أميركا تقدم الدعم إلى إيران وخصــومها معاً
الأسبوع قبل الماضي، بدأ تحالف من دول عربية غارات جوية على اليمن بقيادة السعودية، تستهدف الحوثيين وأعوانهم من أنصار الرئيس السابق، علي عبد الله صالح، والمدعومين من إيران، وما يجعل هذه الضربات ذات اهتمام بوجه خاص هو عدم وجود أي طائرات أميركية بينها، على الرغم من أن الولايات المتحدة قدمت المعلومات الاستخبارية وغيرها من أشكال الدعم، إلا أن هذا التحالف العربي هو الذي يشن الحملة الجوية المطولة ضد الحوثيين.
| انتقاد تركي للدور الإيراني تلزم تركيا حالياً صمتاً نسبياً، ولكنها تراقب الفوضى على طول حدودها الجنوبية، وتصاعد التوتر في القوقاز، والصراع عبر البحر الأسود، وفي سورية والعراق، والنفوذ الإيراني المثير للقلق أكثر. لم تتحدث تركيا إلا قليلاً عن إيران في الوقت الراهن، ولكن في الأسبوع قبل الماضي انتقدت أنقرة فجأة طهران واتهمتها بالسعي للهيمنة على المنطقة. فتركيا تقول في كثير من الأحيان بعض الأشياء دون أن تفعل أي شيء، ولكن التطورات قد تحمل معها الكثير. ويمثل تطور تركيا خطوة حاسمة في نشوء توازن للقوى في المنطقة، تستطيع من خلاله القوى المحلية، وليس المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة، تحديد المردود. ويتمثل الدور الأميركي، وكذلك الدور البريطاني في تقديم المساعدات التي تهدف إلى تحقيق الاستقرار في ميزان القوى، وإذا ما وضع الإيرانيين جانباً برنامج أسلحتهم النووية وركزوا على استقرار المنطقة، فإن هذا الوضع من شأنه ان يستقطب الاتراك للمساهمة في توازن القوى. |
هنا ثلاثة أمور تجعل من الضروري التوقف عندها، أولاً، نستشف من هذا الوضع بأن الولايات المتحدة ترسم خطى استراتيجية إقليمية جديدة في مثل هذه العمليات، وأن واشنطن تتجه بعيداً عن استراتيجية اتبعتها في وقت مبكر في أوائل القرن الجاري تتمثل في قيادتها القوة العسكرية الرئيسة في الصراعات الإقليمية، لكنها في الوقت الراهن تلقي العبء الأساسي للقتال على القوى الإقليمية، في حين تلعب هي دوراً ثانوياً. ثانياً، بعد سنوات من شراء أسلحة متطورة أصبحت السعودية ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية قادرة على تنفيذ حملة متطورة إلى حد ما، على الأقل في اليمن، حيث بدأت الحملة من خلال دك دفاعات العدو الجوية، وهي صواريخ أرض - جو التي استولى عليها الحوثيون من الجيش اليمني، وانتقلت الحملة إلى مهاجمة أنظمة القيادة والسيطرة الحوثية. ونستطيع أن نستشف أيضا أن هذه القوى الاقليمية تستطيع تحمل أعباء القتال إذا رفضت الولايات المتحدة المشاركة في أي عمليات مستقبلية.
الأهم من ذلك هو أن الهجوم على الحوثيين يسلط الضوء على الوضع المتنامي في المنطقة، وهو الحرب بين السنة والشيعة في العراق وسورية، ففي سورية ظلت المعركة بين حكومة الرئيس (السوري) بشار الأسد، التي يسيطر عليها العلويون، على الرغم من وجود جماعات سنية ودرزية ومسيحية داخل النظام. ومع ذلك ليس من المنطقي أن نشير إلى المعارضة السورية كائتلاف لأن هناك عداء داخلي كبير بين الجماعات السنية في المعارضة، كما أن هناك توتر بين الشيعة أنفسهم. وفي اليمن، نشأ الصراع على السلطة المحلية بين الفصائل المتحاربة، وارتقى إلى صراع طائفي لمصلحة اللاعبين الإقليميين. وهو أكثر تعقيداً من مجرد كونه حرب بين الشيعة والسنة. وفي الوقت نفسه، لا يمكن فهمه من دون المكون السني - الشيعي.
وتنبع أهمية الصراع من كونه يمثل خطوة من جانب إيران لمد نفوذها في العالم العربي. وهذه ليست استراتيجية جديدة، فقد سعت إيران للحصول على نفوذ أكبر في شبه الجزيرة العربية منذ حكم الشاه. وفي الآونة الأخيرة، سعت جاهدة لخلق منطقة نفوذ تمتد من إيران نفسها إلى البحر الأبيض المتوسط، وأن بقاء حكومة الأسد في سورية ووجود حكومة موالية لإيران في العراق يعتبر صمام الأمان لهذا النفوذ الايراني، والذي يعتمد أيضا على قوة «حزب الله» في لبنان.
