الجيش الإسرائيلي المحتل.

مأزق السلطة

ويحدث كل ذلك وكأنه قضية سياسية إسرائيلية بحتة، والغريب أن السلطة الفلسطينية التي تم إسقاطها تماماً من الحسابات السياسية الأميركية، تقوم بين الحين والآخر بإطلاق تصريحات سياسية عن نيتها محاسبة إسرائيل وفق القانون الدولي.

ولكن حماة القانون الدولي في حالة مريبة من الغياب الكامل، ويبدو أنه لا الأمم المتحدة، ولا حماة الديمقراطية والقانون الدولي في الاتحاد الأوروبي، مهتمون في مواجهة العناد الإسرائيلي والانتهاك الصارخ لحقوق الانسان.

وبالنظر إلى أن المستوطنين اليهود هم الذين يضعون الأجندة السياسية في إسرائيل كما يقومون باستمرار بالتحريض على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، فمن المتوقع أن يتضاعف العنف خلال الأشهر المقبلة. وكما هي الحال دائماً، فسيتم استغلال هذا العنف بصورة استراتيجية من قبل الحكومة الإسرائيلية هذه المرة لتحضير المشهد الدولي من أجل الضم الأخير للأراضي الفلسطينية، وهي نتيجة كارثية بكل المقاييس.

رمزي بارود كاتب وصحافي أميركي من أصل فلسطيني


بالنظر إلى أن المستوطنين اليهود هم الذين يضعون الأجندة السياسية في إسرائيل كما يقومون باستمرار بالتحريض على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة؛ فمن المتوقع أن يتضاعف العنف خلال الأشهر المقبلة.

طباعة