بهدف توسيع الخيارات أمام أنقرة

تركيا تجدِّد مساعي الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

صورة

بعد نحو ثلاثة أعوام من التوتر بين تركيا والدول الأوروبية، بسبب التباين في التعامل مع ملفات داخلية وإقليمية عدة، عادت قضية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لتكتسب أهمية وزخماً خاصاً على الساحة التركية من جديد، حيث عقدت مجموعة العمل التركية المكلفة بمتابعة ملف الإصلاحات التي تقتضيها العضوية في الاتحاد، اجتماعها الخامس في أنقرة في 11 ديسمبر الجاري، مشيرة إلى أنها ستعلن الوثيقة الاستراتيجية الخاصة بالإصلاحات القضائية، في سياق المفاوضات مع الاتحاد في يناير 2019.

اللافت في هذا السياق، هو أن تجدد مساعي الانضمام إلى الاتحاد يأتي في وقت ظهرت فيه مؤشرات توحي بأن تلك القضية باتت تواجه عقبات غير مسبوقة، على نحو بدا جلياً في تأكيد المفوضية الأوروبية، في 4 سبتمبر 2017، أن «تركيا تتخذ خطوات ضخمة تبعدها عن أوروبا، وتجعل انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي مستحيلاً». وجاء ذلك بعد يوم واحد من تصريحات المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، التي قالت فيها إن «تركيا يجب ألا تصبح أبداً عضواً في الاتحاد الأوروبي».

وهنا، يمكن القول إن تجدد مساعي الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي يكتسب أهميته من توقيته، الذي يأتي في خضم ظروف وتطورات لا تبدو مواتية، سواء بالنسبة لتركيا أو لأوروبا، على نحو قد يدفعهما إلى البحث عن بدائل أخرى.

متغيرات عدةربما يمكن تفسير حرص تركيا على تجديد هذه الجهود مرة أخرى، بعد مرحلة التوتر التي اتسمت بها العلاقات مع الدول الأوروبية، في ضوء حرص أنقرة على توسيع هامش الخيارات المتاحة أمامها على الساحة الدولية، بعد أن تعرضت لضغوط دولية قوية، خلال المرحلة الماضية.

إذ توترت علاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية في الفترة الأخيرة، بعد الخلاف الذي نشب حول قضية القس الأميركي آندرو برونسون، الذي أفرجت السلطات التركية عنه، في 12 أكتوبر 2018، بعد الضغوط الأميركية القوية التي فرضت تداعيات اقتصادية مباشرة على تركيا، بدت جلية في التدهور المستمر لليرة التركية على خلفية العقوبات التي أقرتها واشنطن.

وقد كانت قضية برونسون العنوان الرئيس للخلافات الحادة بين الطرفين، حيث تباينت مواقف أنقرة، سواء حول التعامل مع التطورات الميدانية السورية، خصوصاً في ما يتعلق بالموقف من الميليشيات الكردية التي دعمتها واشنطن، باعتبارها طرفاً يمكن الاعتماد عليه في الحرب ضد تنظيم «داعش»، أو حول مطالب أنقرة بتسليم فتح الله غولن، الذي تتهمه بتدبير محاولة الانقلاب التي وقعت منتصف يوليو 2016.

في مقابل ذلك، لم تصل العلاقات مع روسيا إلى مستوى يمكن الاعتماد عليه في مواجهة ضغوط واشنطن. بل يمكن القول إن التعاون الثنائي مع موسكو لا يعبر بالضرورة عن استراتيجية جديدة، تتبعها أنقرة للتعامل مع التطورات الطارئة على الساحة الدولية، إذ إنه قد يدخل في إطار الخطوات التكتيكية التي يفرضها الوجود الروسي في سورية، على المستويين السياسي والعسكري، والتوتر في العلاقات مع الدول الغربية.

وقد سمح التنسيق مع موسكو بالوصول إلى ما يسمى «صفقة سوتشي»، في 17 سبتمبر 2018، والتي منعت تدخلاً عسكرياً، كان متوقعاً من جانب النظام السوري وحلفائه في إدلب، التي تحظى باهتمام خاص من جانب أنقرة. فضلاً عن أنه كان مدخلاً لإجراء مفاوضات حول شراء منظومة صواريخ «إس 400» الروسية، التي أثارت ردود فعل رافضة من جانب الدول الأوروبية، لدرجة دفعت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى التهديد بفرض عقوبات جديدة على أنقرة، حيث أشارت وزارة الدفاع الأميركية، في 7 ديسمبر 2018، إلى أن دخول تلك المنظومة الأراضي التركية، سيفرض نتائج كارثية على العلاقات العسكرية بين الطرفين.

