تركيا وإيران صراع «ظاهري» واتفاق حول المصالح
قبل 10سنوات وصف محللون أميركيون وإسرائيليون ما يجري في النزاعات الجيو ـ استراتيجية في الشرق الأوسط، بأنها «حرب باردة» جديدة، وحذر هؤلاء من مد إيراني في المنطقة، خصوصاً في لبنان والعراق. وبدأ العام الجديد بمحاولة رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، الموالي لطهران، الهيمنة على الحكومة، في الوقت الذي استعرضت فيه إيران صواريخها الجديدة وقدرتها على إنتاج الوقود النووي، وتهديدها بإغلاق مضيق هرمز الحيوي في حال تم حظر تصدير النفط من موانئها. وخلال قراءة سريعة للأحداث الأخيرة تتضح جلياً النزعة التوسعية لطهران، في الوقت الذي ازدادت فيه المخاوف من احتمال امتلاك هذه الأخيرة للقوة النووية، الأمر الذي يجعل النظام الحالي وحلفاءه محصنين أمام أية مخاطر أجنبية.
يعاني كل من الولايات المتحدة وإيران مصاعب سياسية واقتصادية مختلفة، فالأولى تعيش ركوداً اقتصادياً وخلافات بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، والثانية تقبع تحت عقوبات دولية منذ سنوات. وفي الوقت نفسه، تشهد المنطقة صعوداً جامحاً لقوة اقتصادية وسياسية، طالما تم تجاهلها في الحسابات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وتتمثل في الدولة التركية الحديثة.
وعلاوة على ذلك، فقد غاب عن المراقبين الغربيين في الموضوع الرئيس للأحداث، التقاسم الناعم للبلدان العربية الذي تم بين أنقرة وطهران، في الوقت الذي يختفي فيه الدور المسيطر الذي تتمتع به أميركا، كونه الراعي الرئيس لبلدان الشرق الأوسط. واليوم لاتزال إسرائيل وبعض بلدان المنطقة، فقط، تعد واشنطن راعيها الرئيس.
عقب انسحاب القوات الأميركية من العراق عبر المسؤولون في حكومة إقليم كردستان، شمال العراق، عن حاجتهم الماسة إلى قوة كبرى ترعاهم وتحميهم من هيمنة السلطة المركزية في بغداد. وتحتاج كردستان التي تفتقد منفذاً بحرياً، إلى قناة تصدّر من خلالها النفط، الذي تنتجه حقول الإقليم، إلى الغرب. والبلد الوحيد الذي يمكن أن يلعب الدورين معاً، هو بالتأكيد تركيا المجاورة، ولذا كان موقف زعماء الإقليم منحازاً لأنقرة ضد حزب العمال الكردستاني، وكان يفترض أن يكون في مصلحة إخوانهم الأكراد على الجانب الثاني من الحدود.
وهذا ما يفسر ردة الفعل الرسمية في حكومة كردستان العراق، عقب مقتل مهربين أكراد، خطأً، في المنطقة الحدودية بين تركيا والعراق أواخر العام الماضي، من قبل الجيش التركي، إذ لم تتسبب الحادثة في غضب عارم أو تصريحات هجومية للمسؤولين الأكراد، ولم يلاحظ في شوارع أربيل ما يدل على غضب شعبي من الممارسات التركية.
وفي المقابل، هناك حضور تركي لافت في المدينة، من خلال مشروعات البناء والاستثمارات المختلفة والمواد الاستهلاكية، فضلاً عن السياح الذين يأتون من الأقاليم الجنوبية التركية.
وإذا استدعت الحاجة لمد أنابيب من إقليم كردستان إلى البحر المتوسط، مروراً بتركيا، فبطبيعة الحال ستنتج عن ذلك إقامة «دولة عازلة» بين تركيا والإقليم العراقي. وستوفر الدويلة الجديدة جداراً يمنع إيران أو أميركا أو الحزب العمال الكردستاني من التدخل في الشؤون التركية.
في المناطق العراقية الجنوبية، يبدو الوضع مختلفاً تماماً، فهناك يتم إنشاء «دولة عازلة»، تلقى الدعم المباشر من إيران، لتكون حصناً لهذه الأخيرة في مواجهة تركيا والسعودية وأميركا.
وأحداث الأسابيع الأخيرة بددت كل الشكوك، وأكدت أن المالكي هو «رجل إيران» في بغداد، وعلى الرغم من التقسيم الفعلي للعراق، لا تشكل طهران أو أنقرة تحدياً لمناطق نفوذ بعضهما البعض في العراق. وبالتالي، فقد عاد العراق الى موقعه التقليدي ليكون «بولندا الشرق الأوسط».
وفي سياق متصل، تتلاقى وجهتا النظر الإيرانية والتركية، حالياً، في ما يخص الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ومنذ الخمسينات من القرن الماضي إلى ،2002 تمتعت القيادة العسكرية العلمانية في أنقرة بعلاقات اقتصادية وسياسية متميزة مع الغرب، كما طورت علاقات دفاعية حميمة مع إسرائيل وحلف شمال الأطلسي (ناتو).
ومنذ ذلك العام تزحزحت أنقرة عن المحور الأمني الغربي، في البدء عارضت تركيا الحرب على العراق في ،2003 وبعد أن تعرض «أسطول الحرية» التركي للهجوم من قبل الإسرائيليين وقتل خلال الهجوم تسعة نشطاء أتراك في المياه الدولية، تحولت أنقرة إلى جانب الفلسطينيين.
في سورية فقط، يجد الطرفان نفسيهما على جبهتين مختلفتين من النزاع المسلح، فـ«حزب الله» المحسوب على إيران يدعم نظام (الرئيس السوري) بشار الأسد، والأتراك يوفرون ملاذا آمنا للمعارضين والثوار السوريين.
ومع ذلك فإن الصراع يبدو ظاهريا أكثرا منه حقيقيا. وبعد سقوط الأسد ستدعم تركيا الأغلبية السنية، في حين من المرجح أن تساند طهران الطائفة العلوية.
وعلى أية حال فإن كلا البلدين سيتوصلان بالتأكيد إلى طريقة للحفاظ على مصالحهما الاقتصادية والاستراتيجية، بغض النظر عن طبيعة النظام السوري المقبل.