على أمل أن يتحوّل اليأس إلى رضا

خطة ترامب في الشرق الأوسط تطالب الفلسطينيين بالتنازل عن كرامتهم

صورة

هل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يتعلق بشكل أساسي بالأرض؟ بالتأكيد، الأرض جزء من ذلك، ولكن عندما نسمع اعتراضات وتظلمات الجانبين، فإن مسألة من لديه أي جزء من الأرض لا يمثل بالضرورة الواقع بشكل واضح. شاركت في جولة دراسية حول الدين والقومية في إسرائيل والضفة الغربية نُظمت أخيراً. أخبرنا أحد المسؤولين الفلسطينيين الذين قابلناهم «لن نتنازل عن كرامتنا».

ما نعرفه عن «خطة السلام» لإدارة الرئيس دونالد ترامب هي أنها تطلب من الفلسطينيين القيام بذلك بالضبط - التنازل عن الكرامة. يبدو أن مقاربة ترامب بأكملها مبنية على الدعوة إلى الاستسلام من جانب واحد. إنها تقوم على تدمير إرادة الشعب، وعلى أمل أن يتحول اليأس في يوم من الأيام إلى الرضا. هذه هي الطريقة الوحيدة لتفسير إصرار كبير مستشاري ترامب وصهره غاريد كوشنر على إعطاء الأولوية للحوافز الاقتصادية للتقدم السياسي، لكن هذا يسيء فهم معظم ما نعرفه عن الدوافع الإنسانية.

لا أميل إلى الاعتقاد بأن الناس يحفزهم في المقام الأول أشياء قابلة للقياس أو قابلة للقياس الكمي، إلى الحد الذي تصبح فيه عقبة لا يمكن التغلب عليها على ما يبدو، إنها مهمة، لكنها مهمة كبديل للقضايا الأعمق الأخرى، كما قال زميل معهد بروكينغز، شبلي تلحمي «إن افتراض أن الوعد بالتحسين الاقتصادي سيفوق التطلعات الإنسانية العادية لشعب ناضل بألم لعقود من الزمن، يأخذنا بعيداً عن طبيعة الحالة الإنسانية».

رفض المحاور الفلسطيني للتنازل عن الكرامة لم يكن استعراضاً؛ لقد كان تعبيراً عن اليأس. كانت هناك صراعات قدم فيها القادة تنازلات ربما بدت وكأنها خيانة، فقط لكي ينظر إليها التاريخ على أنها جريئة، لكن تلك الصراعات ليست مثل هذا الصراع.

وفقاً لهذا المنظور، فإن العرب، منذ قيام إسرائيل عام 1948 فصاعداً، إما يتوقون إلى اختفاء الدولة اليهودية أو اتخاذ إجراءات لجعلها تختفي فعلياً.

في تاريخهم الطويل معاً، عرف المسلمون، اليهود كمجموعة عرقية أكثر من كونهم من أتباع ديانة أخرى، مختلفة عن الإسلام، ولكن أيضاً لديها قواسم مشتركة. في كتاب «يهود الإسلام»، أشار برنارد لويس إلى أنه عندما يعبر المسلمون عن مواقف سلبية تجاه اليهود، فإنهم «يعبرون بمصطلحات دينية واجتماعية، ونادراً جداً من الناحية العرقية». يعبر العديد من الفلسطينيين عن عدم ارتياحهم لفكرة أن اليهود هم شعب ودين، ويميل اليهود الإسرائيليون إلى اعتبار عدم الاعتراف هذا سلبياً ودليلاً على التنافر مع العرب.

كان الكثير من الصهاينة الأوائل علمانيين، لذا فإن رؤيتهم لدولة إسرائيل لا تعتمد على الإيمان الديني المشترك. كان يعتمد، بدلاً من ذلك، على أن يكون هناك شعب. يجسد هذا لقب «الدولة اليهودية» نفسه، لأن الدولة اليهودية يمكن أن تكون موطناً علمانياً لليهود، في حين أن «دولة الإسلام» تشير إلى مهمة دينية وأسباب عقائدية.

