5 أحداث تعيد تشكيل العالــم العربي سياسياً واجتماعياً واقتصادياً في الــعقود المقبلة - الإمارات اليوم

حددها تقرير للمنتدى الاستراتيجي العربي واصفاً المرحلة الحالية بـ«فترة انتقاليــة متقلّبة»

5 أحداث تعيد تشكيل العالــم العربي سياسياً واجتماعياً واقتصادياً في الــعقود المقبلة

صورة

حدّد تقرير صادر عن المنتدى الاستراتيجي العربي، بالتعاون مع معهد دول الخليج العربية في واشنطن، خمسة أحداث مهمة ربما تؤدي إلى إعادة تشكيل مستقبل العالم العربي، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، في العقود المقبلة. وقد تم إطلاق التقرير في جلسة تحضيرية سبقت انعقاد المنتدى الاستراتيجي العربي، المقرر يوم 12 ديسمبر الجاري، وحضرها مجموعة من الأكاديميين والإعلاميين، وقدمه كل من الباحث حسين إيبش، باحث مقيم أول، معهد دول الخليج العربية في واشنطن، ورئيس تحرير جريدة «الرؤية»، محمد الحمادي.

ووصف التقرير، الذي حمل عنوان: «خمسة أحداث في السنوات الخمس الماضية تعيد تشكيل الواقع العربي»، المرحلة الحالية التي تمرّ بها المنطقة العربية بأنها «فترة انتقالية متقلبة»، مؤكداً أن «العديد من العوامل الداخلية والخارجية يعمل على إعادة تشكيل العالم العربي، وقد لا يتم استيعاب بعضها بشكل كامل حتى الآن، ومع ذلك، فقد احتلت خمسة أحداث مركز الصدارة في السنوات الخمس الماضية، وهي تؤثر الآن بقوة على السياسة والمجتمعات العربية، ومن المرجح أن تستمر في هذا التأثير».

والأحداث الخمسة التي حددها التقرير هي: أزمة الإسلام السياسي، وصعود وانهيار «داعش»، وتنامي الميليشيات الطائفية، ومقاطعة قطر، والإصلاحات في السعودية، مشيراً إلى أن هذه الأحداث الرئيسة تصدرت تفاعلاتها وتأثيراتها المشهد العربي، على مدار السنوات الخمس الماضية، وانعكست تداعياتها على الساحة العالمية، مما تترتب عليها عوامل عدة تعمل بوضوح، وعلى نحو رئيس، على صياغة المشهد السياسي والاستراتيجي للعالم العربي.

ويعتبر هذا التقرير واحداً من التقارير والدراسات السنوية الصادرة عن المنتدى الاستراتيجي العربي، الذي ينعقد يوم 12 ديسمبر 2018 في دبي.

وشرح التقرير أن أزمة الإسلام السياسي، وطبيعة الجماعات الإسلامية ودورها، مثل جماعة «الإخوان» الإرهابية، ستكونان ركيزة أساسية في تشكيل معالم الثقافة السياسية العربية السائدة في العقود المقبلة، متسائلاً: هل سيبقى الدين المُسيَّس والسياسات المنحرفة دينياً قوة أيديولوجية قوية ومتنقلة بين المجتمعات العربية؟ أم ستسود الوطنية والوعي الاجتماعي الشامل كقيم مهيمنة؟

النضال ضد التطرف

وبالنسبة لـ«داعش»، قال التقرير إنه على الرغم من أن التنظيم قد هُزم بساحة المعركة في العراق وسورية، إلا أن النضال ضد حركات التطرف والعنف قد تحول الآن إلى مستوى أعمق، ويجب التعامل مع التحدي المتمثل في القضاء على الإرهاب بوصفه تهديداً كبيراً على مستوى أكثر جوهرية، وذلك بمعالجة الأسباب الجذرية للتعصب وهزيمة التطرف العنيف، والقضاء على قدرته على استدراج الشباب المحرومين أو الحاقدين أو المستضعفين.

