بعد فشله في العراق وسورية

«داعش» يحاول تغيير آلياته في الصومال لبناء مشروعه مجدداً

صورة

لا تعبر مساعي تنظيم «داعش» لتعزيز نفوذه داخل الصومال عن اتجاه جديد يتبناه التنظيم للتعامل مع المعطيات التي فرضتها المواجهات العسكرية التي انخرط فيها خلال المرحلة الماضية. لكن الجديد في هذا السياق يكمن في محاولاته استغلال وجوده في الصومال لتبني آليات جديدة يحاول عبرها إعادة تفعيل مشروعه الذي سقط قبل ذلك في كل من العراق وسورية.

ومن دون شك، فإن ما زاد من اهتمام التنظيم بالعمل على تحويل الصومال تحديداً إلى نقطة انطلاق في هذا الصدد، يتمثل في أن الأوضاع الأمنية التي تمر بها الأخيرة، يمكن أن تساعده في تحقيق ذلك، وهو ما يفسر التصاعد الملحوظ في نشاطه، سواء على مستوى العمليات أو على مستوى الانتشار، على نحو أثار قلقاً واضحاً من جانب قوى دولية، انعكس في تصريحات رئيس هيئة الأركان الأميركية الجنرال جوزيف دانفورد، في 29 يوليو 2019، التي قال فيها إن «تنظيم (داعش) انهزم، لكنه يظل خطراً». وقد كان لافتاً أن تلك التصريحات أعقبت الضربة العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية في شمال الصومال، قبل ذلك بيوم واحد، واستهدفت منسق هجمات «داعش» في تلك المنطقة، بشكل يوحي بأن واشنطن تسعى إلى توسيع نطاق المواجهة مع التنظيم لتشمل دولاً ومناطق جديدة.

محاولات التحجيم

حرص تنظيم «داعش» خلال الفترة الماضية على تنفيذ عمليات إرهابية عدة، ركزت على استهداف المصالح الحكومية ومؤسسات الدولة. إذ تعتبر قيادة التنظيم أن هذه العمليات تسهم في تفاقم الأوضاع الأمنية وتصاعد حدة عدم الاستقرار في الصومال، وهي العوامل التي يحاول التنظيم باستمرار استغلالها في التمدد داخل مناطق ودول جديدة.

وقد كان تزايد نشاط «داعش» في الصومال أحد الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة الأميركية إلى توجيه ضربات نوعية ضد مواقعه، بعد أن كانت تركز غالباً على «حركة الشباب». وقد أسفرت تلك الضربات المتتالية عن مقتل عدد ليس قليلاً من كوادره وعناصره، في ضربات منفصلة استخدمت فيها طائرات من دون طيار، على غرار الضربة التي أدت إلى مقتل 13 من عناصر التنظيم في مرتفعات غل غلا في 10 مايو 2019، والعملية التي استهدفت عبدالحكيم طوقوبيت، أحد كوادره البارزين الذي كان له دور في تعزيز جهود التنظيم لتوسيع نطاق نفوذه داخل الصومال، في 14 أبريل من العام نفسه.

اعتبارات مختلفة

تزايد اهتمام واشنطن بتوجيه تلك الضربات إلى «داعش»، لا سيما في الصومال، يعود إلى اعتبارات عدة يتمثل أبرزها في:

1- استهداف الملاحة:

بدأت اتجاهات عدة ترى أن التنظيم قد يتجه، بناءً على المعطيات الجديدة التي فرضتها الهزائم التي تعرض لها في كل من العراق وسورية، إلى تبني آليات مختلفة تهدف إلى توجيه ضربات قوية للردّ على تلك الهزائم. وهنا، فإن التنظيم قد يحاول استهداف مصالح القوى التي انخرطت في الحرب ضده، عبر الاقتراب بشكل كبير من خطوط المواصلات العالمية في البحر الأحمر وباب المندب، على نحو يمكن أن يزيد من اهتمامه بتوسيع نطاق نفوذه في الصومال تحديداً.

