موسكو تملك مفتاح التهدئة في الجولان وليس واشنطن - الإمارات اليوم

إسرائيل أدركت الحقيقة وتوجهت صوب الكرملين

موسكو تملك مفتاح التهدئة في الجولان وليس واشنطن

صورة

تعد روسيا في الوقت الحالي أكثر أهمية من الولايات المتحدة في الحيلولة دون وقوع حرب بين إسرائيل ودمشق، فعندما أسقطت إسرائيل طائرة سورية مقاتلة الأسبوع الماضي، وهي المرة الأولى التي أقدمت فيها على ذلك منذ عام 2014، اعتقد البعض أن هذا مؤشر إلى الحرب بين الدولتين، لكنه لا يعني ذلك بالضرورة، فالإسرائيليون ليسوا مهتمين بالصراع على الحدود السورية، لأن جعبتهم مليئة بالتوترات على طول قطاع غزة. ومن جانبه، لم يستطع الرئيس السوري بشار الأسد بعدُ السيطرة على الثوار ومناطق النزاع في بلاده في الحرب الأهلية التي تستعر منذ سبع سنوات، وهو يعلم تماماً أن قواته لا يمكنها مقارعة القوات الإسرائيلية التي صنفها التقرير الأميركي، «نيوز آند وورلد ريبورت» ثامن أقوى بلد في العالم من الناحية العسكرية، وتأتي مباشرة بعد فرنسا واليابان.

الطائرة السورية التي أسقطتها إسرائيل «سوخوي سو 22»، أو «سو 24»، وفقاً للجيش الإسرائيلي، تنتمي لتقنية حقبة السبعينات من القرن العشرين، ولا تستطيع التعامل مع صواريخ باتريوت المتقدمة التي تمتلكها إسرائيل، وجاء إسقاطها بعد يوم واحد من نشر إسرائيل، للمرة الأولى، منظومة الدفاع الصاروخي «دافيد سلينج»، الأكثر تقدماً للتصدي للصواريخ القادمة من سورية.

ربما كان إسقاط إسرائيل الطائرة السورية يحمل رسالة واضحة إلى الأسد تفيد بأن عليه العودة إلى اتفاقية فك الارتباط لعام 1974 التي رعاها آنذاك وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر، بين إسرائيل والرئيس الراحل حافظ الأسد. ولم يفكر الأسد الكبير في انتهاك هذا الاتفاق، ولم يفعل ابنه من بعده لسنوات، وعلى الرغم من الخطاب شديد اللهجة الصادر عن دمشق، بقيت الحدود هادئة.

أقل قلقاً

ويبدو أن إسرائيل أقل قلقاً بشأن الأسد مما هي عليه بالنسبة للإيرانيين، الذين تحالفوا مع الروس و«حزب الله»، ليؤمّنوا انتصارات عدة للأسد ضد مناوئيه من الثوار، لذلك تتطلع تل أبيب إلى موسكو لدفع الإيرانيين للخروج من سورية، وفي الوقت الراهن، تنسق إسرائيل عملياتها مع الروس، وقبل إسقاط الطائرة التي أقلعت من قاعدة تيياس العسكرية السورية متجهة إلى المجال الجوي الإسرائيلي، اتصلت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أولاً بموسكو قبل التعامل مع هذه الطائرة، للتأكد من أنها ليست روسية. ومارس نتنياهو، الذي ظل في رحلات مكوكية إلى موسكو، ضغطاً على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لطرد الإيرانيين من سورية، ورداً على ذلك عرض وزير خارجية روسيا، سيرجي لافروف، الإبقاء على الإيرانيين على بعد 60 ميلاً من الحدود السورية الإسرائيلية، إلا أن نتنياهو رفض العرض ووصفه بأنه غير ملائم، لكن هذا لا يعني أن تل أبيب وموسكو لن تصلا إلى نوع من التفاهم في هذا الشأن.

أميركا ليست طرفاً

الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة لم تكن طرفاً أبداً في جهود إسرائيل لدفع الإيرانيين للخروج من سورية، وتدرك تل أبيب، مثلها مثل بقية دول المنطقة، أن موسكو ــ على الأقل في الوقت الراهن ــ هي المسيطرة على مفاصل القرار في الشأن السوري الإقليمي، لكن من ناحية أخرى، يؤكد توظيف إسرائيل لمنظومة «دافيد سلينج» على أهمية علاقتها المستمرة مع الولايات المتحدة، حيث تم تطوير النظام بأموال أميركية، ولم يكن ذلك ليتحقق من دون هذا الدعم.

وطالما ظلت إسرائيل معتمدة بشأن احتياجاتها الدفاعية على التمويل الأميركي ــ وهي في بداية العام الأول من عقد تبلغ قيمته 38 مليار دولار، وتم توقيعه في الأشهر الأخيرة من إدارة الرئيس السابق باراك أوباما ــ فسيكون لواشنطن تأثير كبير على إسرائيل، إلا أن تصميم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الواضح بشأن الانسحاب من سورية، وربما من العراق وأماكن أخرى في المنطقة، أجبر الإسرائيليين، مثل جيرانهم العرب، على إعطاء الروس وزناً أكبر من أي وقت مضى، وبالتالي فإن الدرس المستفاد من عملية إسقاط الطائرة لا يعني أن الحرب السورية الإسرائيلية باتت وشيكة، ولكن روسيا، وليس الولايات المتحدة، هي التي تمتلك مفتاح السلام على طول حدود هضبة الجولان.

روسيا فقط هي التي تستطيع الضغط على الأسد للالتزام باتفاقية 1974، وروسيا فقط هي التي لديها فرصة لإقناع طهران بالموافقة على سحب قواتها بعيداً بما فيه الكفاية عن مرتفعات الجولان لتهدئة مخاوف تل أبيب، وتظل الولايات المتحدة هي المصدر الأساسي للسلاح لإسرائيل وممولها العسكري، لكنها لم تعد قادرة على إحياء النفوذ الذي مكّن كيسنجر من التفاوض على اتفاق حدودي استمر طوال أربعة عقود.

• روسيا فقط هي التي تستطيع الضغط على الأسد للالتزام باتفاقية 1974، وروسيا فقط هي التي لديها فرصة لإقناع طهران بالموافقة على سحب قواتها بعيداً بما فيه الكفاية عن مرتفعات الجولان لتهدئة مخاوف تل أبيب.

• الولايات المتحدة لم تكن طرفاً أبداً في جهود إسرائيل لدفع الإيرانيين للخروج من سورية، وتدرك تل أبيب، مثلها مثل بقية دول المنطقة، أن موسكو ــ على الأقل في الوقت الراهن ــ هي المسيطرة على مفاصل القرار في الشأن السوري الإقليمي.

دوف زاخيم - محلل لدى «فورين بوليسي»

طباعة