وفي ما يخص تنامي صعود الميليشيات الطائفية، أشار التقرير إلى أن العديد من المجتمعات العربية يحاصرها الآن صعود أطراف فاعلة من غير الدول نفسها، وكثير منها من الميليشيات الطائفية الموالية لإيران، التي تعمل على تقويض سيادة الدول، وتعطيل أو اغتصاب السلطة الوطنية التابعة حقاً للحكومات المركزية، وذلك يعمل على تآكل الدولة في العالم العربي ويعزز فشلها، كما يعمل على تأجيج الطائفية بين الطوائف العربية الشيعية وأبناء بلدهم العرب السنة. وبالتالي فإن هذا يشكل تهديداً داخلياً وخارجياً للعالم العربي، وأحد أخطر التحديات التي ظهرت في السنوات الأخيرة.

وحول السعودية، وصف التقرير الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية الجارية في المملكة العربية السعودية، بأنها «إصلاحات شاملة لدرجة أنها من الممكن أن تشكل تطوراً يؤدي إلى دولة سعودية رابعة»، مرجحاً أن «يكون لهذا التحول، الذي يدار من الأعلى إلى الأسفل، تداعيات عميقة ليس فقط على المجتمع السعودي وبقية دول منطقة الخليج وحسب، وإنما على العالم العربي بشكل عام، وذلك بسبب القيادة والنفوذ الهائل اللذين تمارسهما الرياض، ولأن هذا يمثل بديلاً محتملاً عن التغيرات الثورية الفوضوية الخارجة عن السيطرة في انتفاضات ما يشار إليه بـ(الربيع العربي)».

الانهيار المفاجئ لـ«الإخوان»

وأكد التقرير أن الظهور الوجيز والانهيار المفاجئ، والأزمة المستمرة للحركات الإسلامية المرتبطة بالإخوان، ربما تكون من أهم نتائج انتفاضات ما يسمى «الربيع العربي»، ومع توالي سقوط سلسلة من الزعماء الأقوياء المتمرسين عن السلطة، افترض العديد من المعلقين أن أحزاب «الإخوان» ستتبوأ مقاليد السلطة وتحدد التيار السياسي العربي الناشئ في أوائل القرن الـ21. غير أن هذا لم يحدث، وبدلاً من ذلك، تجد الحركات الإسلامية نفسها الآن في وضع متزعزع ومتقلقل.

وتابع التقرير أنه «بحلول عام 2013، وبدلاً من أن يركب الإسلاميون موجة السلطة، سرعان ما غرقوا في أزمة مازالوا يتخبّطون فيها. وكانت نقطة التحول في مصر عام 2013، حيث تفاقم الاستياء بعد أن منح الرئيس المعزول مرسي، نفسه حقوقاً ديكتاتورية فعلياً لتجاوز السلطة القضائية، وبدا أنه مستعد للتخلص من منظومة الدولة أو هيكليتها البيروقراطية لمصلحة «الإخوان».

وأكد التقرير أن الإطاحة بمرسي كانت من علامات الفشل الواضحة للجماعات الإسلامية في جميع أنحاء المنطقة .

وأرجع التقرير تعثر هذه التنظيمات، لاسيما جماعة «الإخوان» في مصر، إلى الانفصال بين مداركهم وتطلعاتهم الخاصة وبين الحقائق الثابتة لجهة من هم عليه في الواقع. فبينما كانوا من أوائل وأكبر المستفيدين من الانتفاضات والاحتجاجات، مقدّمين أنفسهم على أنهم جوهر «الثورات»، فإن هذه التنظيمات في واقع الأمر - وكما كانت الجماهير تعرف حق المعرفة - لم تكن المبادرة في الانتفاضات الشعبية التي أطاحت بالأنظمة القديمة ولم تقُدها، وبمجرد اندلاع الاحتجاجات، انضمت بالتأكيد إلى الحراك، لكنها لم تجسّد آمال الشعب، لا قبل الثورات، ولا أثناءها ولا بعدها.

وأكد التقرير أن الأحزاب التي تتبنى الفكر الإخواني تشترك عموماً في عدد من السمات التي ميّزت الحركة منذ بدايات تأسيس جماعة «الإخوان» في مصر، الأمر الذي قوّض بشكل كبير فرصهم في توسيع شعبيتهم وتأثيرهم السياسي في أعقاب الاحتجاجات الشعبية. وفي جميع الحالات تقريباً، كانت هذه المجموعات متآمرة، ومتمردة ومرتبطة بأطراف خارجية.

وعلاوة على ذلك، فإن أجندة «الإخوان» تميل إلى تقويض الهويات والأولويات الوطنية، ما يضع الانتماء الإسلامي فوق الهوية الوطنية الأساسية، ويجعله أهم منها. وكان تعصبهم المتأصل يهدد في الكثير من الحالات التعدد الثقافي والطائفي والعرقي التقليدي في المجتمعات العربية.

