تسعى إلى التمدد غير مدركة للعواقب

مستقبل الأدوار المحلية والعابرة للحدود للميليشيات العراقية

أحداث البصرة سلطت الضوء على عمق المشكلات التي تواجهها الطبقة السياسية في العراق. أ.ب

تزامناً مع استمرار العقبات التي تواجه عملية تشكيل الحكومتين العراقية واللبنانية في أعقاب الانتخابات البرلمانية التي أجريت في الدولتين، إضافة إلى تصاعد حدة التعقيدات الأمنية والسياسية في سورية، فضلاً عن عرقلة المتمردين الحوثيين لجهود تسوية الأزمة اليمنية، يتزايد تأثير الأدوار التي تقوم بها الميليشيات والفصائل الأمنية التي تشكلت تحت رعاية إيران في الإقليم لخدمة مصالحها الإقليمية المرتبطة بالصراعات والنزاعات السياسية في دول الأزمات.

فخلال شهر واحد، أعلنت ميليشيات عراقية منضوية تحت مظلة «الحشد الشعبي» وكذلك «حزب الله» اللبناني رغبتها في المشاركة في القتال باليمن لدعم الحركة الحوثية، وقبلها بفترة سبقتها دعوات سياسية من قادة أمنيين وسياسيين عراقيين لنقل عناصر من تلك الميليشيات إلي خارج الحدود العراقية بدعوى ملاحقة تنظيم «داعش» في مناطق مختلفة.

أدوار داخلية

وقد جاءت الاحتجاجات التي اندلعت في البصرة لتكشف عن الأدوار التي تمارسها ميليشيا «الحشد الشعبي» داخلياً، وعلى الرغم من الانتقادات العديدة التي وُجهت لها في هذا السياق، فإن هناك تفاهمات محلية بحكم تركيبة البنية التحتية والأساسية لتلك الفصائل على هذه الأدوار، تراوح بين تكريس نفوذ أمني لها، أو تحويلها إلى كيان بديل للأجهزة الأمنية التي فشلت، حسب رؤية اتجاهات عدة، في صد اقتحام «داعش» للعراق، وسقوط الموصل عام 2014، لكن هذه التفاهمات مازالت رهن تجاذبات محلية يفرضها التنافس المتصاعد بين القوى السياسية المختلفة، وهو ما ظهر خلال الانتخابات البرلمانية التي أجريت في 12 مايو 2018.

تجاذب المرجعيات

عام 2014 أطلق المرجع الأعلى في العراق علي السيستاني فتوى «الجهاد الكفائي» دون أن يحصرها في الفصائل الشيعية، لكن تم تأويلها على هذا النحو بحكم مصدر الفتوى فقط. وعندما أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الانتصار على تنظيم «داعش» في نهاية عام 2017، دعا السيستاني الميليشيات إلى وضع السلاح في يد الدولة، لكن هذه الميليشيات لم تكن هي ذاتها التي تشكلت على النحو السابق.

ففي منتصف تلك المسافة زمنياً وتحديداً في فبراير 2016، أصدر العبادي الأمر التنفيذي رقم (91) الذي نص على أن «تكون الحشد الشعبي كقوات جهاز مكافحة الإرهاب، وفيها قائد ونائب للقائد و20 لواء ومديريات ساندة»، وهي الصيغة التي واجهت انتقادات عدة من جانب مراقبين عراقيين وغربيين، تتعلق بتداعياتها على البنية الأمنية العراقية.

ووفقاً لتقديرات عدة، فإن تلك الميليشيات كانت قد وصلت على أقصى تقدير إلى 60 ألف عنصر، لكن من اللافت أن هناك تقديرات أخرى تشير إلى أن عام 2018 وحده شهد تضاعف هذا العدد تقريباً. وترى اتجاهات مختلفة أن هذه المفارقة تفسر عملية التوظيف السياسي لدور مستقبلي لدى تلك الفصائل، وهو ما عبر عنه السفير الأميركي السابق في العراق ريان كروكر بإشارته إلى أن هناك جهات فاعلة غير حكومية تنشئ وتدرب وتنظم تلك الفصائل، التي ستتبع مسارها الخاص، ولن تلتزم بالتوجهات العامة لتلك الجهات التي تدير البلاد ظاهرياً. كذلك فإن التمويل الاقتصادي الكبير لتلك الميليشيات ربما أسهم في تطوير بنيتها وتوسيع قاعدتها، حيث تشير بعض التقديرات إلى أن الإنفاق العسكري على هذه القوة بعد تقنينها وصل إلى نحو مليار ونصف المليار دولار.

