النظام حاول استرجاع المزيد من الأراضي قبل بدء المفاوضات

استراتيجية الحصار تُعيق التوصـــّــــل إلى تسوية سياسية في ســـورية

صورة

يواجه مئات الآلاف في المناطق المحاصرة من قبل قوات النظام ومقاتلو المعارضة، في سورية، خطر الموت جوعاً والإصابة بأمراض سوء التغذية، وفقاً لعمال الإغاثة والناشطين في مجال حقوق الإنسان، فقد منعت الأطراف المتحاربة وصول الغذاء والدواء إلى أكثر من 10 مناطق في أنحاء متفرقة من البلاد. وقد أدى ذلك إلى تعقيد عملية السلام وجهود التسوية السياسية لإنهاء الحرب الأهلية التي طال أمدها. وساهمت الصور التي نشرت، أخيراً، لرجال وأطفال قضى عليهم الجوع في بلدة مضايا، في الضغط على الحكومات الغربية للتحرك من أجل فك الحصار على تلك المناطق، ومحاولة إيجاد حل سريع لهذه المأساة. ويقول المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر، باول كريسياك، الذي يعمل في دمشق: «مع استمرار الصراع في سورية، فإن الوضع على الأرض ينهار، خصوصاً في المناطق المحاصرة».

وحتى قبل مأساة مضايا المروعة، كان الحصار شائعاً في الحرب الأهلية السورية، التي أدت إلى مقتل أكثر من 250 ألف شخص وتشريد الملايين، وتسببت في كارثة إنسانية. ولكن هذا الأسلوب يستخدم من قبل قوات نظام بشار الأسد، بصورة أكبر، بدعم من الطيران الروسي الذي يقوم بضربات جوية منتظمة ومركزة، وقد استهدفت الغارات الأخيرة المجموعات المسلحة التابعة للمعارضة.

وقال مسؤولون في الأمم المتحدة وعمال إغاثة إن نقص الغذاء لدى الأمهات في المناطق المحاصرة أدى إلى نضوب الحليب لديهن، وأصبحن يصارعن من أجل إرضاع أطفالهن بشكل طبيعي. في حين تزايد عدد المرضى من كبار السن والشباب، ويبدو أنهم يتعرضون لأمراض يمكن الوقاية منها في ظروف أخرى، بعيدة عن الحصار والحرب.

كارثة حقيقية

http://media.emaratalyoum.com/images/polopoly-inline-images/2016/02/432435.jpg

تُشير التقارير القادمة من سورية إلى أن الظروف صعبة للغاية في المناطق التي تحاصرها المعارضة المسلحة والمجموعات المتطرفة، مثل مناطق في دير الزور التي يحاصرها تنظيم «داعش»، الذي سيطر على مناطق واسعة في سورية والعراق. لكن ناشطين في المدينة يتهمون النظام باستغلال مأساة السكان الذين يتعرضون لهجمات وحشية من قبل المجموعات المسلحة، على الرغم من الصعوبات التي يواجهها القابعون تحت الحصار. فالمسؤولون التابعون للنظام يستولون على إمدادات الغذاء التي تلقيها الطائرات النظامية، ويبيعونها في ما بعد للسكان اليائسين بأسعار خيالية، وفقاً لشهادة ناشط سوري يدعى جلال الحامد، الذي يعمل ضمن منظمة «عدالة من أجل الحياة في دير الزور». ويتعين على من يرغب في الخروج من المدينة، يضيف الحامد، دفع رسوم مرتفعة لا يستطيع أغلب السكان دفعها، للمسؤولين الحكوميين. وعبر موقع «سكايب» للمحادثة المرئية، أكد حامد أن السوريين الذين يعيشون في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة تحت حصار حقيقي من قبل جهتين، هما «داعش» ونظام الأسد، واصفاً ما يحدث بـ«الكارثة الحقيقية».

في بعض المناطق هلك الناس بسبب الجوع، كما تذكر وكالات الإغاثة وشهود عيان. ويقول ناشط من معضمية الشام، التي تسيطر عليها المعارضة وتحاصرها القوات الحكومية وتقع على مسافة قريبة إلى الجنوب من العاصمة، يدعى داني القباني: «نحن نجوع حتى الموت؛ الجميع يتضورون جوعاً، سواء النساء أو الأطفال أو الشيوخ. لا يوجد هنا طعام على الإطلاق». في الأسابيع الأخيرة، توفي سبعة أشخاص في المدينة التي يسكنها 44 ألف نسمة، بسبب انقطاع الغذاء، كما يقول القباني، وهذا اسمه المستعار.

تعقيد الوضع

زادت وتيرة الحرب منذ أن تدخلت روسيا بضرباتها الجوية ضد قوات المعارضة في سورية، نهاية العام الماضي. ويقول محللون وناشطون إن الغارات الروسية زادت من تعقيد الوضع الإنساني السيئ أصلاً في البلاد، وقد ترافق ذلك مع قيام القوات البرية النظامية بتشديد الخناق على معاقل المعارضة.

تقول موسكو، حليف نظام الأسد، إن الهدف من تدخّلها هو استهداف تنظيم «داعش» الإرهابي، ولكن المعارضة السورية تؤكد أن الغارات الجوية استهدفت قوات المعارضة بشكل رئيس، مرات عدة. ويبدو أن استراتيجية الحصار تهدد محادثات السلام التي تجري برعاية الأمم المتحدة. واشترط عدد من فصائل المعارضة، الأسبوع الماضي، سماح النظام بوصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي تحاصرها قواته، للمشاركة في المفاوضات.