وأضاف أنه «بعد مرور 100 عام من الارتباط بالخارج والمخططات التآمرية، والتحريض والعنف الثوري، لايزال معارضو الإسلاميين، وقسم كبير من الجمهور العربي، يشككون في نياتهم.

النموذج الإماراتي

ووفقاً للتقرير، يواصل العديد من الأصوات البارزة في العالم العربي التأكيد على الحاجة إلى توجهات سياسية، تؤكد على الوعي الاجتماعي والوطني، بحيث يتم تغليبه على تجييش المشاعر الدينية والطائفية. وتُظهر بعض دول الخليج، بما فيها دولة الإمارات العربية المتحدة، إمكانية وجود مجتمع عربي متعدد الأديان ومتنوع ثقافياً وعرقياً ومتسامح دينياً واجتماعياً، فضلاً عن كونه فاعلاً ومزدهراً إلى أبعد الحدود.

وقال إن المجتمعات المتنوعة إلى حد كبير والمتسامحة تقليدياً في العالم العربي، تعدّ أكثر ملاءمة لنموذج يقوم على المواطنة والمشاركة الشاملة في المشروع الوطني، من رؤية ضيقة للهوية الطائفية والعقائدية الدينية. والمجال مفتوح لاحتضان العالم الخارجي والانضمام للمجتمع الدولي، والتنافس بنجاح في الاقتصاد المعولم، بدلاً من حجب العالم العربي خلف متراس من عقيدة ظلامية بارانوية.


«حزب الله».. من لبنان إلى سورية والعراق

أكد التقرير أنه بالإضافة إلى الجماعات المتشددة مثل تنظيمَي «القاعدة» و«داعش»، هناك مجموعة مختلفة من العناصر المتطرفة من غير الدول تهدد الشرق الأوسط المعاصر: الميليشيات والأحزاب الموالية لإيران، معتبراً أن النموذج الأولي لمثل هذه المجموعات هو «حزب الله»، الذي تأسس بتوجيه إيراني في أعقاب الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، وخلال الـ20 سنة اللاحقة، قامت إيران وحلفاؤها في دول عربية مختلفة بمحاولات عديدة لمحاكاة النجاح الكبير الذي حققته في تأسيس «حزب الله» وكيلاً إيرانياً.

وأدى سقوط «طالبان» في أفغانستان، ونظام صدام حسين في العراق على وجه الخصوص، إلى توسع هائل في نفوذ إيران الإقليمي، ومع تعزيز قوة إيران ونفوذها في العالم العربي، منذ انتفاضات «الربيع العربي»، فإن اعتماد إيران على الوكلاء من غير الدول والجماعات المتطرفة المسلحة توسّع مداه. وكما هي الحال منذ أوائل الثمانينات، فإن «حزب الله» هو جوهرة تاج الهيمنة الإيرانية في العالم العربي. إلا أنه مع مرور الوقت، خصوصاً أثناء الصراع السوري، تطور دور «حزب الله» بشكل كبير، إذ كان لاعباً رئيساً في المشروع الروسي - الإيراني المشترك لإنقاذ واستعادة نظام الأسد، وتطورت طبيعة الحزب بشكل لافت للنظر، ولم يعد «حزب الله» الآن ظاهرة لبنانية في المقام الأول، لأن معظم نشاطاته المهمة تجري في سورية وخارجها.

علاوة على ذلك، وفقاً للتقرير، يعمل «حزب الله» الآن كقوة طليعية وقوة تدريب عسكرية رئيسة لمصلحة شبكة متنامية من الميليشيات الموالية لإيران، والجماعات الإرهابية، وغيرها من الجهات من غير الدول والمنتشرة في الدول العربية التي ينعدم فيها الاستقرار، وإلى جانب الحرس الثوري الإيراني، نشط «حزب الله» بشكل كبير في العراق واليمن، وبحسب العديد من التقارير، بشكل متزايد في البحرين أيضاً.

