عناصر أكثر من ‬500 ميليشيا انضووا في جهاز الشرطة بعد الثورة أو تحولوا إلى عصابات. أ.ف.ب

الثوار يضيّقون الخناق على معارضي الـــقذافي

لثلاثة عقود ظل الليبي حسن الأمين أحد أشهر المعارضين في هذا البلد. وعمل على التنظيم والتحريض ضد نظام (الزعيم الليبي الراحل معمر) القذافي من مكتب صغير في شقته في جنوب لندن. وعندما اكتسح الربيع العربي ليبيا، عاد حسن الى بلاده وحظي بترحيب كبير، وتم انتخابه العام الماضي في البرلمان الجديد، وتعيينه رئيسا للجنة حقوق الانسان، لكنه عاد إلى المنفى الآن مرة ثانية، حيث تمت ملاحقته في ليبيا من قبل بعض الميليشيات التي كان يعتبر أفرادها سابقا جماعة من الأبطال.

وفي حقيقة الأمر فإن انتصار الأمين ومن ثم هروبه الى المنفى يمثل قصة انحدار ليبيا من مرحلة انتصار ما بعد الثورة إلى بلد محكومة بقوة السلاح.

ويقول الأمين «لقد عدت الى ليبيا والدموع في عيني. وكنت متفائلا جدا، لكن هناك من اختطف الثورة».

والتقيت معه للمرة الاولى «والحديث للكاتب» في يوم حار من الأيام الاخيرة للثورة، عندما كان يتحدث أمام المئات من الزوجات والأمهات، والاخوات في مدينة مصراتة في أحد المساجد في ضاحية زاروق التي تعرضت لقصف شديد.

وكانت الصواريخ لاتزال تسقط على المدينة، لكن الأمين لم يعبأ لذلك لكونه كان يتحدث عن المستقبل المشرق والحر لدولة تخلصت من حكم الدكتاتور، ويمكنها ان تستمتع بأكبر مصادر النفط الموجودة في قارة افريقيا.

ويضيف «كنت ممتلئاً بالأمل في تلك الفترة، واعتقدت أن الجميع سيتحمل المسؤولية»، لكن المدافع لم تصمت كما ينبغي في ليبيا. وتعتبر أعمال العنف التي تقوم بها الميليشيات هي اللعنة التي تعرضت لها ليبيا، والتي انفجرت في سبتمبر الماضي بمقتل السفير الاميركي كريستوفر ستيفنز عندما اقتحم «الجهاديون» القنصلية الاميركية في بنغازي.

وفي هذا الشهر وصلت أعمال العنف أخيراً إلى الأمين نفسه، وكان قد اشتبك مع بعض قادة الميليشيات في مصراتة، عندما زار السجون، وطلب أن يكون السجناء تحت رعاية الحكومة. وفي الخامس من مارس الماضي اجتمع البرلمان الليبي لمناقشة أهم قضية في ليبيا حاليا، والمتمثلة في «التنظيف المخطط لمسؤولي مرحلة القذافي من المناصب العامة».

وبعد أيام عدة من الاحتجاجات، انتقل أعضاء البرلمان إلى مكتب تابع لإدارة الأرصاد الجوية في ليبيا، على أمل أن يوفر هذا الموقع البعيد عن المدينة بعض الأمن. لكن المحتجين المسلحين طوقوا المبنى، وعمد المسلحون إلى اقتحامه، بعد أن اختفى رجال الشرطة، واحتجزوا أعضاء البرلمان رهائن لمدة ‬12 ساعة.

وتحصن أعضاء البرلمان من النساء داخل أحد المكاتب، في حين فر الآخرون للنجاة بأرواحهم. وخلال هربه تعرضت سيارة رئيس البرلمان محمد المقريف لرشقة من رصاص أحد المدافع الرشاشة.

وكان الأمين في طريقه نحو البرلمان عندما اتصل به أحد أعضاء البرلمان، وحذره من الفوضى القائمة. فغير طريقه إلى محطة «تلفزيون طرابلس»، وحث الليبيين في بث حي على إنقاذ برلمانهم. وجعلت منه هذه الخطوة محط انتقادات المحتجين وهدفاً للميليشيات المارقة ايضاً، وتلا ذلك تعرضه للعديد من التهديدات بالقتل، ولذلك قرر الاستقالة من البرلمان، وكان أول أعضاء البرلمان الذي يقوم بهذه الخطوة، وهرب من البلاد عائداً الى بريطانيا.

والتقيت به الأسبوع الماضي في منزله، الذي طلب مني عدم البوح بموقعه «الحديث للكاتب»، حيث يقوم من هناك بحشد الدعم للثورة.

وعاد موقعه على الانترنت، «ليبيا المستقبل» إلى نشاطه من جديد، ولكن هذه المرة يطالب الميليشيات باحترام البرلمان.

