«طالبان» أصبحت أكثر ثقة وفتحت مكتباً في الدوحة للتفاوض مع الغرب. رويترز

محادثات «طالبان» مع واشنطن.. استـــسلام الغرب في أفغانستان

في أبريل ‬2007 اقترح السياسي الألماني كورت بيك، الذي كان رئيساً للحزب الديمقراطي الاجتماعي، أن يكون هناك مؤتمر صحافي حول أفغانستان، يمكن أن يتضمن جميع الجماعات ذات الصلة، بمن فيها حركة طالبان، لكن هذه الفكرة لم ترجع عليه بأي شيء إلا الاحتقار، حتى أن المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل ووزير خارجية أفغانستان رانجين سبانتا في ذلك الوقت قالا إن كلام بيك «ليس له أي أساس».

لكن الآن، وبعد مرور ست سنوات، يتم تنفيذ فكرة بيك بالضبط. وقبل أسبوعين، أقامت حركة طالبان حفل افتتاح لمكتبها الجديد في الدوحة. ويريد الإسلاميون استضافة مفاوضات السلام هناك مع الحكومة الافغانية والبيت الأبيض. وظل الرئيس الأفغاني حامد كرزاي يتظاهر بالخجل بشأن هذه القضية، بيد أن المحادثات بين «طالبان» وحكومة الولايات المتحدة، من المفترض أن تبدأ في غضون الأيام القليلة المقبلة.

وأجرت الأطراف المعنية محادثات سرية منذ سنوات. والتقى ممثلو الطرفين في ألمانيا في مناسبات عدة، لكن الآن، وللمرة الأولى منذ بداية التدخل العسكري الدولي في أفغانستان عام ‬2001، فإن «طالبان» ستأخذ مقعداً رسمياً على طاولة المفاوضات. وكانت الحركة رفضت المشاركة في أي من المؤتمرات الأفغانية، التي عقدت في فترات متباعدة.

لكن الأمور تغيرت الآن، إذ إن الولايات المتحدة وحلفاءها يخططون لانسحاب شبه منظم للجنود المقاتلين من أفغانستان التي تضربها المعارك. وفي الوقت الذي فتحت فيه «طالبان» مكتبها في الدوحة، أعلن كرزاي أن الجيش الافغاني تسلم رسمياً مسؤولية الأمن في جميع أنحاء الدولة من القوات الدولية المساعدة على إرساء الأمن في أفغانستان (إيساف)، وهي مهمة الأمن التي يشرف عليها حلف شمال الاطلسي (الناتو) في أفغانستان. وبحلول نهاية عام ‬2014 من المفترض أن يتم سحب نحو ‬100 ألف جندي أجنبي من الأراضي الأفغانية، إذ سيُترك المدربون العسكريون في أفغانستان فقط.

وتأمل دول حلف شمال الأطلسي أن تتمكن من ترك أفغانستان بعد انسحابها كدولة لا تكتسحها الفوضى على الأقل. وفي عام ‬2001 وضع الغرب أهدافا متغطرسة بالنسبة لأفغانستان، بما فيها تنفيذ الديمقراطية، وحماية حقوق المرأة، وتعزيز الحكم الرشيد، لكن الدول المشاركة في قوات (إيساف) تخلت عن انجاز مثل هذه الاهداف منذ زمن بعيد. وأشارت الولايات المتحدة إلى أن «طالبان» سيسمح لها بما تريد، طالما أنها تحجم عن السماح للإرهابيين العالميين باللجوء الى الأماكن التي تسيطر عليها.

وكان التمييز الذي تكرر ذكره بين العناصر «المعتدلة» و«المتطرفة» بين أفراد «طالبان» من ناحية تأييد هذه الفكرة. فمن ناحية هناك أعضاء من «طالبان» يريدون التبشير بالامبراطورية الإسلامية العالمية، بمساعدة تنظيم القاعدة، ومن ناحية ثانية هناك من هم قانعون بحكم كابول.

والأمر الذي يوحد الطرفين هو احتقارهما لحقوق المرأة والأقليات. ورسمت منظمة هيومن رايتس ووتش لحقوق الإنسان صورة قاتمة لمستقبل النساء في هذه الدولة، كما أن منظمة العفو الدولية تشكو الانتهاكات الكبيرة لحقوق الإنسان، وقالت هذه المنظمة في تقريرها السنوي إن النساء والفتيات يتعرضن الآن للعنف بصورة متكررة.

