البرادعي: الدستور سيحدد مستقبل «ثورة 25 يناير»
عندما عدت إلى مصر قبل عامين، صارت خطة (الرئيس المصري السابق) حسني مبارك، التي تتمثل في نقل السلطة الى ابنه جمال، أمراً واقعاً لا مرد عنه، فأخذت أدعو الى مصر جديدة ترتكز على الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ونعتوني، في المقابل، بالمعادي للإسلام، والأميركي، والإسرائيلي، حتى وصفوني بالعميل الايراني، واقتحموا صفحة ابنتي على موقع «فيس بوك»، ونشروا صورها الخاصة على الشبكة.
الـ11 من فبراير الماضي، كان اكثر الايام المشهودة في حياتي: ففي ذلك المساء الدافئ في ميدان التحرير كانت جميع الانظار معلقة بالشاشات العريضة التي ظهر من خلالها نائب الرئيس المعين على عجل، ليعلن بأن مبارك سيتنحى عن منصبه. لم اكن اتوقع من قبل أنني سأشهد مثل هذا اليوم، لكن على الرغم من مرور عام على ذلك لاتزال مصر في حالة من الهيجان. تلك الثورة التي ارتكزت عليها الآمال احتفلت بعيدها الاول في الوقت الذي تغص فيه الشوارع مرة اخرى بالملايين، منتقدين الجيش لفشله في الانتقال بالبلاد لبر الديمقراطية.
الكثير من المراقبين يشيرون الى الخطط الانتقالية المضللة، والى الاقتصاد المتهالك، وأصيب جهاز الامن بالاختلال الوظيفي، كما يبدو من المجزرة الكروية المرعبة الاسبوع الماضي، حيث ظل افراد هذا الجهاز وثقافته من دون تغيير، كما كانت عليه الحال في عهد مبارك، فهل يعني ذلك اننا سنخفض من توقعاتنا بشأن حلول الديمقراطية في مصر؟ قطعاً لا.
لقد كان العام الماضي بطبيعة الحال عاماً من القنوط والمشكلات. عندما تولى الجيش زمام الأمور قوبلت دباباته بالفرح والزهور: كانوا حماة للثورة، إلا انه تعوزهم الخبرة في ادارة شؤون البلاد - وليس من المتوقع ان ينجحوا في ذلك، في البداية أكدوا أن الفترة الانتقالية ستستغرق ستة اشهر فقط، وهذا لعمري ضرب من السذاجة، لقد ذكرت من قبل ان الامر سيستغرق عامين من الزمان لتأسيس اطار ديمقراطي، وتشكيل مجلس انتقالي من المدنيين والعسكريين، وجمعية لكتابة الدستور، ويلزم الاحزاب الجديدة وقت للتنظيم والاندماج في الحياة السياسية، وعند هذه النقطة نستطيع فقط الذهاب لصناديق الاقتراع.
عندما دعاني المجلس العسكري للاجتماع به لأول مرة، رسم المجلس خريطة للرجوع للخلف، وكانت النتيجة عبارة عن مسرحية دستورية سياسية غريبة الاطوار، تشبه المسرحية اليابانية الراقصة. تم تقديم التعديلات الدستورية للاقتراع عليها من قبل الجمهور، ولم تمض ايام قلائل إلا وتم إلغاء الدستور واستبداله بصيغة انتقالية جاء بها العسكر. وعندما ذهبت للاقتراع على الدستور تعرضت للهجوم، وتعرضت سيارتي للتحطيم من قبل بعض العناصر الذين ظهر فيما بعد انهم يعملون لصالح امن الدولة.
استغرقت الانتخابات لمجلس الشعب ثلاثة اشهر، ومن المتوقع ان يستغرق الامر شهرين اضافيين لانتخاب مجلس الشورى، وأصبح الامر محيرا بالنسبة للناخبين الجدد، هل كانت انتخابات حرة ونزيهة؟ نعم، لكن ليس بالنسبة للممثلين، فالشباب الذين اشعلوا الثورة انتهى بهم الامر الى الحصول على عدد ضئيل من المقاعد، وجاء تمثيل المرأة اقل من 2٪، والاقباط المسيحيين الذين يمثلون 10٪ من جملة سكان البلاد حصلوا على اقل من 2٪، وحصل الاسلاميون على 70٪ من المقاعد، لان الشعب المصري يتطلع الى بديل قوي لنظام مبارك.
