تدخل تركيا في عمليات الموصل يثير المخاوف مــن تجدّد مطامعـها في المنطــقة

خلال الأسابيع القليلة الماضية، شب صراع بين أنقرة وبغداد حول دور تركيا في تحرير الموصل، ما أثار القلق من تجدد مطامع تركيا في المنطقة، ففي مناسبتين منفصلتين، انتقد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، معاهدة لوزان، التي رسمت حدود تركيا الحديثة، ما جعل مساحة البلاد تبدو صغيرة جداً. وتحدث عن اهتمام البلاد بمصير الأقليات التركية التي تعيش خارج هذه الحدود، وكذلك المطالبات التاريخية بمدينة الموصل العراقية، التي يوجد بالقرب منها قاعدة عسكرية تركية صغيرة. جنباً إلى جنب مع أنباء عن طائرات تركية تقصف القوات الكردية في سورية وتنخرط في معارك وهمية مع طائرات يونانية فوق بحر إيجه.

يحاول أردوغان في سورية والعراق تحقيق هدف وطني طويل الأمد، وهو هزيمة حزب العمال الكردستاني، وذلك بالاستفادة من الأدوات القومية التقليدية للسياسة الخارجية التركية المتمثلة في ثقل الأقليات التركية في البلدان المجاورة.

القوات الخاصة التركية ظلت تعمل مع الجبهة التركمانية العراقية، منذ عام 2003 على الأقل، من أجل توسيع النفوذ التركي، ومواجهة حزب العمال الكردستاني في شمال العراق.

لن تقدم تركيا بالطبع على ضم جزء من العراق في أي وقت قريب، إلا أن هذا المزيج من رسم الخرائط الحدودية والخطب النارية يعكس السياسة الخارجية والداخلية الحالية لتركيا والصورة التي ترسمها أنقرة لنفسها، حيث تكشف الخرائط، على وجه الخصوص، عن تصاعد القومية التركية، الذي يمثل عنصراً في فن الحكم في البلاد، حيث يتم إحياؤها الآن مع بعض التاريخ المنقح وجرعة إضافية من الدين. ولكن إذا كان الماضي يشكل أي إشارة، فإن التدخلات العسكرية ولغة المواجهة التي تلهبها القومية تؤثر سلباً في الأمن التركي والمكانة الإقليمية للبلاد.

خرائط تركيا التي تظهر على شاشة التلفزيون أخيراً تبدو للوهلة الأولى مماثلة للخرائط الكبرى لكل من اليونان، ومقدونيا، وبلغاريا، وأرمينيا، وأذربيجان، وسورية. ويمكننا القول إنها ليست خرائط للإمبراطورية العثمانية، التي كانت أكبر بكثير، أو العالم الإسلامي أو العالم التركي، لكنها خرائط لتركيا تبدو أكبر قليلاً من خرائط الوقت الحالي.

وتهدف هذه الخرائط لإظهار الحدود المنصوص عليها في الميثاق الوطني التركي، وهي الوثيقة التي اقترح أردوغان أخيراً على رئيس وزراء العراق، حيدر العبادي قراءتها والاطلاع عليها لكي يفهم اهتمام بلاده بالموصل. وتم توقيع هذا الميثاق في عام 1920، بعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، ويحدد الميثاق الوطني تلك الأجزاء من الإمبراطورية التي ينبغي أن تكون الحكومة مستعدة للقتال من أجلها. على وجه التحديد تلك الأراضي التي لاتزال تحت سيطرة الجيش العثماني في أكتوبر 1918 عندما وقعت القسطنطينية هدنة مع القوى المتحالفة. وتمتد هذه الحدود على الحدود الجنوبية لتركيا، من شمال حلب في ما هو الآن سورية إلى كركوك في ما يعرف الآن بالعراق.

وحين قرر الحلفاء عزمهم على تجريد الإمبراطورية من معظم ما كانت تسيطر عليه في عام 1918، فقد أدى ذلك إلى تجدد القتال بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، الذي هزم القوات الأوروبية ليؤسس في ما بعد تركيا بحدودها الحالية. ويشيد التاريخ الرسمي لتركيا بأتاتورك لنجاحه في ترسيم الحدود المبينة في الميثاق الوطني لكن (ناقص الموصل، بطبيعة الحال) وكما تقره معاهدة لوزان. ويبدو ذلك مبالغة في الادعاء بسبب الأجزاء المضمنة في الاتفاق لكن استبعدتها معاهدة لوزان. وفي حين أن إعادة ترسيم الحدود بالقوة في بلدان مثل ألمانيا وإيطاليا وبلغاريا والمجر جلب كارثة على تلك البلدان بعد الحرب العالمية الثانية، فإن تركيا تحت أتاتورك وخليفته - قاومت هذه النزعة.

وعلى النقيض من ذلك جاء أردوغان برواية بديلة تخالف تماماً ما ذهب إليه أتاتورك في معاهدة لوزان من التخلي عن أراضي الإمبراطورية مثل الموصل والجزر اليونانية في بحر إيجه، حيث تعتبر الرواية أن ذلك ليس عملاً براغماتياً من جانب أتاتورك وإنما هو نوع من الخيانة. ومن بين أمور أخرى، فإن إعادة تفسير أردوغان للتاريخ يعكس على نطاق واسع الحديث في الولايات المتحدة عن اتجاه أردوغان الجديد المتمثل في «العثمانية الجديدة». ومنذ 10 سنوات، فإن الحماس الذي يظهره أردوغان بكل ما هو عثماني إنما يشكل جزءاً من استراتيجية فعالة لتحسين العلاقات مع الشرق الأوسط المسلم، وهي السياسة التي يرى بعض النقاد الأميركيين أنها تمثل تحدياً لدور بلادهم في المنطقة. إلا أن إحياء الميثاق الوطني كمبرر للمطالبة التاريخية لم يجد شعبية بين جيران تركيا. ومن المرجح أن تأتي الآن انتقادات السياسة الخارجية «للعثمانية الجديدة» من العالم العربي أكثر من أي مكان آخر.