ميليشيات الحوثي الإيرانية في اليمن والانقلاب على الشرعية

بحسب التقرير، يُعتبر المتمردون الحوثيون في اليمن من أكثر العناصر إشكالية في شبكة المتطرفين المدعومين من إيران والأطراف الفاعلة من غير الدول. وخلافاً لمعظم الجماعات المسلحة المؤيدة لإيران، فإن الحوثيين (الزيدية) هم طائفة مختلفة جداً عن الشيعة الأثني عشرية، الذين يشكلون الأغلبية في إيران والعراق ولبنان. وفي حين أن التواصل الإيراني مع الزيدية يعود إلى الثمانينات، لا يبدو أن إيران لعبت دوراً رئيساً في تأسيس الحركة الحوثية في التسعينات. ومع ذلك، وعلى مدار النزاع الأخير في اليمن، خصوصاً منذ تدخل التحالف الذي تقوده السعودية في أعقاب انقلاب الحوثيين على الحكومة الشرعية في اليمن، واستيلائهم على صنعاء في عام 2014، تمكنت إيران من زيادة دعمها للحوثيين والتفاعل معهم بشكل كبير.

وأشار التقرير إلى أن كلاً من إيران و«حزب الله» ينكر بشدة أنهما يسلحان ويدربان ميليشيات الحوثي، ويقدمان لها المشورة، لكن توجد أدلة قوية تشير إلى أنهما يفعلان ذلك بشكل متزايد، وبشكل خاص، اتهمت المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة إيران بتزويد الحوثيين بالصواريخ والقذائف، التي استخدمتها الجماعة لاستهداف مجموعة من المدن السعودية منذ عام 2017.

واعتبر التقرير أن تبجُّح أحد البرلمانيين الإيرانيين بأن طهران تسيطر الآن على أربع عواصم عربية، ويقصد بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء، يعد مبالغاً فيه إلى حد كبير.

وقال التقرير «لقد تفاقمت هذه المشكلة، لاسيما في السنوات الخمس الماضية، وليس هناك سبب وجيه للاعتقاد بأنه سيتم التخلي عن هذه الاستراتيجية أو ستصبح أقل تأثيراً، ما لم تعانِ إيران من بعض النكسات الاستراتيجية الخطرة».

وأكد التقرير أن الاستراتيجية الإيرانية تسعى بشكل متعمَّد إلى تقويض سلطات الحكومات العربية واغتصابها، أو استغلال الأزمات القائمة وتأجيجها، وبشكل خاص تعتزم طهران تعزيز وتوسيع الانقسامات الطائفية في المجتمعات العربية.

«داعش» و«القاعدة».. ظهور وأفول واختلافات في الأيديولوجيات والبرامج

أكد التقرير الصادر عن المنتدى الاستراتيجي العربي أن الصراع ضد بعض أشرس أشكال التطرف الديني المسلح، في السنوات الخمس الماضية، ركز على مكافحة الصعود المريع لتنظيم «داعش»، الذي يعدّ أحد النماذج المتكررة العديدة للتوجهات «التكفيرية» المسلحة التي ظهرت في أعقاب حرب 1979 - 1989 ضد الغزو السوفييتي لأفغانستان. وتكمن الجذور الأيديولوجية لهذه الجماعات في معتقدات «الإخوان»، وخليط من تلك الروح الثورية مع الفكر الديني الاجتماعي بالغ التطرف، الذي تشكّل في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، ولقد انصهرت هذه التوجهات المتطرفة مع مؤثرات أخرى بساحات المعارك في أفغانستان، وأدت في نهاية المطاف إلى ظهور تنظيم «القاعدة» في التسعينات. وفي أعقاب الإطاحة بحركة طالبان بعد هجمات 11 سبتمبر عام 2001 في الولايات المتحدة، بدأ تنظيم القاعدة يحتضر، غير أن غزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003 ضخّ حياة جديدة في تنظيم القاعدة والحركة بشكل عام، ونشأ «داعش» من جماعة «التوحيد والجهاد» في العراق، التي كان يقودها أبومصعب الزرقاوي سيئ الصيت.

