ترامب يبدو أكثر عزلة من أيِّ وقت مضى

يستعد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي يعيش الآن في عزلة غير مسبوقة منذ بدء رئاسته، لمغادرة واشنطن نهاية الأسبوع الجاري، من أجل فترة راحة، لنحو أسبوعين في منتجعه الذي يحمل اسم «مار-ا-لاغو». وعندما يعود في شهر يناير من العام المقبل، سيستعد لما يمكن أن تكون أصعب سنوات رئاسته الصاخبة أصلاً.

ولا تختلف نسبة قبوله لدى الشعب الأميركي عما كانت عليه عندما بدأ العمل في البيت الأبيض، إذ إن أنصاره المتشددين لم يغيروا موقفهم منه. ولايزال المسؤولون المنتخبون في الحزب الجمهوري مترددين في الانفصال عنه. لكن حزبه تعرض لهزة شديدة خلال الانتخابات النصفية، وتتواصل العمليات القضائية في تشديد الخناق ضده شخصياً. ويستعد المسؤولون الديمقراطيون، الذين تم انتخابهم أخيراً في مجلس النواب، لتحدي سلطاته عن طريق طلبه إلى المحكمة والتحقيق معه.

البحث يتواصل

وكان بحث ترامب المتردد عن بديل لرئيس أركان البيت الأبيض، الذي سيغادر نهاية الشهر الجاري جون كيلي، مؤشراً إلى الوضع الذي يعيشه حالياً في البيت الأبيض. ويعتبر منصب رئيس أركان البيت الأبيض - في أي رئاسة أخرى - حساساً وحيوياً. لكن بالنسبة لترامب - في الوقت الحالي - ربما يكون أكثر أهمية من أي وقت مضى. لكن يبدو أن المرشحين المحتملين لهذا المنصب هربوا من هذا العمل، حتى إن الرئيس كتب في تغريدة قبل أيام إنه سيعين مدير الميزانية، مايك مولفاني، في منصب القائم بأعمال رئيس أركان البيت الأبيض، وليس بصفة دائمة في هذا المنصب.

جاء هذا الإعلان بعد ساعات من رفض حاكم نيوجيرسي السابق، كريس كريستي، تقلد المنصب. وكان كريستي أمضى نحو ساعة مع الرئيس قبل أسبوع، وهما يتحدثان عن المنصب. لكن قراره برفض هذا العمل جاء في نهاية الأسبوع، عندما انسحب نيك أيرز، رئيس موظفي نائب الرئيس مايك بينس، والذي كان مقرراً أن يخلف كيلي، بصورة مفاجئة. وظهرت إلى الملأ أسماء عدة، لكنَّ أياً منها لم يقبل تسلم رئاسة أركان البيت الأبيض.

ولطالما كان كريستي وترامب صديقين منذ سنوات طويلة، قبل أن يصبحا متنافسين في الترشح لانتخابات الرئاسة عن الحزب الجمهوري عام 2016. وكان كريستي يفترض أنه سيتغلب على ترامب في هذه المنافسة. لكن عندما حدث العكس، صادق على ترشيح ترامب فوراً، الذي طلب منه في ما بعد أن يترأس الخطة الانتقالية. ولكن بعد أيام قليلة من الانتخابات، تم إبعاد كريستي كمدير للخطة الانتقالية. ومن ثَمَّ طلب ترامب من كريستي أن يطلب أعمالاً أخرى في الإدارة. ولكن كريستي رفض ذلك. وأخيراً قيل إنه سيخلف وزير العدل السابق ويليام بار.

وحافظ كريستي على علاقة ودية مع الرئيس. وعلى الرغم من أنه يحمل بعض الامتيازات السياسية كسياسي محافظ، فإنه حصل على مؤهلات يفتقر إليها معظم الأشخاص الذين تم طرح أسمائهم لشغل منصب رئيس أركان البيت الأبيض. ومن المؤكد أن ترامب بحاجة إلى هذه المؤهلات في العام المقبل. ومن هذه المؤهلات: تجربة الإدارة، وتجربة العمل السياسي، ومهارات التواصل، والعلاقات السياسية المستقلة، وأهم من كل ذلك التجربة القانونية، باعتباره وزير عدل سابقاً.

وربما أن كريستي خلص إلى نتيجة مفادها أنه ليس الوقت المناسب كي يشارك في إدارة ترامب، والعمل لدى الرئيس الذي نادراً ما كان يقبل استشارة أحد من مستشاريه، والذي يمكن أن تكون سلوكياته المتقلبة، التي لا يمكن توقعها، أكثر ضرراً خلال الأشهر المقبلة.

هشاشة موقف الرئيس

وتؤكد القرارات التي اتخذها أيرز وكريستي وآخرون، هشاشة موقف ترامب. ففي الوقت الذي يحتاج فيه إلى كل قوته، وحكمته والدعم المباشر من المحيطين به، يبدو ترامب كأنه رئيس على إدارة يمكن أن تضعفه أكثر، بدلاً من احتمال تقويته.

ويعاني مكتب المستشار القانوني في البيت الأبيض نقصاً في الموظفين، في الوقت الذي تتجه فيه الإدارة نحو عام سيتطلب الحصول على الكثير من وثائق لجان الكونغرس، واحتمال محاكمة الرئيس، إذا كانت تقارير المستشار الخاص، روبرت مولر، تقتضي ذلك. وخرج كثيرون من البيت الأبيض إلى أعمال في القطاع الخاص، والمزيد يمكن أن يأتي خلال الأشهر المقبلة.