وبالمثل يحاول أردوغان في سورية والعراق تحقيق هدف وطني طويل الأمد، وهو هزيمة حزب العمال الكردستاني، وذلك بالاستفادة من الأدوات القومية التقليدية للسياسة الخارجية التركية – المتمثلة في ثقل الأقليات التركية في البلدان المجاورة. ويعتبر لواء السلطان مراد، الذي يتألف في الغالب من التركمان، واحداً من الأصول العسكرية لأنقرة داخل سورية، والذي يعمل على حد سواء ضد نظام الرئيس السوري، بشار الأسد وحزب العمال الكردستاني. وفي الوقت نفسه، فإن التركمان الذين يعيشون حول الموصل والمنطقة المحيطة به يشكلون مصدر قوة لأنقرة في العراق وينالون اهتمامها. وظلت القوات الخاصة التركية تعمل مع الجبهة التركمانية العراقية منذ عام 2003 على الأقل من أجل توسيع النفوذ التركي ومواجهة حزب العمال الكردستاني في شمال العراق.

وعلى مدى القرن الماضي، لعبت الأقليات التركية في شمال اليونان وقبرص دوراً مماثلاً. وكان رفاههم موضوع اهتمام حقيقي للقوميين الأتراك، ولكنه أيضاً مركز ثقل محتمل ضد أثينا لاستخدامها عند الحاجة، (تصرفت اليونان، بطبيعة الحال، بالمثل في ما يتعلق بالأقلية اليونانية في تركيا، وليس من المستغرب، على حد سواء أن يعاني السكان بشكل متبادل نتيجة لذلك)، وفي حالة قبرص، على سبيل المثال، كان الغزو التركي لها في عام 1974 يهدف أساساً للدفاع عن موقف استراتيجي يتمثل في حماية الجالية التركية في الجزيرة. فبعد تصريحاته حول لوزان، أثار أردوغان قلق اليونان، بقوله: «إن تركيا لا يمكنها أن تتجاهل أقرباءها في تراقيا الغربية، وقبرص، وشبه جزيرة القرم، وفي أي مكان آخر». ولكن يمكن لأثينا أن تشعر بحالة من الراحة لما حدث لتتار القرم، فعلى الرغم من أن أنقرة أثارت المخاوف بشأن حالة تتار القرم بعد استيلاء روسيا على شبه الجزيرة، لكنها فيما يبدو أدركت أن تحسين العلاقات مع موسكو له الأسبقية على الانتماءات العرقية.

إلا أن أردوغان قد أكد أيضاً على عنصر جديد في أجندة تركيا الطائفية في السياسة الخارجية، ويتمثل ذلك في الطائفة السنية في الموصل، حيث أعلن أخيراً أن تركيا لن تدير ظهرها «لأشقائها التركمان» أو «إخوتها العرب السنة». ومثله مثل القومية التركية العلمانية، فإن هذا النوع من الانتماء الطائفي السني يجد قبولاً محلياً واسع النطاق لا يمكن إنكاره. ويتضح اهتمام أردوغان الطائفي في الموصل، حيث حذرت تركيا من المخاطر التي قد يتعرض لها السنة إذا سيطرت الميليشيات الشيعية على المدينة. ولكن تأثير هذه السياسة واضح في سورية، حيث تدعم تركيا السنة من أجل إسقاط نظام الأسد (بما في ذلك أولئك الذين يقاتلون الآن لاحتلال مدينة حلب). وفي كل من العراق وسورية، مع ذلك، لم تكن الطائفية ورقة رابحة لتركيا، لأن أنقرة حريصة على الحفاظ على علاقة اقتصادية متبادلة المنفعة مع إيران على الرغم من دعمهما لأطراف متناقضة في سورية، وأعربت العام الماضي عن استعدادها للتوصل إلى اتفاق سلام مع الأسد إذا اقتضت الظروف ذلك.

السياسة التركية في الشرق الأوسط يحركها القلق الناجم عن صراع البلاد مع حزب العمال الكردستاني، الذي تفاقم بسبب مكاسب هذا الحزب في شمال سورية. وقد شكل حزب العمال الكردستاني منذ فترة طويلة علاقات تركيا مع جيرانها الجنوب شرقيين. وكادت تركيا أن تغزو سورية في عام 1998 في محاولة نجحت في نهاية المطاف على إجبار دمشق على الكف عن إيواء زعيم الجماعة، عبدالله اوجلان. وبالمثل، أبقت تركيا قواتها العسكرية في منطقة الموصل لعقدين من الزمن، من أجل إجراء عمليات ضد حزب العمال الكردستاني. وتعتبر أنقرة بصورة دائمة أن هذه مسألة تتعلق بالأمن القومي والدفاع عن النفس. وإلى اليوم ظل الدفاع عن النفس المبرر الرئيس لتركيا لأنشطتها في العراق، حيث يؤكد أردوغان مراراً وتكراراً أن وجود القوات التركية هناك «بمثابة التأمين ضد الهجمات الإرهابية التي تستهدف تركيا»، ويضيف أنه طالما يحافظ حزب العمال الكردستاني على وجوده في العراق بشكل مفتوح، فإن هذا يشكل أيضاً المبرر الأكثر إقناعاً، محلياً ودولياً، لتدخل عسكري من خارج الحدود.

الأكثر مشاركة