تُشكل القصص والسرد المتباينان تفسيراً للأسئلة الواقعية حول ما حدث بالفعل أو لم يحدث في لحظات مهمة. على سبيل المثال، يهاجم السياسيون الإسرائيليون الفلسطينيين لتبديدهم «العرض السخي» الذي قدمه رئيس الوزراء السابق إيهود باراك عام 2000، وبالتالي فإن قصة الانتقام العربي والفلسطيني تتواصل دون انقطاع، مع كل رفض جديد يؤكد العرض السابق: أولاً، رفض العرب تقسيم الأمم المتحدة لعام 1947. ثم خاضت الدول العربية الحرب ضد «الدولة الإسرائيلية» الجديدة. بعد عقود، عندما أتيحت لهم الفرصة في النهاية، رفض الفلسطينيون عرض باراك، ثم رفضوا عرض رئيس الوزراء إيهود أولمرت، وهكذا.

بعبارة ملطفة، لا يشارك الفلسطينيون هذا التفسير لما حدث من خطأ. إنهم يعتقدون أن العرض لم يكن سخياً، إذ جاء بعد ست سنوات من «المزيد من المستوطنات ، وحرية أقل في التنقل، وظروف اقتصادية أسوأ»، كما يجادل روب مالي كبير مستشاري إدارة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، في إحدى الكتابات عن مفاوضات كامب ديفيد عام 2000. في الممارسة العملية، لم يكن باراك حمامة سلام. وكما كتب مالي «وراء كل تحركات باراك تقريباً، اعتقد الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات أنه يستطيع التمييز بين إجباره على ابتلاع صفقة غير معقولة أو تعبئة العالم لعزل وإضعاف الفلسطينيين، إذا رفضوا الخضوع».

يميل النشطاء الفلسطينيون إلى التحدث من منطلق العدالة. لقد حدث ظلم، لذلك يجب التراجع عنه. كتب كريستوفر هيتشنز، في وداعه للمفكر الأميركي - الفلسطيني، إدوارد سعيد، أن شعور صديقه «بالظلم الذي لحق بفلسطين كان غريزياً»، موضحاً «إنه ببساطة لم يتقبل تجريد شعب بأكمله من حقوقه أو الأكاذيب والتهرب الذي استخدم للتستر على هذه الجريمة».

غالباً ما يردد المتظاهرون المؤيدون للفلسطينيين شعار «لا عدالة، لا سلام». كان لأحد المسؤولين الإسرائيليين السابقين الذين تحدثنا إليهم في القدس وجهة نظر مختلفة. قال: «إذا كان ذلك، فلن يكون هناك سلام». ويعتقد المسؤول، الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، أن كثيراً من الفلسطينيين يقدمون أنفسهم على أنهم ضحايا - يُغذي ذلك شعور عميق بالظلم، بدلاً من التغلب عليه.

ولكن بعد ذلك نعود إلى مسألة الكرامة. لا ينبغي مطالبة أي شخص بالتغلب على وقوعه ضحية (للاحتلال والظلم) بالتخلي عن كرامته، الشيء الوحيد الذي لا يجب على المحتل سلبه. قد يبدو هذا ساذجاً وغير عملي، خصوصاً بالنسبة لأولئك الذين يفضلون أن يستمر الفلسطينيون في ذلك، لكن هذا لا يجعل الأمر أقل واقعية.

إذا كنت سأنصح الفلسطينيين، فسأخبرهم برفض عرض كوشنر، لكنهم لا يحتاجون إلى أي شخص لإخبارهم بما هو واضح بالفعل. إذا كان شخص ما لا يفهم أي شيء عن تاريخ الفلسطينيين ومظالمهم ورواياتهم، فما الفائدة؟ وصف السفير الفرنسي المنتهية ولايته، غيرارد أرود، كوشنير بهذه الطريقة «إنه مؤيد لإسرائيل، أيضاً، حتى إنه قد يهمل النقطة التي إذا عرضت على الفلسطينيين الاختيار بين الاستسلام أو الانتحار، فقد يختارون الخيار الثاني. شخص مثل كوشنر لا يفهم ذلك».

لأن الجانبين متباعدان للغاية، ومن المرجح أن يظلا كذلك في المستقبل المنظور، فإن الولايات المتحدة إذا كانت غير راغبة في ممارسة ضغوط جدية على إسرائيل أو التعامل بجدية مع الاعتراضات الفلسطينية؛ ستكون أفضل حالاً بالانفصال عن عملية سلام وهمية، بدلاً من إضفاء الشرعية على سلوك إسرائيل أو إعطاء وهم بالتقدم دون مضمون.

شادي حميد - كبير الباحثين في مؤسسة «بروكينغز»

طباعة