وبمعنى آخر، فإن «داعش» ربما يتجه خلال المرحلة المقبلة إلى التأقلم مع المتغيرات الجديدة التي فرضها انهيار مشروعه في العراق وسورية، عبر البحث عن سبل جديدة ليس فقط لتمويل عملياته وإنما أيضاً لإثبات قدرته على التعايش مع الضغوط القوية التي يتعرض لها، في ظل إصرار القوى المعنية بالحرب ضده على محاصرة نفوذه، وتوجيه ضربات قوية للخلايا المتبقية التابعة له في المناطق التي سبق أن خرج منها بفعل تلك الضربات.

2- مساعي تفعيل المشروع:

يركّز التنظيم حالياً على بعض المناطق في الصومال، على غرار قندالة، التي تمثل إحدى نقاط الانطلاق التي يرى أنه يمكن من خلالها إعادة تفعيل مشروعه الأساسي، الذي سقط في العراق وسورية بفعل الهزائم العسكرية التي تعرض لها وخرج بسببها من معظم مدن الدولتين، حيث بات وجوده في الدولتين منحصراً في بعض الخلايا النائمة التابعة له، التي لم تنتقل إلى مناطق أخرى، وتحاول الاندماج وسط المكونات الاجتماعية الموجودة فيها.

ومن دون شك، فإن ذلك يمكن أن يدفع عناصر جديدة للانتقال إلى داخل الصومال، حيث يسعى التنظيم إلى إعادة تفعيل نشاطه من جديد ربما بشكل أكثر عنفاً عن المرحلة السابقة التي استغرقت خمسة أعوام، وهو ما باتت تحذر منه تقارير عدة في الفترة الأخيرة.

3- تشكيل تحالف جديد:

ربما يتجه «داعش» إلى استغلال نفوذه في الصومال لتكوين شبكة تحالفات جديدة في منطقة القرن الإفريقي بشكل عام، على نحو يمكن أن يهدد مصالح دول المنطقة، فضلاً عن القوى الإقليمية والدولية المعنية بها. وهنا، فإن «داعش» قد يحاول في المرحلة المقبلة تبني أكثر من آلية، على غرار العمل على تعزيز فرص انقسام «حركة الشباب» من أجل تفتيتها وإضعافها، ودفع أحد فصائلها إلى الانضمام له في الفترة المقبلة. وقد يحاول التنظيم أيضاً فتح قنوات تواصل مع جماعات مسلحة أخرى في المنطقة، من خلال استغلال الظروف الأمنية التي تمر بها معظم دولها.

واللافت في هذا السياق أيضاً، أنه لا يمكن استبعاد أن يكون العداء القائم بين «داعش» و«حركة الشباب» مؤقتاً، وربما يتحول إلى تنسيق أو تعاون في مرحلة لاحقة. إذ إن التنظيمات الإرهابية دائماً ما تحاول توسيع نطاق الخيارات المتاحة أمامها، خصوصاً في حالة تعرضها لضغوط قوية من جانب القوى المناوئة لها.

وقد كانت التفاهمات التي تم التوصل إليها في سورية، على سبيل المثال، والتي أجريت بمقتضاها عمليات تبادل أسرى أو إخراج مقاتلين من بعض المناطق، مثالاً على ذلك، حيث لم يكن «داعش» بعيداً عنها، بل إنه انخرط في بعضها مع القوى والأطراف المناوئة له، وهو ما لا يمكن استبعاد تكراره في دول أخرى على غرار الصومال.

وعلى ضوء ذلك، يمكن القول إن الاهتمام بمحاربة نفوذ تنظيم «داعش» في الصومال سيتزايد خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً أن استمرار الأخير في توسيع نطاق نشاطه يمكن أن يفرض تهديدات أمنية لا تبدو هينة في تلك المنطقة الاستراتيجية المهمة.

• يتجه «داعش» إلى استغلال نفوذه في الصومال لتكوين شبكة تحالفات جديدة في منطقة القرن الإفريقي بشكل عام، على نحو يمكن أن يهدّد مصالح دول المنطقة، فضلاً عن القوى الإقليمية والدولية المعنية بها.

• لا يمكن استبعاد أن يكون العداء القائم بين «داعش» و«حركة الشباب» مؤقتاً، وربما يتحوّل إلى تنسيق أو تعاون في مرحلة لاحقة.

طباعة