وأوضح التقرير أن لدى «داعش» اختلافات كبيرة مع «القاعدة» في الأيديولوجيات والبرامج، فمن الناحية الأيديولوجية كان تنظيم «داعش» يميل لكونه أكثر أصولية وتمسكاً بحرفية النص من تنظيم «القاعدة»، مع التركيز بشكل خاص على النبوءات، والتسليم بأننا نعيش في «نهاية العالم»، وكان الفارق الأساسي في البرنامج تأكيد «داعش» على إنشاء «خلافة» هدفاً مباشراً لنضاله، بينما بالنسبة لـ«القاعدة» بقي هذا هدفاً بعيداً. وهذا يعني، في المحصلة، أن أجندة «داعش» تشكل رفضاً لمقولات زعيم «القاعدة»، أسامة بن لادن، من التسعينات، هذه المقولات التي شكّلت في الواقع المبدأ الأساسي للقاعدة، وهي التركيز على «العدو البعيد» (الولايات المتحدة وبقية الدول الغربية) أولاً، من أجل التحضير للانتصارات النهائية على «العدو القريب» (الحكومات والمجتمعات العربية والإسلامية). كما قادت هذه التوجهات «داعش»، حتى أصبح أكثر تعصباً وتطرفاً، وأكثر عنفاً محلياً، وأكثر عدائية للجميع (خصوصاً المسلمين العرب المعتدلين، والشيعة والإسلاميين الآخرين، وأي شخص ليس عضواً في التنظيم فعلياً، بمن فيهم أخيراً خصومه في تنظيم القاعدة) من أي جماعة كبيرة سابقة.

وعلى خلفية الوحشية الاستثنائية من جانب النظام السوري وحلفائه الإيرانيين و«حزب الله»، انتعش «داعش» في الصراع السوري، كما ذكر التقرير، لكن في حين ركزت جميع جماعات المعارضة الأخرى على الإطاحة برئيس النظام السوري، بشار الأسد، فقد ركز تنظيم «داعش» بدلاً من ذلك على تأسيس حكمه الخاص في المناطق التي يسيطر عليها. ولاحظ التقرير أنه في حين يرحب الجميع تقريباً بسقوط تنظيم «داعش»، ثمة سبب وجيه للتخوف من أنه على الرغم من أن هذه المعركة قد حسمت، إلا أن الحرب الأوسع ضد التطرف لاتزال مستمرة، وهي صراع شاقّ. وابتداء من بعض المدن ذات الأغلبية السنية في العراق، التي تم تحريرها أولاً من «داعش»، مثل تكريت والفلوجة، ظهر نمط مزعج، فقد قُتل مقاتلو «داعش» أو فرّوا، واختفى التنظيم على ما يبدو من تلك المناطق.

وذكر التقرير أن عوامل رئيسة تحول دون إلحاق هزيمة حاسمة بـ«داعش» واجتثاثه تماماً، فاستمرار هشاشة وتهميش العديد من المجتمعات الخاضعة لهيمنة شيعية في العراق، وهيمنة علوية في سورية، في ظل أعمال العنف تحديداً التي تقوم بها جماعات قوات الحشد الشعبي العراقية، أو عناصر «الشبيحة» السورية أو غيرها من القوات الموالية للأسد، يسمح لعناصر لـ«داعش» بأن تستغل الموقف على اعتبار أنها تبقى الأمل الأخير للجماهير اليائسة؛ كما أن الافتقار إلى جهود إعادة الإعمار الكافية والمنسقة والمساعدات الدولية، من شأنه أن يوفر سبباً إضافياً لمثل هذا الظهور «الداعشي» المتجدد. علاوة على ذلك فإن المظالم الكامنة الواسعة التي أدت إلى ظهور «داعش» في المقام الأول، خصوصاً كظاهرة إقليمية، لم يتم حلها إلى حد كبير.

وأكد التقرير أن «داعش» خسرت «الخلافة»، لكن لم يتم إقصاؤها أو حتى إلحاق الهزيمة بها كتنظيم، خصوصاً كفكرة. ولاتزال تعمل ليس فقط في سورية والعراق، بل في ليبيا واليمن وسيناء، وأنحاء أخرى كثيرة في العالم العربي.

المقاطعة العربية لقطر نتيجة دعمها الجماعات الإرهابية

أكد التقرير أن القيادة الإقليمية والإدارة والنفوذ في العالم العربي، شهدت تحولاً حاسماً في السنوات الأخيرة، لاسيما منذ انتفاضات ما يشار إليه بـ«الربيع العربي»، وذلك بعيداً عن مراكز السلطة التقليدية، مثل القاهرة ودمشق وبغداد، نحو دول الخليج العربية، ونتيجة لذلك فإن صدى الخلافات بين دول مجلس التعاون الخليجي بات يتردد على المستويين الإقليمي والمحلي. وأبرز تلك الخلافات مقاطعة قطر، التي أطلقتها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين بالإضافة إلى مصر، في أوائل يونيو 2017.