ولفترة من الوقت، بدا وكأن هذه الاستراتيجية على وشك الفشل بعد أن شارفت حكومة الأسد على السقوط عام 2012 وظهور حكومة عراقية بعيدة عن كونها دمية إيرانية. هذه التطورات، إلى جانب العقوبات الغربية، وضعت إيران في موقف دفاعي، وأصبحت فكرة نفوذها الاقليمي مجرد حلم.
وللمفارقة، أعاد تنظيم «داعش»، إيران بقوة إلى المنطقة، فقد استغلت إيران الدعاية ضد التنظيم كونه ميليشيا مروعة ومرعبة وأيضا قوية جداً، والحقيقة هي أنه على الرغم من أن «داعش» ليس ضعيفاً، فإنه يمثل مجرد جزء صغير جدا من الطائفة السنية في العراق، وأهل السنة هم أقلية في العراق. وفي الوقت نفسه، فإن الدعاية وحشد الطائفة الشيعية لمقاومة «داعش»، سمحت للمستشارين الإيرانيين بإدارة الميليشيات الشيعية في العراق، ولحد ما الجيش العراقي، بفعالية، واضطرت الولايات المتحدة لاستخدام القوة الجوية جنباً إلى جنب مع القوات البرية بقيادة إيران، وهذا يعني أنه عندما يضعف التنظيم، فإن الفائز الافتراضي في العراق سيكون إيران.
عندما ننظر إلى الخريطة ونفكر في الوضع في اليمن، ندرك أن السعودية ودول مجلس التعاون، محقتين في اتخاذ عمل ما بالنظر إلى ما يحدث على طول الحدود الشمالية من شبه الجزيرة العربية، وأن السعوديين ينظرون إلى إمكانية انتصار الحوثيين وإقامتهم دولة شيعية موالية لإيران جنوب بلادهم، وأن السعودية ودول الخليج ستواجه إمكانية أن يطوقهم الشيعة أو إيران. ويبدو أن هناك عامل يصب في مصلحة السعوديين، وهو أن الحوثيين ليسوا وكلاء مثل «حزب الله» الشيعي في لبنان، ولهذا فإن العمليات العسكرية التي تهدف إلى قطع خطوط الإمداد الإيرانية إلى الحوثيين يمكن أن تخفف من هذا الخطر بشكل عام.
وتبنت السعودية، التي تمثل مركز الثقل الديني في العالم الاسلامي، هي وحلفائها استراتيجية دفاعية من الناحية الاستراتيجية وهجومية من الناحية التكتيكية تهدف إلى منع امتداد النفوذ الإيراني والشيعي، مستخدمة القوة الجوية لدعم القوات المحلية على الأرض. وما لم يكن هناك غزو شامل لليمن، فإن السعوديين يتبنون الاستراتيجية الأميركية في أوائل القرن الجاري على نطاق أصغر.
والاستراتيجية الأميركية في هذا الخصوص هي الأكثر تعقيداً، وكما أشرت من قبل تتبع واشنطن استراتيجية تركز على الحفاظ على توازن القوى. هذا النوع من النهج هو دائما فوضوي لأن الهدف منه لا يتمثل في عدم دعم قوة بعينها، ولكن الحفاظ على التوازن بين قوى متعددة. ولذلك، فإن الولايات المتحدة تقدم المعلومات الاستخباراتية وتخطيط المهمة للتحالف العربي ضد الحوثيين وحلفائهم الإيرانيين، بينما تقدم في العراق الدعم للشيعة وبالتالي إلى حلفائهم (ايران) لضرب «داعش». وفي سورية، تبدو استراتيجية الولايات المتحدة معقدة وترفض التدخل على نطاق واسع ولكنها تلتزم بتوازن القوى. يمكن للولايات المتحدة أن تعارض إيران في أحد مسارح العمليات، ولكنها تقدم الدعم لها في مسرح آخر.
وتلخيصا لما سبق فإن إيران تسعى في الوقت الراهن ليس فقط للحصول على نفوذ يمتد حتى البحر الأبيض المتوسط، ولكن هذه المرة، لنفوذ يحتمل أن يشمل اليمن، وهذا من شأنه أن يخلق تهديداً لشبه الجزيرة العربية، ولهذا اضطر السعوديون للرد، والسؤال هو: هل تستطيع الضربات الجوية وقف تقدم الحوثيين؟. وتعد الضربات الجوية وسيلة منخفضة التكلفة نسبياً لشن الحرب، لكنها تفشل في كثير من الأحيان. السؤال التالي هو ماذا سيفعل السعوديين في هذه الحالة؟، والسؤال الثاني هو ما سيفعل الأميركيون؟.
جورج فريدمان محلل استراتيجي في مؤسسة ستراتفور