بعد مناهضتها حركة مقاطعة تل أبيب

أميركا تنضم إلى حملة إسرائيل الساعية لتشويه صورة الفلسطينيين وإسكاتهم

صورة

تتعرض مطالبة الفلسطينيين بالحرية والعدالة لحملة شعواء تهدف إلى نزع الشرعية عن هذه المطالب، وعندما نرفع نحن الفلسطينيين أصواتنا ونتحدى هذا الاضطهاد، يتم إسكاتنا ونتعرض للهجوم ونوصم بمعاداة السامية. الآن هناك اتجاه متنامٍ لاستصدار تشريعات تجرّم مطالبتنا بالعدالة وتسعى لمساءلتنا، وتضفي طابعاً رسمياً على استبعادنا. أحدث محاولة في هذا المسعى هو قرار مناهضة «حركة مقاطعة اسرائيل» الصادر عن مجلس النواب الأميركي. وكما لاحظت النائبة، رشيدة طليب، وهي نفسها ابنة مهاجرين فلسطينيين، فإن القرار كان «تجنياً على حرية تعبيرنا وحقنا في مقاطعة السياسات العنصرية لحكومة ودولة إسرائيل».

هناك نفر في الخارج يروجون سعياً لتقليص هذه المساحة من الحقوق، حيث يحاول هؤلاء وضعنا في ركن قصي من التاريخ، بدلاً من اعتبارنا شعباً يمكنه الوقوف على قدميه بحرية وكرامة. وهذا الاتجاه امتداد للاحتلال الإسرائيلي الممنهج، والتمييز العنصري الذي نواجهه داخل وطننا، وتجريدنا من كل الحقوق، وهذا الوضع يغلف كل جانب من جوانب حياتنا.

عبر التلة التي أعيش فيها في رام الله، أستطيع أن أرى مستوطنتين إسرائيليتين قائمتين على أرض فلسطينية في قلب الضفة الغربية. وتسمح السلطات للمستوطنين غير الشرعيين في هاتين المستوطنتين باستهلاك مياهنا أكثر مما نستهلك منها نحن. لديهم الطرق والبنية التحتية التي تميزهم عنا. لقد خضعنا للمحاكمة بموجب الأحكام العرفية في المحاكم العسكرية الإسرائيلية التي تقترب إدانتها في كل التهم من نسبة 100%، في حين أن المستوطنين الذين يعيشون في الجوار، يستطيعون بموجب القانون الإسرائيلي مضايقة ومهاجمة الفلسطينيين دون عقاب. إن سياسة بناء وضم المستوطنات التي درجت عليها إسرائيل منذ عقود طويلة خلقت بالفعل واقع دولة واحدة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط. ويعيش اليوم تحت ظل الحكم الإسرائيلي 13 مليون شخص.

حالات ظلم عدة

ونستطيع أن نقول إن الأمر ليس نفسه بالنسبة لطائفة من الناس تحكمها مجموعة من القوانين، وطائفة أخرى تخضع لنظام قوانين متعدد المستويات. هذا الواقع تندرج تحته العديد من حالات الظلم التي يمكن تصنيفها تحت مسميات مختلفة، لكنها في النهاية عبارة عن نظام مؤسسي للقمع المنهجي والهيمنة من قبل مجموعة من الناس على مجموعة أخرى. لقد تحول الوعد بدولة فلسطينية مستقلة إلى وهم يسمى الحكم الذاتي، ويقتصر على مدننا وبلداتنا. نحن نعيش في جزر آخذة في الانكماش باستمرار تبتلعها موجة متصاعدة من التوسّع والسيطرة الإسرائيلية.

ومع ذلك، نرى بيانات وقرارات وقوانين صادرة عن البرلمانات والحكومات في جميع أنحاء العالم تزعم أن دعوتنا للحرية ومناداتنا بحقوقنا هي انتهاك لمسيرة السلام وحل الدولتين. وفي بعض الأحيان أتساءل: أي واقع بديل يستطيع أن يعيش فيه الشعب الفلسطيني؟ نحن كفلسطينيين محرومون بشكل متزايد من حقنا في التحدث عن تلك الحقيقة، أو تحديدها، أو حتى تحديها. عندما نسعى لاستخدام وسائل الاحتجاج التي تتوافق مع القيم الديمقراطية الأساسية، مثل حقوق الإنسان والحق في المقاطعة وحرية التعبير، فإننا نصطدم مع ما يسمى بمعاداة السامية.