تمدد خارجي

فقدت دعوة حصر السلاح في يد الدولة التي أطلقها السيستاني مفعولها، في حين لم تكن دعوة مماثلة من جانب مقتدى الصدر موائمة لمصالح فصائل «الحشد»، رغم أن تقدم تيار الصدر في الانتخابات البرلمانية الأخيرة مثل مؤشراً جماهيرياً إلى مدى قبول تلك الدعوات لدى الشارع، ومن المرجح في هذا الصدد أن العلاقة العضوية بين قادة تلك الفصائل وإيران شكلت دافعاً للانحياز لسياسات الأجندة الإيرانية، سواء المحلية وهو ما بدا جلياً في البصرة، أو الإقليمية كما ظهر لاحقاً في إعلان أمين عام «كتائب سيد الشهداء» التابعة لـ«الحشد» أبوآلاء الولائي، في خطاب سياسي، عن رغبته في «التطوع كجندي يقف رهن إشارة زعيم الحوثيين».

عقبات قائمة

مع أن حالة «الحشد الشعبي» على النحو الحالي تشكل وضعاً مثالياً لإيران التي تواجه مأزق التمويل والدعم في ظل العقوبات الجديدة التي فرضتها الولايات المتحدة الأميركية بعد انسحابها من الاتفاق النووي، فإن ذلك لا ينفي أن ثمة عقبات محلية وإقليمية قد تحد من فاعلية الأدوار التي تقوم بها تلك الميليشيات، وهو ما يمكن تناوله على النحو التالي:

1- انكشاف محلي

تكشف التطورات السياسية التي يشهدها العراق عن تصاعد تأثير الاتجاه المناوئ للأدوار التي تقوم بها تلك الميليشيات، على غرار النتائج التي أسفرت عنها الانتخابات البرلمانية الأخيرة، إلى جانب الاحتجاجات التي اندلعت في مدينة البصرة، والتي استهدف فيها المحتجون المكاتب التابعة لـ«الحشد» وبعض الميليشيات الأخرى التي واجهت انتقادات قوية بسبب تعاملها مع الاحتجاجات.

2- إشكالية التبعية

أظهرت الانتخابات تحول «الحشد» من كتلة أمنية إلى كتلة سياسية، ورغم أنها تتبع رئيس الوزراء بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، فإنها تحولت إلى منافس لتياره خلال الانتخابات، وإن كان ذلك لم يمنع أطرافاً عدة من بذل جهود للوصول إلى تفاهمات سياسية بين الطرفين، في ظل العقبات العديدة التي مازالت تواجه تشكيل الحكومة.

3- التحدي الإقليمي

تواجه شبكة التنظيمات الإقليمية الموالية لإيران اختبارات صعبة خلال الفترة الحالية، ففي اليمن على سبيل المثال هناك صعوبات عدة في نقل عدد كبير من عناصر الميليشيات العراقية لدعم الحوثيين، لا تنحصر فقط في إشكالية الحدود التي تبدو مختلفة في اليمن عن نظيرتها في سورية، وإنما تمتد أيضاً إلى المعطيات التي يفرضها الدور الإيجابي الذي تقوم به قوات التحالف العربي لاستعادة الشرعية من المتمردين الحوثيين.

مساحة حركة

يمكن القول إن هناك مساحة حركة فرضتها الأدوار التي قامت بها ميليشيا «الحشد الشعبي» والفصائل التابعة لها في العراق، والتي عززها عدم وجود قوة مؤسسية قادرة على تطويع هذه الأدوار، ومع ذلك فإن ثمة متغيرات عدة قد تحد من تلك الأدوار في المرحلة المقبلة، لا تتعلق فقط بالمعطيات الجديدة التي كشفت عنها نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وما ستفرضه من توازنات سياسية مختلفة، وإنما تمتد أيضاً إلى العواقب التي سينتجها التصعيد المحتمل بين إيران والولايات المتحدة الأميركية خلال المرحلة المقبلة في ضوء العقوبات الجديدة التي فرضتها واشنطن، واتجاهها إلى اتخاذ إجراءات جديدة لمواجهة نفوذ إيران على الأرض في دول الأزمات.

- جاءت الاحتجاجات التي اندلعت في البصرة

لتكشف عن الأدوار التي تمارسها ميليشيا «الحشد

الشعبي» داخلياً.