خلافات

تمكنت «طالبان» من السيطرة على العديد من المناطق، خصوصاً المناطق الحدودية مع باكستان، في الجزء الشرقي من الدولة، ويقومون هناك بفرض النظام الاسلامي. وكشفت دراسة نشرها الجيش الالماني في نهاية مايو الماضي مدى سوء الأوضاع الامنية، وذكرت أن عدد الهجمات على الجنود والمدنيين ازداد بنسبة ‬25٪ عام ‬2012.

ومع اتساع هجماتها وقوتها، أصبحت «طالبان» أكثر ثقة. وعند فتح مكتب «طالبان» في الدوحة كتب عليه «المكتب السياسي للإمارة الإسلامية في افغانستان»، وهو الاسم الذي كانت تحمله الدولة في الفترة ما بين ‬1996 و‬2001 عندما سيطرت على السلطة في كابول، لكن بعد الضغوط التي مارستها الولايات المتحدة وآخرون أعيد كتابة اسم المكتب على النحو التالي «المكتب السياسي لطالبان أفغانستان»، وهو الأمر الذي يصور «طالبان» صراحة باعتبارها حكومة مكافئة للرئيس كرزاي، الأمر الذي يوحي بأنه يمكن التوصل الى اتفاق بشأن اقتسام السلطة.

وأثارت هذه الخطوة غضب الرئيس كرزاي، الذي يرى أنها إهانة لسيادة حكومته. وفي يوم الأربعاء الماضي، انسحب وفده من المحادثات، لكن حسب ما ذكرته وكالة «أسوشييتدبرس» للأخبار فإن كرزاي مستعد للانضمام للمحادثات إذا تمت إزالة راية طالبان والاسم الذي وضعته على مكتبها، وقامت الولايات المتحدة بإرسال رسالة دعم لحكومته، لكن من الناحية الاخرى فإن هناك مجموعات من «طالبان» ترفض المحادثات مع ممثلي كرزاي لأنهم يرون الرئيس ليس أكثر من «دمية» بيد الحكومة الاميركية.

لعبة النفوذ

تعهدت «شبكة حقاني»، بصورة خاصة، بدعم فاتر للمحادثات، ويتمتع هذا الفرع من «طالبان»، الذي يدعي المسؤولية عن العديد من الهجمات في أفغانستان وباكستان بالكثير من النفوذ. وهذه الشبكة اعتقلت الرقيب الاميركي بوي برغدالي منذ عام ‬2009، وهي تهدد الآن فرص نجاح السلام لهذه المفاوضات أو عقدها من الأساس، مالم يتم اطلاق سراح خمسة من سجناء «طالبان» في معتقل غوانتانامو الأميركي مقابل إطلاق سراح برغدالي. وقال متحدث باسم «طالبان» في قطر لصحيفة «نيويورك تايمز» إن تبادل الاسرى سيكون «جسراً لبناء الثقة»، لكن الصحيفة أشارت أيضاً إلى أن خمسة من أعضاء «طالبان» يعتبرون من أهم قادتها في غوانتانامو ومن غير الوارد إطلاق سراحهم الآن.

من ناحية «طالبان»، فإن الجهود المبذولة من أجل إنجاح الحوار ربما يمكن أن يقوده ما يعرف بـ«كويتا شورى»، وهي السلطة التي تعمل بصورة رئيسة من باكستان، والتي ينظر إليها باعتبارها القيادة السياسية للحركة. ويقال إنها لاتزال برئاسة (زعيم حركة طالبان) الملا محمد عمر، وهو الرجل الذي قامت الولايات المتحدة وحلفاؤها بطرده من كابول عام ‬2001.

وتهدف المفاوضات إلى تشكيل حكومة أفغانية تكون «طالبان» جزءاً منها. ومقابل الاعتراف السياسي الرسمي، تطالب الولايات المتحدة وكرزاي، بأن تعترف الحركة بالولاء للدستور الافغاني الذي تم وضعه عام ‬2004، لكن «طالبان» لا تعترف بأي دستور باستثناء القرآن، الأمر الذي يجعل من الصعوبة بمكان التوصل إلى حل.

وستلعب باكستان دوراً حاسماً في تحديد ما إذا كانت هذه المفاوضات مثمرة أم لا. وتواصل الحكومة والجيش في باكستان، وكذلك المخابرات العسكرية، بذل قدر كبير من الضغط على طالبان. وأعلنت باكستان أن «مصالحها الشرعية في أفغانستان» يجب أن يتواصل حمايتها حتى بعد انسحاب قوات (إيساف). ونتيجة لذلك فإن المحادثات في الدوحة ستؤدي إلى انفراج اذا كانت باكستان راضية بهذه النتيجة.

كريستوفر سيدو محلل سياسي في «ديرشبيغل»

 

الأكثر مشاركة