أميركا تبرّر أعمال القتل والاغتيالات
صباح يوم 11 يناير الماضي قتل نائب رئيس منشأة «ناتاناز» لتخصيب اليورانيوم في ايران، مصطفى احمدي روشان، عن طريق تفجير سيارته، خلال توجهه الى عمله، بقنبلة مغناطيسية ألصقها سائق دراجة آلية على باب سيارته. وهو في الـ32 من عمره، ومتزوج ولديه طفل صغير، ولم يكن مسلحاً.
ومنذ عام 2010 قتل ثلاثة علماء ايرانيين اخرين يعملون في الطاقة النووية في ظروف مشابهة، بمن فيهم درويش رضانجاد (35 عاماً) وهو خبير في الإلكترونيات قتل اثناء انتظاره طفلته امام الروضة في طهران، خلال يوليو الماضي. ولكن بدلاً من الشعور بالغضب، واستنكار ذلك في العالم الغربي، كان هناك سرور مقنّع. وقال المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية، ريك سانتورم، متشدقاً في اكتوبر الماضي «في كل مناسبة يقتل فيها العلماء العاملون في المنشأة النووية الإيرانية، أعتقد انه امر رائع، ولكن لا أعلن عن ذلك». وفي اليوم الذي قتل فيه روشان قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، اللواء يوف موردخاي «لا أدري من الذي يصفي حساباته مع العلماء الإيرانيين، ولكني بالتأكيد لن أذرف الدموع على ذلك»، وتردد صدى المشاعر ذاتها عند المؤرخ مايكل بيرلي من الـ«ديلي تلغراف» عندما قال «لن اذرف الدموع بتاتاً عندما يقوم رجال على دراجات آلية بقتل هؤلاء العلماء».
وهؤلاء الرجال أصحاب الدراجات، يوصفون بأنهم منفذو اغتيالات، ولكن الاغتيال هو مجرد كلمة مؤدبة للتعبير عن الجريمة. وفي واقع الأمر فإن السياسيين في العالم الغربي، والعسكريون من خلفهم، يغلفون اعمال القتل المتعمدة للعلماء في طهران، وللمدنيين في وزيرستان، والسياسيين في غزة، في منظومة من المراوغة الكلامية، مثل الالغاء، وأعمال القتل المستهدفة، وضربات الطائرات بلا طيار. وبالطبع فإن هدفهم من كل ذلك هو تدريبنا على أن نألف أعمال العنف التي تشرف عليها الدولة ضد الأغراب. وعمد الضابط المتقاعد، ديف غروسمان، في كتابه الذي يحمل عنوان «في القتل»، الى تفحص آليات تمكننا ليس من تجاهل اعمال القتل هذه وانما الشعور بالفرح من اجلها، انه البعد الثقافي (اي الاختلافات العرقية التي تسمح للقاتل بتفريغ الضحية من إنسانيتها) والبعد الأخلاقي (انه الإيمان الموتور في الفوقية الأخلاقية) والبعد الميكانيكي (اي العاب القتل الإلكترونية التي يتم فيها القتل على الشاشة، انه رادع ميكانيكي الذي يسمح للقاتل بإنكار انسانية ضحيته).
وبناء عليه فإن الليبراليين الغربيين الذي يسارعون الى إدانة عقوبة الاعدام للمجرمين باعتباره قتلاً تشرف عليه الدولة، يصمتون تماماً عندما تقوم دولهم بقتل علماء نوويين، ومشتبه في ارتكابهم اعمال ارهاب، ورجال ميليشيا مزعومين في أقاصي الأرض. ومع ذلك قال محامي حقوق الإنسان والناشط، كليف ستانفورد سميث، ان «القتل المستهدف» هو في حقيقة الأمر «مجرد عقوبة اعدام من دون محاكمة»، وتزداد التناقضات هنا. فعلى سبيل المثال يعد تعذيب مشتبه فيه بارتكاب أعمال ارهابية مسألة خاطئة أخلاقياً، ولكن قتله بأسلوب ألعاب الفيديو، بوساطة صاروخ موجه من طائرة بلا طيار تجري قيادتها من اماكن قصية، يعد ذلك مبرراً أخلاقياً. وبالنظر لسيطرة الخوف وانعدام الأمن في العالم الغربي فإننا نمشي ونحن نيام نحو وضع انتحلت فيه الحكومات لنفسها حق قتل اعدائها في الخارج. ونحن هنا لا نتحدث عن الغرباء (بالنسبة للأوروبيين والأميركيين) فقط . وعلى سبيل المثال فإن أنور العولقي هو واعظ اسلامي، ومن انصار «القاعدة» لكنه مواطن اميركي. وفي 30 سبتمبر قتل العولقي مع مواطن اميركي اخر هو سمير خان. وبعد مرور اسبوعين هاجمت طائرة اخرى بلا طيار ابن العولقي (عبدالرحمن ـ 21 عاماً) وقتلته. ولم تتم ادانة مقتل الأب ولا الابن، ناهيك عن محاكمتهما أصلاً لارتكابهما اية جرائم. ولكن السؤال: هل من الممكن التغاضي عن، والتسامح مع، «هيئات سرية» و«قوائم قتل»، في الأنظمة الديمقراطية الليبرالية، التي يحكمها القانون؟ هل كان المؤسسون الأوائل للولايات المتحدة يقصدون ان يكون رئيس الولايات المتحدة هو القاضي ولجنة المحلفين ومنفذ الإعدام؟ فما الذي حدث لعملية توزع النفوذ على السلطات الحكومية الاميركية؟ ويمكن ان نتخيل ردة فعل سياسيينا ونقادنا إزاء حملة تهدف الى اغتيال العلماء في الدول الغربية، ولنقل من قبل ايران او كوريا الشمالية، وعندما يتعلق الأمر بأعمال القتل التي تحدث تحت رعاية الدولة، يظهر التعامل بمكيالين على نحو فج. ويقول الكاتب البريطاني جورج أورويل «عادة ما تكون الأعمال التي ترتكب اما جيدة او سيئة ،ليس بمدى احقيتها، وانما طبقاً لمن الذي فعلها.
ترجمة: حسن عبده حسن عن «الغارديان»