إلى جانب ذلك، ترى الحكومة التركية أن تجديد تلك المساعي يمكن أن يعزز قدرتها على مواجهة تبعات الأزمة الاقتصادية، باعتبار أن التوتر في العلاقات بين الطرفين أدى إلى تراجع المساعدات التي تقدمها أوروبا إلى تركيا، حيث قررت المفوضية الأوروبية، في 27 سبتمبر 2018، تخفيض مساعداتها إلى أنقرة، بسبب عدم إحرازها أيّ تقدم في الوفاء بالمعايير المطلوبة للانضمام إلى الاتحاد، ووصلت نسبة التخفيض إلى 40%، خلال الفترة من 2018 و2020، ما يعني أن ما ستحصل عليه أنقرة سيكون أقل بـ759 مليون يورو عما كان مقرراً من الأساس، حيث كانت الموازنة الأوروبية المتعددة الأعوام قد حددت مساعدات لتركيا وصلت إلى 4.45 مليارات يورو، خلال الفترة من 2014 وحتى 2020، لتعزيز قدرتها على الالتزام بتلك المعايير، التي تمهد لانضمامها إلى الاتحاد.

مواجهة الأزمات

ترى الدول الأوروبية أن التعاون مع تركيا يبقى خياراً لا يمكن استبعاده، رغم التوتر العالق بين الطرفين بسبب التباين في التعامل مع الملفات الخلافية. إذ إن هذا التنسيق لايزال يمثل، وفقاً للرؤية الأوروبية، متغيراً للتعامل مع الارتدادات المستمرة للأزمات الإقليمية، التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.

بمعنى آخر، إن استمرار مواجهات اللاجئين والمهاجرين، فضلاً عن العمليات الإرهابية التي تقع داخل الدول والعواصم الأوروبية، يفرض ضرورة مواصلة التنسيق مع تركيا، وتحييد تأثير الملفات الخلافية فيه.

لكن هذه الطموحات الأوروبية تواجه عقبات عدة. إذ لا يمكن تجاهل أن السياسة التركية في المنطقة لم تعزز الجهود التي بذلت للوصول إلى تسوية للأزمة السورية، بل أسهمت في عرقلتها، خصوصاً بعد أن حرصت على الوصول إلى تفاهمات مع إيران، التي تمثل أحد الأطراف الرئيسة المنخرطة في الصراع السوري، إلى جانب نظام الأسد.

إلى جانب أن الدول الأوروبية لم تتجاهل علاقات تركيا مع التنظيمات الإرهابية والمسلحة في سورية، والتي سعت من خلالها أنقرة إلى أن تتحول إلى رقم مهم في الترتيبات السياسية والأمنية، التي جرى العمل على صياغتها في الأعوام الماضية.

كذلك، قد لا تعبر مساعي الانضمام عن توجه تركي مستقر، في ظل التغير المستمر في السياسة التركية، فضلاً عن إبداء اتجاهات أوروبية عدة شكوكاً في مدى إمكانية التعويل على هذا الاتجاه في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان، بشكل يضع حدوداً للمسارات المحتملة، التي قد تتجه إليها تلك القضية، خلال المرحلة المقبلة.


- الحكومة التركية ترى أن تجديد مساعي الانضمام للاتحاد الأوروبي، يمكن أن يعزز

قدرتها على مواجهة تبعات الأزمة الاقتصادية، باعتبار أن التوتر في العلاقات بين

الطرفين أدى إلى قرار المفوضية الأوروبية، في سبتمبر الماضي، بتخفيض

مساعداتها إلى أنقرة بنسبة 40%، بسبب عدم إحرازها أيّ تقدم في الوفاء

بالمعايير المطلوبة للانضمام إلى الاتحاد.

- استمرار مواجهات اللاجئين والمهاجرين، فضلاً

عن العمليات الإرهابية، التي تقع داخل

الدول والعواصم الأوروبية، يفرض ضرورة

مواصلة التنسيق مع تركيا، وتحييد تأثير الملفات

الخلافية فيه.

طباعة