ولايزال هناك العديد من الموالين حتى الآن. ومن بينهم مستشارة الرئيس كيليان كونواي، والمتحدثة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز، وابنة الرئيس إيفانكا، وزوجها غاريد كوشنر.

وبالنسبة لترامب، أصبح الآن العديد من الأشخاص الذين كانوا من بين مستشاريه الموثوقين جيداً، سلاحاً بأيدي المدعين العامين. وكان مايك كوهين محامي ترامب - لفترة طويلة - قد قال إنه من شدة ولائه للرئيس مستعد لأن يفدي ترامب بحياته، لكنه تحول ضده الآن. وفي الأسبوع الماضي، تم الحكم على كوهين بالسجن ثلاث سنوات، بسبب الجرائم التي ارتكبها. وأبلغ كوهين المحكمة بأنه فعل بعض هذه الجرائم، بما فيها الكذب على الكونغرس، لإخفاء «الأعمال» القذرة التي قام ترامب بها.

وفي مقابلة مع تلفزيون «إيه بي سي»، كرر كوهين ما قاله في المحكمة، إنه كان يتصرف بأوامر من ترامب، حيث دفع المال لامرأتين كان الرئيس قد أقام علاقات معهما. واتهم ترامب بأنه «كذاب أشر». من جهته، اتهم ترامب كوهين بأنه يكذب، لكن صدقية الرئيس في هذه القضايا أصبحت واهية تماماً. وأنكر في البداية معرفته بأي أموال دفعها لممثلتي الأفلام الإباحية كارين ماكدوغال، وستورمي دانييلز، لكن قصته تغيرت بصورة متكررة، كلما ظهرت أدلة تفند ما قاله.

وهناك شخص آخر عمد إلى حماية الرئيس، وهو الآن على الجانب الآخر ضده، وهو ديفيد بيكر، الذي يعمل في وسائل إعلام، كما أنه ناشر صحيفة «ناشيونال إنكوايرر» الأميركية، والذي حمى ترامب عبر حملة قام من خلالها بشراء وإتلاف قصص مضرة بالرئيس، ومن خلال اختلاق قصص مزيفة عن المرشحة الديمقراطية السابقة للرئاسة الأميركية هيلاري كلينتون. وفي اليوم الذي أصدرت فيه المحكمة حكم السجن على كوهين، اعترف بيكر بأن إنكوايرر دفعت لماكدوغال 150 ألف دولار، كي لا تنشر قصتها على الملأ.

الأمر الآخر الذي لا يقل إثارة للقلق بالنسبة لترامب، سيكون دور آلان فيسلبيرغ، الذي كان المدير المالي لمنظمة ترامب الخيرية، وهو الشخص الذي يجب أن يعرف الكثير عن الأعمال المالية الداخلية في إمبراطورية ترامب. وكان قد منح الحصانة بعدم مقاضاته، إذا تعاون مع المحكمة. وفي الوقت ذاته، اتهم مستشار الأمن القومي السابق في إدارة ترامب، مايكل فلين، بأنه كذب على مكتب التحقيقات الفيدرالي، وتعاون مع المحققين. ويقبع المدير السابق لحملة ترامب الانتخابية، بول مانافورت، في السجن نتيجة جرائم ارتكبها ليست لها علاقة بالحملة. أما النائب السابق لمدير الحملة ريك غيتس، وهو شريك لمانافورت في الأعمال، فقد اعتبرته المحكمة مذنباً، لدوره في أعمال مانافورت.

لا أحد يعرف

ليس هناك أحد، خارج دائرة المستشار الخاص، روبرت مولر، يدرك ما ستفصح عنه النتائج النهائية لتحقيقاته، حول قضايا مثل العلاقة مع روسيا، وانتهاكات قانون تمويل حملة ترامب، وحول التعاملات المالية لمنظمته الخيرية. ويمكن قول الأمر ذاته عن عمل المدعين العامين الفيدراليين، في الجادة الجنوبية في نيويورك.

ومن غير المرجح أن يقوم الكونغرس بمقاضاة الرئيس بشأن انتهاكات قانون تمويل الانتخابات، لكن الكونغرس يضيِّق الخناق على ترامب للتحقيق حول العديد من العمليات التي قام بها، والتي وقعت تحت نظر المدعين العامين. وخلال هذا الوقت لا يملك الرئيس الأميركي سوى الانتظار بقلق إلى أين ستؤول الأمور. لكنه سيواصل الرد على الاتهامات ضده، في محاولة منه للتقليل من أهمية عمل المدعين العامين، لكنه يقوم بذلك من موقف قلق ومهزوز.

- كان مايك كوهين، محامي ترامب لفترة طويلة، قد قال إنه من شدة ولائه للرئيس

مستعد لأن يفدي ترامب بحياته، لكنه تحول ضده الآن. وفي الأسبوع الماضي، تم

الحكم على كوهين بالسجن ثلاث سنوات، بسبب الجرائم التي ارتكبها. وأبلغ كوهين

المحكمة بأنه فعل بعض هذه الجرائم، بما فيها الكذب على الكونغرس، لإخفاء

«الأعمال» القذرة التي قام ترامب بها.

- القرارات، التي

اتخذها أيرز وكريستي

وآخرون، تؤكد

هشاشة موقف

ترامب. ففي

الوقت الذي

يحتاج فيه إلى كل

قوته، وحكمته،

والدعم المباشر من

المحيطين به، يبدو

كأنه رئيس

على إدارة يمكن أن

تضعفه أكثر، بدلاً من

احتمال تقويته.

الأكثر مشاركة