وفي الوقت الذي نطبق فيه الجدول الزمني - من الناحية النظرية فقط -لإكمال المرحلة الانتقالية والوصول الى حكم مدني بنهاية يونيو المقبل، نجد ان التحديات الحقيقية ستبدأ في يوليو مع وصول القيادة الجديدة الى سدة الحكم.
ويتضح أن اداء الحكومة الانتقالية كان دون التوقعات، اذ لم ير المصريون سوى عدد ضئيل من التغييرات الموجبة، ولم تعد الصحافة المملوكة للحكومة ناطقا رسميا باسم مبارك، بل باسم الجيش، ويعتري الشعب المصري الغضب، حيث ان 12 الفاً من النشطاء يمثلون الآن امام محاكم عسكرية منذ بواكير ،2011 وان الجزء الاكبر من قانون الطوارئ البغيض لم يتم إلغاؤه حتى الآن.
كما ان انعدام الأمن وعدم وجود خطة سياسية واضحة قد اثرت كثيرا في الاقتصاد، وتقلصت احتياطاتنا من العملة الصعبة البالغ قدرها 36 مليار دولار الى الثلث تقريبا، ويعتقد الاقتصاديون أن الجزء المتبقي سينتهي في مارس، واغلق نحو 1000 من المصانع ابوابها، وضعفت السياحة، وتباطأت الاستثمارات الاجنبية المباشرة، ووصل معدل البطالة الى 15٪، وأعتقد أن معظم هذه الأعراض تنجم عن الثورات الناشئة، لكن كيف لنا ان نضمن أن مثل هذه الأعراض يمكن معالجتها، وانها لن تشكل عقبة كبيرة لنا؟
معظم ما جاء اعلاه يعتمد على الدستور المتوقع ان تتبناه البلاد خلال ستة اسابيع، وما اذا كان هذا الدستور يكفل حقوق الانسان والحريات الاخرى، وما اذا كان البرلمان والحكومة الجديدان سيصيغان تلك الضمانات في شكل قوانين وممارسات، وما اذا كان في استطاعة الدستور انتشال المصريين من براثن الفقر. يتشكك البعض بنفوذ الاسلاميين، ويعتقدون انه بسبب اختفائهم عقودا من الزمن من المسرح السياسي فلن تتوافر لديهم تجربة سليمة في الحكم، وقبل الثورة قاتلنا معا جنبا الى جنب من اجل مصر الجديدة، على الرغم من اختلافنا في الرؤى.
وفي عشية الـ28 من يناير العام الماضي، تم اعتقال اثنين من قادتهم بعد مغادرتهم منزلي، ويطلع احدهم الآن برئاسة البرلمان، اتصلت به الاسبوع الماضي لتهنئته، واعتقد أن الاسلاميين سيساندون الطوائف السياسية الاخرى، ويدعمون سياسة السوق الحرة، ويصبحون أكثر براغماتية (عملانية).
لقد حان الوقت لنضع خلافاتنا جانباً، لأننا في أشد الحاجة لقوة مصر الموحدة لضمان استقلالية القضاء، وحماية حرية الصحافة، والمجتمع المدني، واستكشاف امكانية البلاد كسوق ناشء.
ومع عدم وجود اطار ديمقراطي تنحيت أخيرا عن السباق الرئاسي، وأعتقد أنني استطيع المساهمة اكثر عندما لا اكون منغمسا في السياسة، وأتمنى ان اصبح مرشدا للشباب الذين اشعلوا الثورة لكي يصبحوا قادرين على تولي زمام القيادة في البلاد في الانتخابات المقبلة، كما اريد ان اهتم بمعالجة النسيج الاجتماعي المتآكل.
لا تعتريني الأوهام، فالطريق امامنا طويل وصعب، لقد حققنا انجازاً علينا دعمه وتعزيزه يتمثل في ثقتنا بأنفسنا، فقد ولت ثقافة الخوف الى غير رجعة، وعلى الرغم من انجازات وانتكاسات العام الماضي، فإنني اعتقد اعتقاداً جازماً ان ثورتنا ستنجح.
محمد البرادعي مصري حائز جائزة نوبل للسلام