إن مساواة انتقاد إسرائيل بأشد أشكال الكراهية هو تكتيك تم افتعاله لإزاحة الشرعية عن ذلك الانتقاد. إنها تهمة خطيرة تترك المدانين مرتبطين بأسوأ سلوك بشري، مع وجود مساحة ضئيلة أو معدومة للرد. ومع ذلك، يتم تدعيم هذا التكتيك بشكل مستمر لتعزيز أجندة سياسية بدلاً من استخدامه لمناهضة معاداة السامية. لقد رأينا ذلك بياناً بالعمل عندما هاجم الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أربع نساء من أعضاء الكونغرس الديمقراطيين، من غير البيض، بعد أن وصفهن بأنهن معاديات لإسرائيل ومعاديات للسامية.

مهاجمة المنظمات

وتعرّض عدد لا يحصى من المنظمات الفلسطينية والدولية للهجوم ونزع الصفة الشرعية عنها عن طريق تسميتها بـ«الإرهابية» أو «المعادية للسامية»، لدفاعها عن فلسطين وحقوق الإنسان، بهدف خفض تمويلها أو إغلاقها بالكامل. لقد كانت أيقونة الحقوق المدنية، أنجيلا ديفيز، ومغني الراب، طالب كويلي، ومدير المتحف اليهودي في برلين، بيتر شيفر، جميعاً ضحايا لهذا النهج.

في المعهد الفلسطيني للدبلوماسية العامة، الذي أترأسه، قوبلت حملاتنا الرقمية التي تُظهِر الجانب الإنساني للنضال من أجل الحرية والحقوق بخطاب يحض على الكراهية، لإسكات الأصوات الفلسطينية، وحرمان وجودنا كشعب وتصنيفنا كإرهابيين مسلمين. هذه الهجمات ومحاولات نزع الشرعية استهدفت كذلك فيلماً أطلقناه عن الصحة العقلية لأطفال غزة، لأنه يستعرض الاطفال المرعوبين الذين يعيشون تحت الحصار.

لم تعد ظاهرة انكماش حيز الحرية مقصورة على حملات التشويه العامة هذه، بل انتقلت إلى مبادرات سياسية وتشريعية تهدف إلى تجريم نضالنا من أجل الحرية والحقوق. في الولايات المتحدة، أصدرت ما لا يقل عن 26 ولاية تشريعات تقضي بمصادرة الحق في الاحتجاج ضد إسرائيل من خلال مقاطعتها. القرار الصادر عن مجلس النواب ليس أول محاولة، ولن تكون الأخيرة لإسكاتنا. هذه المحاولة ليست معزولة، ولكنها جزء من موجة عالمية متنامية. وسواء تم دمج النقد الموجه إلى إسرائيل مع معاداة السامية أو حظر مقاطعة إسرائيل من خلال أي شكل من أشكال الاحتجاج، فقد اتخذت هذه المبادرات طريقها في ألمانيا وفرنسا وكندا وهولندا وسويسرا، وهذه القائمة ليست نهائية.

تهديد

التهديد الذي يشكله هذا الاتجاه لا يقتصر فقط على فلسطين، وإنما مثل هذه التدابير القانونية والسياسية تضرب في قلب القيم والحقوق الديمقراطية الأساسية في جميع أنحاء العالم. إنها رؤية عالمية مبنية على الإقصاء: إنكار الحقوق المدنية وحقوق الإنسان لبعض الفئات، ولكن ليس للجميع. إنه مثال آخر على الاستخدام الفعال للتخويف والعنصرية من أجل التحريض على «الآخر»، ومهاجمة أولئك الذين لا يمتثلون لشكل معين من أشكال الخضوع السياسي.

يجب علينا جميعاً الوقوف ضد ما يطلق عليه معاداة السامية، وضد جميع أشكال خطاب الكراهية، سواء كان معادياً للمسلمين أو معادياً للمهاجرين أو معادياً للسود. كما يجب أن نكون حذرين من أولئك الذين يستخدمون خطاب الكراهية بنشاط لتطبيع الظلم وتيسير الإفلات من العقاب.

وبالنسبة لأولئك الذين يتشاركون القيم العالمية للحرية والعدالة والمساواة، أو الذين ينادون بها، فإننا ندعوهم للوقوف ضد المبادرات التي تسعى إلى خنق الفلسطينيين، وأن نسعى جماعياً لخلق مساحة للحديث من أجل عالم أكثر عدالة.

سالم براهمة المدير التنفيذي لمعهد فلسطين للدبلوماسية العامة، وهي منظمة غير حكومية مستقلة تعمل على زيادة الوعي بفلسطين وتعبئة الناس لاتخاذ إجراءات من أجل التغيير.


عندما يسعى الفلسطينيون لاستخدام وسائل الاحتجاج التي تتوافق مع القيم الديمقراطية الأساسية، مثل حقوق الإنسان والحق في المقاطعة وحرية التعبير، فإنهم يصطدمون مع ما يسمى بمعاداة السامية.

طباعة