وقال التقرير إن هذا الإجراء من جانب هذه البلدان ضد قطر جاء نتيجة سياسات الدوحة الإقليمية، وعلاقاتها مع الجماعات المتطرفة والمعارضة.

ووفقاً للتقرير، تعترض الدول الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب على الدعم المالي والسياسي والإعلامي، الذي تقدمه قطر لمجموعة من المنظمات الإسلامية والشعبية والديماغوغية في جميع أنحاء العالم العربي، وأحد الأسباب الرئيسة هو دعم الدوحة لجماعة «الإخوان» الإرهابية. ولطالما اعترضت دول المقاطعة على قطر التي تعمل مركزاً وممولاً ومروجاً إعلامياً، خصوصاً من خلال شبكة الجزيرة الإعلامية التابعة لها، للمتطرفين، وتحديداً جماعة «الإخوان»، وتعتقد دول المقاطعة الأربع جازمة أن قناة الجزيرة، بشكل خاص، كانت تحاول زعزعة استقرار مصر بعد الإطاحة بمرسي، كما يعتبرونها تهديداً رئيساً مباشراً للاستقرار الإقليمي، وعلاوة على ذلك، تتهم دول المقاطعة قطر بتقديم دعم واسع ومباشر للإسلاميين، وغيرهم من جماعات المعارضة، وذلك عن طريق تمويلهم وإيوائهم، بالإضافة إلى تزويدهم بجوازات السفر وغيرها من الوثائق الأساسية، وبالتالي فإن الاتهامات تأتي في سياق عملي وأيديولوجي. ويصرّ جيران قطر على أنها وعدت بتعديل سلوكها في الاتفاقات الموقعة في 2013-2014، غير أنهم يؤكدون أن الدوحة لم ترتقِ إلى مستوى تلك الالتزامات.

الإصلاحات السعودية.. دولة سعودية رابعة في طور النشوء

لفت التقرير إلى أن العامل الخامس والأخير الذي سيعيد تشكيل المشهد السياسي والاستراتيجي العربي في العقود المقبلة، قد يبدو - للوهلة الأولى - مجرد ديناميكيات اقتصادية واجتماعية وسياسية داخلية في إحدى الدولة العربية ذات السيادة، وتحديداً المملكة العربية السعودية، ومع ذلك، فإن التحول الدرامي في المجتمع السعودي له صدى وأهمية إقليمية واسعة، وبالنظر إلى تحول القيادة الإقليمية بعيداً عن مراكز القوى التقليدية وباتجاه دول الخليج، وأكبرها السعودية، فقد برزت المملكة عملياً كزعيم إقليمي عربي حاسم، وتعتبر دولة الإمارات العربية المتحدة أقوى شريك لها في المنطقة، ولذلك فإن ما يحدث في السعودية لن ينحصر ببساطة فيها، ولكن من المحتمل أن يكون له تأثير هائل في بقية المنطقة.

وقال التقرير: «ليس من المبالغة وصف التطورات الجارية في السعودية بأنها دولة سعودية رابعة في طور النشوء، فإذا نجحت، في نهاية هذه العملية، فلن يكون في السعودية أي وجه شبه يذكر، من حيث اقتصادها ومعاييرها الاجتماعية وهياكلها الإدارية، مقارنة بالدولة السعودية الثالثة التي تأسست عام 1932، وبالفعل، فبينما قد تبدو التغييرات السياسية الهيكلية والإدارية متواضعة وفق هذه المعايير التاريخية الشاملة، فإن أسلوب الحياة السعودي، في الواقع، يتغير بسرعة وبطرق دراماتيكية عديدة.

وأكد التقرير أنه لا ينبغي التقليل من شأن حجم ومدى التحول الجاري في المملكة العربية السعودية، حيث تسعى خطة «رؤية 2030» إلى تغيير الخصائص الجوهرية للاقتصاد السعودي بشكل أساسي، وتنويعه من الاعتماد شبه الكامل على الطاقة.

وقال إن تشجيع المواطنين السعوديين على التفكير والعمل كقوة عاملة متمكّنة، وتتمتع بالقدرة مع تفويض وديناميكية إنتاجية، يعني بالضرورة أيضاً تمكين نصف القوى العاملة الوطنية المحتملة، أي الإناث.

طباعة