يقول محلل سياسي مختص في شؤون الشرق الأوسط في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية ومقره لندن، رفض الكشف عن اسمه، إن قوات الأسد تشدد الحصار على المناطق التي يسيطر عليها المتمردون جزءاً من محاولة للسيطرة على أكبر قدر من الأراضي قبل محادثات جنيف الجارية حالياً، موضحاً أن الحصار بات جزءاً مهماً من استراتيجية مارسها النظام السوري منذ فترة طويلة، من أجل كسر عزيمة السكان غير الموالين وطردهم من مناطقهم.

في هذه الأثناء، عبر مسؤولون في منظمة الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة، عن قلقهم المتزايد حيال السكان الذين منعوا الطعام والدواء من قبل الأطراف المتحاربة في كلا جانبي الصراع. ويعتبر الحصار «تكتيكاً» يستخدم منذ القدم في الحروب. ووفقاً للمواثيق الحديثة فإن هذه الوسيلة تعتبر خرقاً واضحاً للقانون الدولي.

وأشار تقرير للأمم المتحدة إلى أن نحو 400 ألف شخص يعيشون في المناطق المحاصرة في 15 موقعاً في سورية. وتعرف المنظمة المنطقة التي تقع تحت الحصار بأنها «محاصرة من قبل عناصر مسلحة، الأمر الذي يمنع من وصول المساعدات الإنسانية بشكل دائم إلى المدنيين والمرضى والمصابين، ولا يمكن الخروج من المنطقة بحرية». وفي غضون ذلك، تواجه الأمم المتحدة انتقادات واتهامات من قبل المعارضة السورية، بالتقليل من العدد الفعلي للأشخاص المحاصرين، إذ تستثني تقارير أممية بعض المناطق التي تحاصرها القوات النظامية، وهذه الاتهامات يرفضها مسؤولون في المنظمة بشكل قاطع.

وسيلة غير متوافرة

يعتقد المحلل السوري المقيم في واشنطن، حسن الحسن، أن حصار النظام يميل إلى أن يكون أكثر قسوة ويؤثر في عدد أكبر من الأشخاص مقارنة بالحصار الذي تفرضه المعارضة، فضلاً عن ذلك، تملك قوات بشار الأسد الطائرات المقاتلة، يوضح الحسن، وهي وسيلة غير متوافرة لدى المعارضة. وتستخدم الطائرات وفقاً للمحلل السوري لقصف المناطق التي تحاصرها القوات النظامية، وإسقاط المساعدات للسكان الموالين الذين تحاصرهم المعارضة.

حيث توفي عشرات الأشخاص في بلدة مضايا، التي يعيش فيها أكثر من 20 ألف نسمة بسبب الجوع، وفقاً لعمال الإغاثة، وتحاصرها القوات النظامية وقوات موالية من حزب الله، منذ الصيف.

إلى ذلك، سمحت الاتفاقية التي تم التوصل إليها برعاية الأمم المتحدة، اخيراً، للمساعدات الإنسانية بالدخول إلى البلدة.

لكن الأمم المتحدة لا تصنف معضمية الشام ضمن المناطق المحاصرة، ويقول السكان والناشطون إن قوات الأسد قطعت إمدادات الغذاء والدواء عن الناس بشكل كامل، خلال شهر ديسمبر. في وقت انهارت الهدنة الهشة مع المتمردين في المنطقة، مع تكثيف قوات الأسد هجماتها للسيطرة على المناطق القريبة الواقعة تحت سيطرة المعارضة المسلحة.

يؤكد ناشطون أن أشخاصاً عدة، منهم أطفال، لقوا حتفهم بسبب الجوع منذ بداية تشديد الحصار حول المعضمية، الشهر الماضي. وتماماً مثل مضايا، يعاني سكان المنطقة من أسعار الغذاء المرتفعة؛ اذ تضاعف سعر الأرز، على سبيل المثال، عشر مرات على الأقل. «حالياً، تعتمد عائلتي على الحساء مع بعض الأعشاب والبهارات للبقاء على قيد الحياة»، يروي ناشط سوري يدعى ماجد، الذي فضل عدم ذكر اسمه الكامل خوفاً على سلامته، مضيفاً «الوضع سيئ للغاية، أكثر مما يتصوره الناس خارج المناطق المحاصرة».

أما ممثلة منظمة الصحة العالمية في دمشق، إليزابيث هاف، فتقول إن الأطباء في منطقة المعضمية يؤكدون أن النساء يعانين الأمرّين، هذه الأيام، من أجل إرضاع أبنائهن طبيعياً بسبب نقص الغذاء. وتضيف هاف «هذا مؤشر واضح على وجود حالات سوء التغذية الناجم عن نقص الغذاء؛ كما هو الحال في مضايا والمعضمية».

وعلى الرغم من التقارير والصور التي تؤكد حدوث المأساة، مازالت منظمة الصحة العالمية غير قادرة على التحقق من وجود حالات موت بسبب المجاعة، لأن النظام رفض طلبات المنظمة الدخول إلى المنطقة المحاصرة، منذ أشهر.

طباعة