وكانت الرفوف الموجودة في منزله تعج بكتب القانون باللغتين الإنجليزية والعربية، في حين أن صحن السجائر كان مملوءاً أمامه، وكان الرجل منحنياً بقوامه النحيل فوق جهاز كمبيوتر، حيث يقرأ رسائل الدعم المقبلة من ليبيا والخارج.

ويقول الامين «لم أكن أفكر يوماً بأن يحدث هذا في ليبيا. لقد أصبح البلد الآن يعج بالجماعات المسلحة، وبعضها خارج عن السيطرة. وهناك آلاف السجناء داخل السجون من دون ادانة بأية تهمة، وكنت رئيساً للجنة حقوق الانسان، ولم أتمكن من القيام بأي شيء».

وكانت الحياة في المنفى شيئاً مألوفا بالنسبة للأمين، (‬53 عاماً)، وهرب من ليبيا زمن القذافي عام ‬1983، بعد أن اعتقل خلال عملية تطهير في جامعته. وتعرض للضرب والتعذيب، ومن ثم تم اطلاق سراحه على شرط أن يتجسس على زملائه، ومن ثم ينقل اخبارهم الى الأمن الليبي. لكنه بدلا من ذلك فر الى لندن. ووصل الى هناك في الرابع من يوليو، ليجد المدينة مزينة بالأعلام الاميركية.

ويقول الأمين متذكراً «ظننت أنني جئت الى المكان الخطأ، فقد كانت الاعلام الاميركية في كل مكان، ولكن أحدهم ابلغني انه يوم الاستقلال الاميركي».

وعاش الأمين في لندن وتزوج امرأة أصلها من مصراتة، وكون أسرة من ثلاثة أطفال، وبعد أن حصل على شهادة الماجستير في التعليم المقارن من جامعة لندن، بدأ العمل بالتدريس في مدرسة بمدينة سوري.

وفي غضون ذلك أصبح ناشطا مرموقاً، وفي كل يوم سبت كان يجتمع مع ثلة من الليبيين المنفيين في ساحة الطرف الأغر بلندن، حيث يوزعون المنشورات ضد القذافي.

ويقول الامين «أحياناً كنت أذهب الى هناك بنفسي وابني فقط خلال الطقس الماطر أو المثلج ايضا كان من المهم أن أكون هناك».

وعندما تمت دعوة ابن القذافي سيف الإسلام ليلقي كلمة في كلية الاقتصاد في جامعة لندن عام ‬2009، بعد أن قدم مبلغ ‬1.5 مليون دولار للجامعة، قرر الأمين وعدد من زملائه التظاهر، لكنهم تعرضوا للاعتداء من قبل انصار القذافي على أعتاب الجامعة.

ويضيف الأمين «أنا لم أفقد الامل يوماً في حياتي، وكنت متأكداً من أن القذافي لن يبقى إلى الأبد، لكن الأمر الذي لم أكن أتوقعه هو أن تحدث الأمور بهذه الطريقة، وأن يقوم الشعب الليبي بذلك على هذا النحو».

وكان انتشار الثورة بهذا الشكل الكبير حيث شارك فيها اكثر من ‬500 ميليشيا، قد أثبتت فيما بعد أنها من سمات ضعفها. وعلى الرغم من أن العديد من الميليشيات تحولت الى ما يشبه الشرطة، إلا أن آخرين تحولوا الى عصابات مسلحة، نظرا لضعف الحكومة وعدم قدرتها على الوقوف في وجه هذه الميليشيات.

وكانت النتيجة تشظي الدولة وضعف الاقتصاد وركوده، وخشي المستثمرون الاجانب العمل في ليبيا، في حين انقسم القادة الليبيون في ما بينهم، على معالجة الفوضى التي خلفها أفول أربعة عقود من حكم القذافي الوحشي.

وفي فبراير الماضي، ونتيجة ضعف البرلمان جراء الاحتجاجات، لجأ الى التخلي عما يسمى خريطة الطريق، وهي إعلان دستوري تم التوصل اليه قبل عامين، أوكل اليه الإشراف على الدستور الليبي، وهنا لابد من انتخاب هيئة أخرى تقوم بهذا الدور، لكن نظرا لتصاعد الجدل والنقاشات بشأن قانون الشريعة في الدستور، وحدوث المشاحنات بين الزعماء المحليين على النفوذ، ليس هناك أي بوادر على حدوث مثل هذا الانتخاب.

ويقول الامين «نحن بحاجة الى خطة خريطة طريق جديدة، والبرلمان هو أعلى هيئة قضائية في الدولة، واذا انتهى هذا النظام القضائي، فستنتهي الدولة برمتها».

كريستوفر ستيفن  مراسل صحيفة «الأوبزرفر»

 

الأكثر مشاركة